مدينتي المشوّهة.. عن أبراج عمّان وبيوتها الخالية

رأيت المباني القديمة التي سكنها الجيران ورفاق الحارة تتحوّل تدريجيًّا إلى هياكل مهجورة، مهملة وجرداء بانتظار الهدم أو التحوّل أو الاستبدال
ــــــــ الحركة في المدينةــــــــ المـكـان
29 يناير 2026

تشكَّلت ذاكرتي المكانيّة بين شوارع وأزِقة وأدراج عمّان القديمة. قبل أن أصبح مصوِّرة أمتلك كاميرا، التقطتُ في صغري الصور وحفظتها في مخيلتي. الأماكن ربطتني بأيامٍ ولحظات ومواقف، شكَّلت وعيي وَبَنت علاقتي مع المدينة، وربّما ذاكرتي هي التي أنقذت هذه الأماكن ولو افتراضيًا، من التشوّهات التي غيّرت ملامح عمان القديمة في الواقع.

لكنّني لم أتمكّن في النهاية من الإشاحة عن هذه التحوّلات التي أصابت أمكنتي في المدينة منذ عام 2009، وتحديدًا في شارع «الرينبو» الذي يقع في المنتصف بين عمان الشرقية والغربية.. هناك محيط بيت جدّتي، ومدرستي، والشبيبة، والكنيسة، والنادي. أعيد حينها تأهيل الشارع وتبليطه في محاولة لجعله مساحة خاصة للمشاة، ووجهه سياحية وترفيهيه. وهنا بدأ يراودني ذلك الإحساس بأن شيئًا ما يمحو ويهدّد ذاكرتي المكانيّة.

انتقلت التحوّلات إلى منطقة سكن طفولتي ما بين الدوار الثالث والرابع، حيث أصبحت المنطقة جاذبة للعيادات الطبية الضخمة التي امتدّت ما بين المستشفيات المحيطة. رأيت المباني القديمة التي سكنها الجيران ورفاق الحارة تتحوّل تدريجيًّا إلى هياكل مهجورة، مهملة وجرداء خالية من أي حضور بشري، بانتظار الهدم أو التحوّل أو الاستبدال. خلت البيوت لأن الكثر آثروا المغادرة، بعدما بدأت المنطقة تكتظّ بالأبنية التجارية الضخمة وبالعيادات الطبيّة التي تتنافر مع بيوت عمان الحجرية. ففي هذا الحي، كما أحياء كثيرة، كانت تمتدّ البيوت والأبنية المصنوعة من الحجر الجيري الأبيض، وتبدو كأنّها امتدادًا عضويًّا للأرض.  

لم يكد ينفذ أيّ حيّ، إذ انتقلَ الهدم والإعمار إلى مناطق عدة، بطريقة عشوائية طالت جبل اللويبدة مكان ميلادي وسكني الحالي، ووسط البلد الذي يحمل في ذاكرتي جولات عديدة مليئة بالقصص والأحداث التي تتقاطع مع بعض مراحل حياتي.

أفقدت هذه التحوّلات المدينة القديمة طابعها العمراني والحضري، وشوَّهت أُفق عمّان الجبلي المتجانس. ومع الأيام أصبحت أحياءنا زجاجية، وبيوتنا العتيقة مهجورة، وأرصفتنا متهالكة، وحدائقنا فارغة، صارت صورة المدينة تتألّق بأبراجها لا بأدراجها.

أمام التشوُّهات التي لحقت بالمدينة، رحت أصوّر هذه اللقطات التي تبدو أقرب إلى أسئلة ومشاعر مختلفة بوجه التناقضات التي تتغوَّل كل يوم في ذاكرتي لتمحو منها أمكنتي. أرى اليوم عمان كلّها معروضة للبيع.. بأحيائها وأدراجها وبيوتها الممتلئة بالقصص والذكريات، والمحاطة بالأشجار وعبق الليمون والياسمين.