*أغنية “شكرا وألف شكر يا أستاذي” للفنان صادق جمعاوي

تذكرني هذه الأغنية بالعام 2004

سنة الثانية ابتدائي حيث  كانت عندي أستاذة لغة فرنسية تستحقرني

لم تكن تحبني

كانت تقول لي أنتِ بدون مستوى لن تنجحي في حياتك

تكونت عندي عقدة من اللغة الفرنسية

لا يمكنني تكلّم اللغة رغم أني أفهمها ولكن أخاف نطقها

أمام إنسان فيُقلّل من شأني مثلما كانت تفعل الأستاذة

جدتي: أنا درست في وقت الاستعمار الفرنسي، سنة 1957

معلمة اللغة الفرنسية اسمها مدام كيربرات

كانت تُجلسني وحدي تقول لي انك مشاغبة  

عمي رابح: نحن من درسنا في السبعينات، وحتى الثمانينات، ضُحِيَ بنا

أخي أيوب: أنا الفرنسية لم أدرسها في حياتي.. هي على اليسار وأنا على اليمين

أفضل معدل حصّلته كان 3 على 20

برافو أيوب.. واصلت حياتي ودراستي، اجتزت امتحان البكالوريا ولم أنجح

 فسجلت في المعهد الوطني للسمعي البصري

لأجد أنهم يُدرِّسون كل المواد باللغة الفرنسية

كنت مشاغبة جدا كنت أضرب البنات

وكانت تدرسنا إلى جانب مدام كيربرات أستاذة أخرى مدام زانك

والاثنتان تدرسان الفرنسي، لم نكن ندرس العربية في وقت الاستعمار

الدراسة في الشرق ونحن في الغرب

كُنا نُضرَبُ من طرف الأساتذة وإذا أخبرنا أهلنا كانوا يقومون بنفس الشيء

أذكر أني أردت تغيير الكرسي

ولم أعرف كيف أطلب الأمر بالفرنسية فسألت صديقي

ثم قلت لها: الكرسي.. مكسور… يجب التغيير..

بدأت تضحك 

تأثرت بكون الدراسة في المعهد بالفرنسية فتركت الدراسة

في ذلك الوقت كنا نكتب بالقلم الحبر ومعه المحبرة

وكنت أرمي الحبر على البنات عند خروجنا من الفصل

ولم يكن ممكنا إزالة الحبر، فعند رؤيتهن كانت الأستاذة تسألهن عن الفاعل فيُشِرن لي

فتضربني الأستاذة وتشدّني من شعري… الأساتذة النصارى (الفرنسيين) كانوا يضربوننا

طلبت مني الأستاذة الصعود إلى السبورة للكتابة

و أنا لم أكن أجيد الكتابة فبدأت تصرخ

كان اسمها مدام مينوار، كانت فرنسية (جاءت بعد الاستقلال)

ففتحت محفظتي لتفاجئ بوجود أدوات صيد العصافير

كنا في حصة قراءة وجاء دوري

استرجلت أمام زملائي وقلت لها “لن أقرأ”، فصرخت: “لماذا؟”

فقلت لها مازجا العربية والفرنسية “ما نليش” بدل “ما نقراش”، فضحِكَت

قالت لي “لا تكلمني هكذا” واصلتُ بنفس النبرة وقلت لها “تلكمي بهدوء أكلمك بهدوء والعكس بالعكس”

بقيت لمدة سنة لا أفعل شيئا، بعدها شجعني والداي على دراسة الفرنسية والتغلب على عقدتي

فسجلت لدراسة الفرنسية 

ولكن رغم كل شيء أخلصوا في تدريسنا وقدموا لنا محافظا وأحذية مع كل سنة دراسية

زمان، بوزريعة (منطقة عالية في العاصمة الجزائر) كانت جبلا وغابات

حملت الأستاذة محفظتي وصارت تسخر مني أمام التلاميذ وهم يضحكون

كنت صغيرا وغير واعٍ.. صفعت الأستاذة وقفزت من النافذة إلى الغابة

ومنذ ذلك الوقت لم أدرس.. ودّعتُ الدراسة.. وكما يقول المثل: (شامي شامي و البغدادي بغدادي)

اليوم، عمري 54 سنة وأكتب الجزائر بألف نائمة

تحسّنت علاقتي بالأستاذة وصارت تدعمني وتعطيني دروسا خاصة وصرت أجيد القراءة

ثم صرت أشارك وتحسّنت.. قبلها كنت لا أفهم ولا أتكلم

أنا أنهيت دراستي الابتدائية.. أتكلم وأقرأ الفرنسية وأكتب الرسائل

بالنسبة للعربية، فقد درسناها بعد الاستقلال، جاؤوا بأساتذة عربية في سنتي 1962 و 1963

ولكن لم أركّز في دراستها لأني صرت مُفرنسة

الآن، في المسجد، أتعلّم بعض حروف العربية كتابة وقراءة

تخلّصت من العقدة وصرت أتقن الفرنسية

عُدت وسجّلت في المعهد، درست وتخرّجت وبنيت نفسي بنفسي

“شكراً وألف شكر يا أستاذي”

بدءاً بزمن الاستعمار ومروراً بلحظة الاستقلال، يسرد أربعة أفراد، من نفس العائلة، قصصهم مع تعلّم اللغة الفرنسية في الجزائر.
رانيا عياش
3 ديسمبر 2021

تاريخ مختصر لتعلّم اللغة الفرنسية في الجزائر، منذ الخمسينات -زمن الاستعمار- وحتى العشرية السادسة من الاستقلال، نُتابع قصة عائلة عيّاش، وعبر ثلاثة أجيال، في تعلّم اللغة الأجنبية.

نبدأ من رانيا وأخيها أيوب في دفعات العقد الأول من الألفية، ونعود في الزمن لجيل الاستعمار مع الجدّة التي درست عند “الفرنسيس” ولم تتعلّم العربية؛ مروراً بجيل الاستقلال مع العم رابح وتجربة الأساتذة الأجانب في بلدٍ وليد.

ربما نشعرُ بالحنين لمقاعد الدراسة ونضحك مع ذكريات أفراد العائلة، ولكنناً أيضاً نعيش معهم اللحظات الحرجة والصعبة أمام أستاذة تقرّر مساعدة طالبها وأخرى تجعله يترك الدراسة.

 

 

*الصورة من ورشة خياطة في بداية الأربعينيات. من مقتنيات السيدة شريفة تومي