السابعة و52 د والشمس طالعة‏‎

أجلس في أحد كراسي الساحة

هذه أنا لما أتوه في المدينة

وأبدأ البحث عن لقطات الحياة في العاصمة

توجد أعلام ليبيا أمام المجلس الشعبي الوطني

ترسو باخرة كبيرة تابعة لـ “آلجيري فيريز” دائما هنا، في الأسفل

على اليسار توجد باخرة تابعة لـ “كورسيكا فيريز”

سينطلق القطار

أنا خديجة وأعمل مصورة متنقلة

واكتشفت عملية إنتاج الصوت منذ 3 سنوات

يحدث أن أصور ما رأيت ويحدث أيضا أن أسجل ما سمعت

دائما نأتي للجلوس والدردشة

نحب الأكل هنا.. نأكل “بيتزا كاري” لا نفرط فيها

كورونا أو مش كورونا “بيزا كاري” ثانتة ولا تتغير.. نجلس للأكل 

دايمن حوايجنا يتوسخو لا صوص تومات طيح علينا

هناك دائما شيء يحصل معنا

نأتي هنا في العشية غالبا

الصورة الأولى كانت لساحة آليتي 

هي ساحة مفتوحة بها 13 كرسياً حديدياً

بعضهم أبيض والبقية لونهم رمادي 

هناك من يجلس وحيداً وهناك من يأتي مع أصحابه 

يمكنك الجلوس لترى الميناء والبواخر وكل الواجهة البحرية للمدينة حتى الجامع الأعظم

كما يمكنك أن تختار إعطاء ظهرك للبحر

أنا متعودة على المجيء مع صديقاتي 

هذه أول مرة أجيء فيها وحيدة، أحب هذا المكان وأرتاح فيه

رغم الحر والشمس إلا أني أرتاح عند قدومي هنا

ربما البحر.. لأني مضغوطة جداً

لا أدري، أحب هذا المكان جداً، لو أتمكن أكتبها على اسمي..

لن يأخذها أحد، أكتبها باسمي وأمنعكم من الجلوس

وأمنع الشمس.. أغطي الساحة

أحب التغيير كلما شعرت بالضغط

أركب الحافلة وآتي إلى العاصمة

أتمشى وأقترب من البحر وأجلس هنا

أتعرف على أناس جدد يشبهونني

أحب الغناء والراي العاطفي.. الشاب حسني والشاب عقيل رحمهما الله

أنا إنسان حساس لأقصى درجة 

رسمياً، اسم الساحة بوجمعة الحمّار

لكن النّاس سموها ساخة آليتي بسبب الفندق على الناحية الثانية من الطريق

بُنِي في الثلاثينات.. أمام بعد الاستقلال فسُمِّي “السفير”.. وبه الآن أشغال ترميم

أنا أسكن غير بعيد من هنا، أمام جامع “كتشاوة”، وآتي هنا كل يوم

وعندما يأتي الغرباء نُشردهم

هذا فندق “السفير” الذي كان يدخله قديماً كبار القوم

هدّمته السنين والقنابل والزمن.. الآن هو في الترميم.. وسيُفتح

ما أن يُفتح ستصير هذه الساحة أجمل مكان وسط الجزائر

‏‎عند بحثي عن تاريخ المكان

وجدت أن تشارلي تشابلن دشّنه بنفسه

وجدت أيضا عدّة بطاقات بريدية للفندق منذ عهد فرنسا

كان تروّج للفندق وتجذب الناس لزيارة الكازينو والبار الأمريكي

نرى في صورة إحدى البطاقات صورة الفندق بالأسود والأبيض 

بناية كبيرة تحمل اسماً كبيراً:

“فندق آليتي” باللاتينية ونرى أمام الفندق مساحة كبيرة فارغة

وقتها كانت تلك المساحة موقفاً للسيارات

أما اليوم فهي الساحة ذات الـ 13 كرسياً

أردت اليوم صُنع بطاقة بريدية مختلفة للمكان

بطاقة بريدية تتعدى السياحة

بطاقة بريدية صوت وصورة.. نسمع المكان ونرى الناس

اتفقت مع الوالد كي نخرج كالعادة لنواصل دروس تعليم السياقة

لم نكن نعلم أن قنبلة قد انفجرت في الصباح

توقفنا لمدة ساعة دون العلم بما حصل

كنت أسكن في سوسطارة 

لما نزلت من سيارة والدي.. كنت شاباً فضولياً

نزلت لأرى ماذا حصل

سيارة مفخخة

الشرطة ورجال الحماية والإسعاف

نفير عام

كنت صغيراً.. لو حصلت اليوم لن أقترب

بحثت عن معلومات في أرشيف الجرائد

عن اتفجار حدث أمام فندق آليتي.. لم أجد

أنا مولودة في التسعينات ولا عن تلك الفترة سوى حكايات الناس.. كنت صغيرة جدا على التذكر

لما سألت الناس

أخبروني أنهم يملكون انطباع

بأنه في تلك الفترة كانت هناك قنبلة أو اثنتان يومياً

في وسط الجزائر فقط.. مثلاً.. من الصعب عليهم التذكر

وجدتُ أن قنبلة انفجرت جهة قصر الحكومة

وأخرى في شارع ديدوش مراد وثالثة جهة فندق الإنجليزي

ربما تحدّث الرجل عن هذه الأخيرة

لأن هذا الفندق ليس بعيداً عن فندق آليتي

الصورة الثانية

بها فندق “السفير” في الخلفية

في المقدمة نرى بحراً من الحمام يغطي الساحة

هناك ربما 100 حمامة على الأرض وهناك مثلها في السماء

وسط هذا المشهد تجلس امرأة عجوز على كرسي حديدي

منظر جميل وبطاقة بريدية بها غرابة

عادة، لا نرى ملامح الناس في البطاقات البريدية، لكن هنا نرى العجوز بشكل جيد وتظهر تقاسيم وجهها

وهذا ما دفعي للتساؤل عماذا تخمم كلما جلست إلى هذا الحمام؟

وستأكل الحمامات كل هذا

ولا أصنع هذا فقط، بل أحضر أكثر من علبة وكل يوم آتي بواحدة

هذا خبز من غير ملح أشتريه لنفسي

الحمامات أيضا تأكل “ريجيم”

هذا الخبز زهيد الثمن وفي بعض المرات آخذه مجاناً

فهمتيني؟ سعره 10 دينار وفي بعض المرات مجانا

أحسن من العادي بـ 20 دينار

تحكي المرأة أنها تسكن بشارع الحرية

كل يوم تأتي للساحة مع الثامنة – الثامنة وربع

تأتي بقفة بها الخبز الذي سحقته وهي تشاهد التلفزيون

لا تبقى كثيرا، نصف ساعة

عرضٌ متكامل ما نراه عند وصولها

كأن الحمام يعرفها عند وصولها

ينزل من كل الاتجاهات وينتظرها لتطعمه

تأتي هنا منذ عامين

قُتِلت حفيدتها عام 2019

بعدها صارت تأتي هنا لتُطعم الحمام صدقةً على بنت ولدها

بنتنا جميلة لو ترينها، المرة القادمة أريك صورتها

القدُّ والجمال والعين الخضراء

أخبرتها صديقة عن شخص يبيع ثيابا مستودة بحي تيليملي

تعرفي شباب اليوم.. كان عمرها 16 سنة.. أقل.. قاصرة.. ذهبت لترى الرجل

عندما وصلت أغلق عليها الباب 

لا أعرف ما كان غرضه منها

في المحاكمة: قال أنها رمت نفسها. هذا ليس صحيحاً، هي لا تنتحر هكذا من الشرفة

هو من رماها.. قتلها

لو بقيت حية لكان عمرها 18 سنة.. لكانت قد تزوجت

آتي هنا كل يوم، صدقة على روحها

حتى أموت وألحقها

بطاقة بريدية صوتية لساحة آليتي

كم من قصة يحملها روّاد ساحة عامة تطل على البحر في الجزائر العاصمة.. وكيف تترك مصوّرةٌ الكاميرا لتحاول صنع بطاقة بريدية بالأصوات..
خديجة ماركمال
13 يناير 2022

تتلاقى خطى الجالسين في ساحة آليتي، وسط الجزائر العاصمة، عند 13 كرسي حديدي وأمام سربٍ من الحمام. يُقابلهم الأفق وجزء من خليج المدينة، تحت أقدامهم شريط القطار وبعده الميناء، وخلف ظهرهم هيكل مبنى كبير تقوم به الأشغال منذ سنوات: ذلك فندق السفير (آليتي سابقاً).

تتقاطع الأصوات والصور، بعضها يُلتقط اليوم والبقية تطفو على سطح الأنترنت أرشيفاً من فترة الاستعمار، مع شهادات الناس سواء كانوا عابرين أم قاطنين.. لكن لا وجود للصور سوى في الكلمات والأصوات، تترك خديجة -وهي مصورة في الأصل- الكاميرا جانباً وتستعمل المسجل لتصنع بطاقتها البريدية الصوتية الحيّة.. لتصنع “بطاقة بريدية تتعدّى السياحة”، لوجوه الناس وأحاسيسهم إذ جلسوا بُرهةً في ساحةٍ عامة.

وككل قصص المكان في الجزائر، تتعدّد أسماء المحلاّت بتغيّر الزمان وتختلف الروايات بشأن تاريخ الأمكنة خلال الحروب فتتحرّك تفجيرات وأحداث بضع شوارع، أو بنايات، لتجعل قنبلة ما تنفجر في غير مكانها.