عشرون مليون شجرة زيتون.. وصحراء

عندما عاد محمد إلى قريته معرشورين في محافظة ادلب وجد أرضه، القريبة أصلًا من قاعدة عسكرية روسية، ليست فقط خالية من الأشجار، بل محاطة بالألغام في كل مكان
ــــــــ حالة أرض
20 يناير 2026

في قرية معرشورين بريف إدلب الجنوبي، يعيش محمد دعيمس (38 عامًا) مع زوجته وطفليه داخل خيمة بسيطة نُصبت فوق ركام منزله. قبل ست سنوات فَرّ من بلدته عندما تقدمت قوات النظام السوري الساقط على المنطقة، ليقضي سنوات النزوح في مخيمات الشمال. وعندما سقط النظام أخيرًا، عاد محمد إلى قريته حاملًا حلمًا واحدًا: استعادة شيء من حياته السابقة. لكن ما انتظره كان أقسى من البقاء في الخيمة.

المنزل الذي تركه لم يعد موجودًا. النوافذ والأبواب، الحجارة المنحوتة والبلاط، كل شيء اقتُلع وبِيع في الأسواق السوداء. أما أرضه الزراعية، التي كانت عامرة بأشجار الزيتون، فقد تحولت إلى صحراء جرداء. قوات النظام لم تترك شيئًا: قطعت الأشجار من جذورها وباعتها كحطب للتدفئة بأسعار زهيدة، في عملية استنزاف منظمة لم تقتصر على الزيتون وحده.

وفقًا لتحقيقات سابقة، كانت قوات النظام تُسلّم القرى المستعادة إلى «مستثمرين» وتجار حروب موالين، يدخلون الأراضي المنكوبة فيدمرون كل شيء قابل للبيع: يقتلعون مواد البناء، يفككون الأسقف لاستخراج الحديد، بينما تواصل فرق أخرى إزالة الأشجار. كانت استراتيجية واضحة: تجريد الأرض من موارد المزارعين النازحين، وتحويل الثروة الزراعية إلى أموال سائلة، ومع ذلك كله عقاب جماعي للمواطنين.

قضمت الحرب المزيد من الرقعة الخضراء في إدلب عندما تحولت تلك الأشجار إلى سبيل وحيد للناس من أجل التدفئة والطهي، وعندما انشغلت جماعات من المعارضة بقطع الأشجار بما فيها الزيتون وبيعها كحطب وفحم رخيص.

الأراضي الزراعية في إدلب حملت تاريخًا يمتد مئات السنين، وكانت ملاذ الريفيين ومصدر رزقهم الوحيد. وتشتهر المحافظة بزراعة الزيتون وتصدير زيته إلى الخارج. غير أن مديرية الزراعة وثّقت اقتلاع حوالي 20 مليون شجرة زيتون وأنواع نباتية أخرى خلال السبع سنوات الأولى من النزوح. هذا الدمار البيئي لم يكن حادثة عابرة، بل أثّر مباشرة على المناخ المحلي وأنهى آفاق الدخل الزراعي الذي اعتاش عليه السكان.

ولم يتوقف الضرر عند ذلك، إذ زرعت قوات النظام آلاف الألغام في هذه الأراضي خلال سنوات الحرب، خوفًا من تسلل قوات المعارضة. عندما عاد محمد، وجد أرضه، القريبة أصلًا من قاعدة عسكرية روسية، ليست فقط خالية من الأشجار، بل محاطة بالألغام في كل مكان. الصور القديمة التي يحتفظ بها محمد تُظهر أرضًا كانت تخضر بآلاف أشجار الزيتون؛ اليوم هي صحراء قاحلة بلا حياة.

يشير محمد إلى أن قريته وحدها فقدت أكثر من 250 شخصًا خلال سنوات النزوح. توفوا بنوبات قلبية أثناء الهروب أو عندما شاهدوا في الفيديوهات عناصر النظام وهم ينهبون أرزاق الناس ويدمرون الأرض. كانت هناك محاولات للابتزاز: يأتي عناصر النظام إلى أصحاب الأراضي ويعرضون عليهم صفقة: ادفعوا أموالًا وسنترك أشجاركم وحدها. لكن معظم المزارعين كانوا في مخيمات بلا مال ولا مدخرات، يراقبون من بعيد كيف تُقتلع أرزاقهم، دون قدرة على تغيير أي شيء.

الآن، يواجه محمد واقعًا قاسيًا: يجب أن يعيد تشجير أرضه من البداية، وأن ينتظر خمس سنوات على الأقل حتى تبدأ الأشجار الجديدة في الإنتاج، بلا دعم مادي أو بيئي. 

ينهي محمد حديثه قائلًا إن إدلب لم تفقد أشجارها فقط، بل فقدت جزءًا من روحها. فالدمار الذي لحق بالأرض ترك أثره على المناخ والزراعة وحياة الناس، حتى أصبحت إعادة إحياء الأرض أشبه بإعادة بعث الذاكرة من تحت الركام.