لم تكن الحرب على غزة مجرد تراكم لأرقام ضحايا وسقوط مخيمات ومدن، بل خلّفت طبقات متتالية من القهر، من بينها فراغ قانوني وإنساني اسمه «المفقودين»، آلاف الأشخاص اختفوا دفعة واحدة، بلا جثامين أو إجابة حاسمة تنهي انتظار عائلاتهم. ومع اتساع رقعة الحرب وتعاظم أعداد الغائبين، دخل ملف المفقودين مرحلة أكثر تعقيدًا، دفعت ما بقي من مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطة القضائية، إلى التعامل مع واقع لم يكن استثنائيًا في حجمه فحسب، بل في تبعاته على الأسر والحقوق والأحوال الشخصية.
ووفق معطيات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يُقدَّر عدد المفقودين بنحو 9500 شخص، فُقدوا تحت القصف المكثف، أو خلال الاجتياحات البرية، أو في محيط المستشفيات والمراكز الإنسانية. وفي المقابل، تجاوزت البلاغات الرسمية المسجلة حدود 5000 حالة، ما كشف عن فجوة واسعة بين عدد المفقودين الفعليين وقدرة الجهات الرسمية على التوثيق والمتابعة.
ومع مرور الوقت، وتراكم حالات الغياب دون أثر، باتت المحاكم أمام مسؤولية ثقيلة: أسر بلا معيل، زوجات معلّقات، أطفال بلا مصير قانوني واضح، وأموال وحقوق معلّقة لا يمكن حسمها دون حكم. هذا الواقع، ومع استحالة الوصول إلى مئات المواقع المدمرة، وتوقف أدوات البحث، دفع القضاء إلى تفعيل النصوص القانونية الناظمة لمسألة المفقود، والبدء بإصدار أحكام الوفاة ضمن شروط وضوابط صارمة، تحكمها النصوص الشرعية والقانونية، لا ضغط الواقع ولا استعجال الفقد.
موت حتى إشعار آخر
حين يبتلع الغياب الأسماء في الحروب، لا يختفي الناس دفعة واحدة، يختفون ببطء، خطوة ناقصة، صوت لا يعود، واسم يُنادى ولا يُجاب. إبراهيم عقرب واحد من هؤلاء، ففي شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، حين طلب الجيش الإسرائيلي من سكان غزة النزوح نحو الجنوب، بدا المشهد مألوفًا، أوامر، خوف، طرق مزدحمة، وناس يهربون بما تبقى من حياتهم، لكن إبراهيم لم يكن يهرب، كان يعود في الاتجاه المعاكس. فاستقل سيارة من جنوب القطاع نحو مدينة غزة.
السبب بسيط، وقاس، أراد أن يُحضر أخته من حي النصر. لم يشأ أن يتركها وحدها في المدينة المحاصرة، ففي طريق العودة، فُقد إبراهيم، في اليوم الأول، لم يعلُ الذعر، ظن أهله أنه تاه، إبراهيم يعاني إعاقة ذهنية، الطرق تغيّرت، الإشارات اختفت، والمدينة لم تعد كما يعرفها، قيل ربما ضل الاتجاه، ربما أوقفه حاجز، ربما احتمى في مكان ما.
لكن اليوم الثاني جاء، ثم الثالث، وصار الغياب أطول من التبرير، وانقطعت أخباره، لم يصل، لم يُشاهَد، لم يُسجَّل اسمه في قائمة ما. تحولت حياة إبراهيم إلى سؤال مفتوح، وصارت زوجته تناشد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صورة، اسم، وصف مختصر، «هل رأيتم إبراهيم؟»، ولا إجابة.
شاب آخر متزوج، رفضت عائلته ذكر اسمه، اختفى خلال الحرب تسعة أشهر كاملة، لا خبر عنه ولا أثر، اسمه أُدرج ضمن قوائم المفقودين، ومع مرور الوقت، ووفق المعطيات القاسية التي فرضها الواقع، اعتُبر في حكم الشهيد بعد ستة أشهر من اختفائه، ولم يكن القرار سهلًا، لكنه كان محاولة لإنقاذ ما تبقّى من أسرة مهددة بالضياع.
فزوجته بقيت وحدها، تحيط بها مسؤولية الأطفال، والخوف وقلق المستقبل. وفي ظل هذا الفراغ القاتل، تدخل شقيق الزوج، مدفوعًا بنيّة الكفالة والرعاية، وبحجة الحفاظ على الأبناء ومنع تفكك الأسرة. تم الزواج في ظروف استثنائية، لا تشبه الحياة الطبيعية، بل تشبه إدارة الخسارة بأقل الأضرار الممكنة.
خمسة أشهر مرّت على الزواج الثاني، قبل أن تنقلب الحكاية رأسًا على عقب، ظهر الأخ المفقود حيًّا، ولم يكن شهيدًا، بل أسيرًا لدى الاحتلال، خرج فجأة ليجد أن حياته القديمة قد أعيد ترتيبها بدونه، وأن بيته لم يعد كما تركه.
الصدمة لم تتوقف هنا، فقد تبيّن أن الزوجة أصبحت حاملًا من زوجها الحالي، في وقتٍ عاد فيه الزوج الأول إلى الحياة، وعند هذه اللحظة، لم تعد القصة حكاية فقدٍ فقط، بل تحوّلت إلى مأساة مركّبة، تتقاطع فيها النوايا مع نتائج مدمّرة، ويختلط فيها الشرع بالقانون، والإنسانية بالعرف، والنساء بالضغط الاجتماعي، والطفل بالمصير المجهول.
عائشة أبو عمرة لها قصة أخرى مع اختفاء ابنها. فمع بداية الحرب، هُجرت عائشة مع عائلتها إلى دير البلح، ولم يكن النزوح خيارًا، كان أمرًا واقعًا، حملت ما استطاعت، وتركت البيت، والصور، والأعمار التي عاشت هناك، فكان عبد الله، ابنها الأكبر، بجانبها، ستة وعشرون عامًا، قوي، صامت، وسندها الوحيد وسط الفوضى.
لم تكن تعلم أن هذا السند سيسقط فجأة، ففي أحد الأيام، خرج عبد الله من المكان الذي نزحوا إليه، لم يقل الكثير، لم يحمل شيئًا لافتًا، خرج كما يخرج الناس عادة، لكنه لم يعد.
في البداية، لم تخف، ظنت أن الأمر مجرد تأخير معتاد، قضاء حاجة ضرورية، دقائق تطول، لكن الدقائق تحولت إلى ساعات، والساعات إلى قلق ثقيل. سألت الجيران، رفاقه، كل من مرّ في المكان، لا أحد رآه، وبدأت رحلة البحث.
دخلت عائشة المستشفيات، مستشفى بعد آخر، تنظر في الوجوه، في الأسرّة، في الأجساد الملفوفة، راجعت قوائم الجرحى، ثم قوائم الشهداء، كانت ترتجف كلما رأت اسم عبد الله، لكن الاسم الكامل لم يكن هناك.
انتقل البحث إلى قوائم المعتقلين، ربما اعتقله الاحتلال، ربما أُوقف على حاجز، لكن اسمه لم يظهر أيضًا. صار المجهول أقسى من الخبر، ألا تعرف، ألا تحزن كاملًا، ولا تطمئن، أن تُفكّر بكل السيناريوهات في وقت واحد.
هل عاد عبد الله إلى الشمال؟ إلى المنطقة التي أُجبروا على مغادرتها تحت القصف؟ هل أُصيب هناك؟ هل تُرك وحيدًا؟ هل مات؟ كانت تحاول طرد الفكرة، تدفعها بعيدًا، لكنها تعود أقوى في كل مرة.
أما أم ناجح إسماعيل، فتحولت حياتها من السابع من أكتوبر 2023 إلى قصة غياب كبيرة. في ذلك اليوم، خرج أبناؤها مع ساعات العصر، كانت معهم عربة وحصان، مشهد بسيط لا يوحي بالخطر، فانتظرتهم حتى المساء، لكن الذي عاد كان الحصان وحده، بلا أولاد، بلا صوت، وكأنه يحمل خبرًا لا يُقال.
فبدأت بعدها رحلة البحث الطويلة، أبلغت الصليب الأحمر، راجعت المستشفيات، تابعت القوائم، وحين تُسلَّم جثامين من قبل الاحتلال، تذهب لتتفقد، تبحث عن أثر، عن اسم، عن نهاية محتملة لهذا الانتظار، وفي كل مرة تعود خالية اليدين، لكنها لا تزال متمسكة بأمل واحد، أن يعود أحد أبنائها حيًّا، ولو واحدًا.
لكن الغياب لم يتوقف عند حدود الفقد، مع مرور الوقت، بدأ يتمدد إلى داخل العائلة نفسها، الأحفاد كبروا فجأة بلا آباء، وزوجات الأبناء وجدن أنفسهن في مواجهة واقع هشّ، لا حماية فيه ولا سند، هنا، دخلت مسألة الوصاية، لا كقضية قانونية، بل كضغط يومي.
زوج أم ناجح بدأ يطالب بسحب الوصاية من زوجات أبنائه، بحجة إدارة شؤون الأطفال، لكن السبب الحقيقي كان أبسط وأقسى: السيطرة على المساعدات التي تصل باسم الأطفال، والتحكم في تفاصيل حياتهم الصغيرة.
وأم ناجح تقف بين الجميع، لا تريد صدامًا عائليًا يزيد حرب الإبادة مرارًا، ولا تستطيع الصمت، تعرف أن الغياب لا يبرر انتزاع الأطفال من أمهاتهم، وتعرف في الوقت نفسه أن كلمة واحدة قد تشعل خلافًا لا يُطفأ.
أما ياسمين ناصر ففقدت زوجها في شمال غزة في منتصف 2024، وكانت معها طفلتها الصغيرة. فمنذ اليوم الأول، بدأت والدة الزوج تهددها يوميًا، بكلمات حادة، وبنبرة تملؤها السيطرة، إذا لم يعد زوجها المفقود، سيتم أخذ ذهبها، أو إجبارها على الزواج من شقيقه، بحجة حماية الطفلة «التي لا يمكن أن يربيها رجل غريب»، وكل صباح كانت تبدأ التهديدات، وفي المساء كانت تتكرر الهمسات والرسائل المبطنة، وحتى أثناء لقاءات الأقارب كانت الأم تذكّرها بمصيرها ومصير طفلتها، وكأن كل حركة تخطوها مراقبة ومهددة.
فكانت ياسمين تتجنب أي صدام مباشر، تحاول الصبر والمراوغة، لكنها شعرت بثقل كل تهديد، كل كلمة تعيدها إلى خوف جديد من فقدان ما تبقى لها، ومع ذلك، كانت تتمسّك بحقوقها وحقوق ابنتها، محافظة على صبرها، وهي تأمل أن تعود الأيام بأمل أو بخبر يضع حدًا للانتظار الطويل، رغم أن كل يوم يمر يمثل اختبارًا جديدًا لقوتها وقدرتها على مواجهة ضغوط عائلة الزوج.
وفي بداية سرد هذه القصة نتحفظ على ذكر اسم المفقود، فغيابه ما زال مفتوحًا، لكن أثره امتد إلى تفاصيل حياة من ترك ورائه، حين غاب الزوج، لم يغب وحده، بل بدأ الغياب ينسج صراعات جديدة داخل العائلة، فالزوجة الثانية تدعى أم خالد وجدت نفسها في مواجهة واقع قاسٍ، حين قرر أهل الزوج أن يفضّلوا الزوجة الأولى عليها، بينما تركوها في موقف هش، واضطراب لا يُحتمل.
فتم طردها من البيت، لكنها لم تغادر وحدها فقط، بل حملت معها مسؤولية أطفالها وذكريات سنوات، وبدأت رحلة البحث عن قوت يومها وسط قيود الحياة، دون حماية أو سند من العائلة، وفي كل صباح، كانت تستيقظ على غياب لا يعرف حدًا، وعلى انتظار لا يتوقف، بين خوف من المستقبل وقلق على أبنائها.
نصوص حاكمة لا تمنع الخسارة
بالنسبة للقاضي الشرعي في المحكمة العليا بغزة عمر نوفل فإن الإكثار من الآراء في القضايا المصيرية يؤدي إلى تغييب النص، واستبدال القاعدة القانونية بالرأي الشخصي يفضي حتمًا إلى ضياع الحق. ويبيّن القاضي أن مسألة الحكم بوفاة المفقود في غزة من المفترض أن تكون محسومة بنص قانوني واضح، لا يقبل الاجتهاد ولا يدار بالمشاعر، لأنها مستمدة من أحكام الشريعة، ومنظمة في قانون الأحوال الشخصية وقانون حقوق العائلة الفلسطيني المعمول بهما في قطاع غزة.
ويقول القاضي نوفل إن التعميم الصادر عن لجنة الطوارئ القضائية في غزة رقم 2025/2، والذي نصّ على الحكم بموت المفقود أثناء الحرب بعد ستة أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار، جاء مخالفًا صراحة لنص المادة 119 من قانون حقوق العائلة، ويوضح أن هذا التعميم لا يستند إلى أساس قانوني صحيح.
ويضيف أنه رغم صدور رد لاحق من ديوان قاضي القضاة في رام الله يؤكد على عدم قانونية التعميم الأول، إلا أن الرد ذاته أشار إلى تعميم آخر يقضي بالحكم بوفاة المفقود في حالات الكوارث والحروب بعد سنة من تاريخ الفقد، ويوضح أن هذا الطرح أيضًا يخالف النص القانوني، ويؤدي إلى نتائج بالغة الخطورة، من بينها فتح الباب أمام دعاوى إثبات الوفاة قبل اكتمال الشروط التي نص عليها القانون.
ويبيّن القاضي نوفل أن المادة 119 من قانون حقوق العائلة لم تربط الحكم بوفاة المفقود بتاريخ الفقد، وإنما اشترطت مرور سنة كاملة من تاريخ وقف الحرب وانسحاب الأطراف المتقاتلة وعودة أسرى الحرب، باعتبار أن هذه المرحلة هي التي تتيح التحقق من الوفاة وترتيب آثارها الشرعية والقانونية.
ويشرح القاضي نوفل أن المادة 571 من قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني عرّفت المفقود بأنه الغائب الذي لا يُدرى مكانه ولا تُعلم حياته من وفاته، ويوضح أن هذا التعريف ليس عامًا ولا يشمل كل من غاب أو فُقد، فهناك من فُقد تحت القصف أو داخل أنقاض المباني المدمرة أو في الأنفاق التي رُدمت على من فيها، وهؤلاء لا يُعدّون مفقودين بالمعنى القانوني، وإن أُطلق عليهم هذا الوصف عرفًا، بل تُطبّق عليهم أحكام إثبات الوفاة لا أحكام انتظارها.
ويقول إن المفقود الحقيقي هو من جُهل مكان فقده ولم تُعلم حياته من مماته دون وجود قرينة هلاك مؤكدة، ويوضح أن هذا وحده من تسري عليه أحكام المفقود.
وفيما يتعلق بتوقيت الحكم بالوفاة، يقول القاضي نوفل إن القانون حسم هذه المسألة حسمًا قاطعًا، موضحًا أن المادة 119 من قانون حقوق العائلة قررت الحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنوات من تاريخ فقده، وإذا كان الزوج غائبًا في دار حرب فلا تفريق بينه وبين زوجته إلا بعد مرور سنة من تاريخ وقف الحرب وعودة الأسرى، ويؤكد على أن المدة واضحة، والنص صريح، وأي رأي يخالف ذلك لا قيمة قانونية له.
ويبيّن القاضي نوفل أن الواقع العملي في محاكم غزة يميز بين حالتين الأولى مفقود معلوم مكان الفقد، كمن فُقد داخل بناية مقصوفة، وهنا تُثبت الوفاة عبر اللجان القضائية المختصة وقد صدرت آلاف القرارات التي اعتمدت تاريخ الوفاة الحقيقي، أما الحالة الثانية فهي مفقود مجهول المصير والمكان، وهو محل البحث، ولم تُنظر طلباته بعد لعدم اكتمال المدة القانونية.
ويقول إن الحكم بالوفاة لا يصدر ارتجالًا، بل تحيط به ضمانات قانونية تبدأ بمرور المدة القانونية، ثم البحث والتحري عبر الجهات المختصة، ثم الإعلان بالنشر، وتعيين قيّم للمفقود، وبناء الدعوى على بينة معتبرة.
ويضيف القاضي نوفل أن لكل من الورثة حق التقدم بطلب إعلان الوفاة، زوجة أو ابن أو أب، مع إعطاء الأولوية للزوجة، لما يترتب على الحكم من آثار جسيمة، من اعتداد وزواج وتوزيع تركة، موضحًا أنه في حال ظهور المفقود حيًا بعد الحكم، يُعالج الأمر وفق الضوابط الشرعية المستقرة.
ويختم القاضي عمر نوفل حديثه بالتأكيد على أن القوانين القائمة كافية ومنصفة، إلا أن ملف المفقودين في غزة له بعد دولي تعرقله ممارسات الاحتلال، ما يحمّل المجتمع الدولي مسؤولية الضغط لتمكين الجهات المحايدة من أداء دورها.
ومن جهة أخرى، يوضح المحامي محمد مهنا أن أول ما يقوم به في قضايا المفقودين ليس إعداد لائحة دعوى، بل تحديد المسار القانوني الأقل خطورة على الأسرة، فيبدأ بتثبيت واقعة الغياب نفسها، متى حصلت، وأين، وتحت أي ظروف، لأن هذه التفاصيل تشكّل الأساس الذي تُبنى عليه كل الخطوات اللاحقة، فغياب في طريق نزوح، يختلف قانونيًا عن غياب في منطقة قصف، ويختلف بدوره عن غياب تخلله احتكاك مباشر مع قوات الاحتلال.
بعد ذلك، يعمل المحامي على فتح قنوات استعلام رسمية، لا بغرض استصدار رد سريع، بل لتوثيق أنه استنفد وسائل البحث المعترف بها قانونيًا، فيوجّه مراسلات للجنة الدولية للصليب الأحمر، ويتقدّم بطلبات استيضاح بشأن قوائم المحتجزين في سجون الاحتلال، ويُثبت هذه المراسلات كأوراق في الملف، لتكون لاحقًا جزءًا من بينة الجدية، لا من قرائن الوفاة.
وفي المرحلة نفسها، يتدخل المحامي لحماية الوضع المالي للأسرة، فيطلب إجراءات تمنع التصرف في أموال المفقود أو ضياعها، دون أن يفتح باب توزيع التركة، وقد يسعى إلى تنظيم وصاية مؤقتة على الأبناء القُصّر، أو ترتيب نفقة لا تستند إلى إعلان وفاة، بل إلى حالة الغياب ذاتها، بما يضمن استمرار الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ويؤكد مهنا على أنه من أخطر النقاط التي يتعامل معها المحامي هي طلبات الأسر المتعلقة بالزوجة، إذ يوضح لها الفارق بين الحقوق التي يمكن صيانتها أثناء الغياب، وبين الآثار التي لا يمكن المساس بها إلا بحكم نهائي، فالمحامي هنا لا يُقدّم نصيحة قانونية مجردة، بل يتدخل لمنع قرارات متسرعة قد تُقيّد الزوجة مستقبلًا إذا تغيّر مصير المفقود.
وعند التفكير في رفع دعوى إعلان الوفاة، لا ينتقل المحامي إلى المحكمة إلا بعد فحص دقيق لشروطها، من اكتمال المدة القانونية، إلى نوع البيّنة المتوفرة، إلى احتمالات الطعن أو ظهور معطيات جديدة، وحتى عند رفع الدعوى، يحرص على صياغتها بطريقة تترك مجالًا لمعالجة أي تطور لاحق، دون الإخلال بالقواعد القانونية.
وفي ملف الإثبات، يتولى المحامي فرز الشهادات، واستبعاد ما هو قائم على السماع أو الافتراض، وتقييم قوة كل رواية بحسب مصدرها وزمنها، وقد يلجأ إلى آليات قانونية لمعالجة ضعف البيّنة، بدل تحويل الظن إلى يقين.
ويختم مهنا بأن المحامي في قضايا المفقودين لا يقدّم أجوبة، بل يمنع أخطاء، فدوره الحقيقي يكمن في ضبط المسار القانوني للأسرة، خطوة خطوة، إلى أن تفرض الحقيقة كلمتها، لا إلى أن يُفرض عليها حكم سابق لأوانه.
يظل ملف المفقودين في غزة مسؤولية تتجاوز القضاء المحلي، إلى المجتمع الدولي، الذي يتحمل واجب البحث، والكشف، وتمكين الجهات المحايدة من الوصول إلى الحقيقة، فحتى ذلك الحين، ستبقى أسماء المفقودين حاضرة في ذاكرة الانتظار، شاهدة على حرب لم تكتفِ بما أخذته من حياة، بل تركت خلفها وجوهًا معلّقة، لا تعرف إن كانت ستعود، أم يُكتب لها وداعٌ مؤجل.















