fbpx

يوليو 2015، عزمني صديقي لمشاهدة عرض فانطازيا قرب بلدة شلغوم العيد (شرق الجزائر)

السيارات مركونة

البطحة كبيرة

الشاحنات

أصحاب البارود يحملون بواريدهم، وفرسان مع الأحصنة

ازدحام كبير وكل الحضور رجال، وعمّار قائد الجوقة يمسك بميكروفونه في محاولة للتنظيم.

-صوت عمّار-

ولما يخرج كل المتفرجين من الميدان، يبدأ الفرسان باللعب

ولما يزهى عمّار، بين مشوار ومشوار، ينطلق في قول قصيدة

-القصيدة-

خمس سنوات بعد هذه القصة، وجدت قصيدة لشاعر جزائري من الغرب قديم اسمه الشيخ بسويق

كتب قصيدة في القرن 18، يحكي فيه عن موت حصانه، كيف كان هذا الحيوان عزيزا عليه

وكيف كان معروفا في الجزائر وخارجها، حتى صار خرافة تحكيها الأمهات لأبنائهن

-القصيدة-

أنا أقرأ في هذه  القصيدة، تذكرت حكاية قصّتها عليّ أمي. بخصوص فارس في عائلتنا، اسمه أحمد لرجم، ويُقال أن “عينه حمرا”.

-خديجة “خطــ30”-

هل فتحت المُسجّل؟

نعم

والله؟ اغلق

احكي لي حكاية العم أحمد

هذا رجل عمتي، أحمد لرجم

كان سيدا يحب الخيل كثيرا، كما حكوا عنه. حدث ذات يوم، كان في عرس لأصهاره

يعني عند آل مختاري، عائلتنا. وكان عرس، حفلة زواج

ولعبوا فيها الخيل. تشهّى ركوب الخيل، وطلب من أحد الفرسان أن يلعب مشوارا.

ولكن هذا الأخير رفض، فسكت العم أحمد وكتم غيظه.

انطلقت الخيل في مشوارها فوقع لها حادث، سقطت ولا أدري إذا ما كُسرت أم قُطِع رأسها.

لما سمعت القصة كنت صغيرة، لا أذكر. هناك من يقول تكسرت، وآخرون يقولون طار رأسها.

يقولون كانت عينه حمرا؟ ما معنى هذا؟

يعني لما يحب يركب الخيل ولا يستطيع، يحدث مكروه لمن رفض مشاركته خيله.

ربي يعيشك مّا.

شكرا بني، ربي يعينكم إن شاء الله.

في الحقيقة، لم أحتفظ من قصة أمي سوى بصورة حصان من دون رأس. ولكني لا أعرف العم أحمد.

ولذلك قررت الذهاب لسؤال خالي الأكبر، خالي الحاسن، حتى يخبرني عن الفارس.

تحكي لي خالي؟

نحكي لك نعم. عمي أحمد، واحد من الناس اللي جاؤوا من الصحراء، وتوطنّوا هنا في زيغود يوسف، جنب قسنطينة. لا أدري كيف التقى بجدي، فزوجّه عمتي.

وهو من سمّاني، طلب من أبي حتى يسمّيني الحاسن

أنا كبرت لاحقا، من 1948 حتى 1955، صار عمري 7 سنين، صرت أعرفه. يلبس البُرنَس والشاش الأبيض والقندورة البيضاء

ليس طويلا، أشقر

كان لما يذهب إلى عُرس ما، ويقول لهم أعطوني أركب (وكان يعرف يركب الخيل) ويرفضون… يقع حادث.

من عند الله يغضب، وتعز عليه نفسه. لما يكون يجري وهو راكب، الجادور (الحصان) يجري وهو يدور من تحته. يضعون له حبلا في الأرض،

ومن فوق حصانه يمد يده ويحمل الحبل من رأسه ووسطه.

أو مثلا تجد في الأعراس خمسين امرأة جالسة، ويمر هو فوق الحصان، النساء لابسات لبس الأعراس، ويضعن محارما على رؤوسهن،

يمدّ سيفه فينزع عنهن المحارم دون أن يجرح أي واحدة فيهن.

لو كانت الأرض مثلا فاسدة، هناك جهة أعلى من جهة، يطير فوق جادوره قافزا. من عند الله، يصير مثل المجنون فوق الخيل.

وأنت من قصّ عليك هذه القصص؟

 كل الناس تقصّ قصصه.

 يعطيك الصحة، خالي.

عاش العم أحمد في سيدي الأخضر، قرية جنب بلدة زيغود يوسف، غير بعيد عن قسنطينة.

أصغر أولاده اسمه النوري، ولا يزال يعيش هناك. وكانت هذه أول مرّة ألتقيه.

عم النوري ممكن تعيد فتح الباب مرة أخرى، لأسجل صوتها؟

هيا سيدي… (يفتح الباب)، ننطلقو… شوف، نتكلم على تاريخ أحمد لرجم

تربى مع والديه كان عزيزا، عندما كَبُر جعل له والده خيلا خاصة. مثلا عندما يكون هناك حفلة

طيب مثلا عمي حدّثني عن عرس في قرية ديدوش مراد وقال أن كل العائلات الكبرى حضرت

فجاء الحاج ابراهيم –يعني والد والدي- وقال لوالدي: لا بُدّ أن تتحداهم، وإن لم تتحداهم فسوف أسوق حصانك إلى السوق.

فوقعت الواقعة

يضع البنادق على السرج، وبعد ذلك يضع البندقية على رأسه، ثم بين كتفيه، ثم الثانية فالثالثة وهكذا

في الأخير، يخرج البندقية في يد والسيف في الأخرى، ولما ينتهي يضع السيف في غمده

ويضع البندقية على ظهره وبعد ذلك يقوم بشقلبة تُنزِله واقفا على الأرض.

وعندما رأى الحضور هذا العرض، ذهبوا إلى بيوتهم، إمّا أن تقوم بنفس ما قام به أو تنسحب فكل الفرسان انسحبوا.

تعال أريك أين كان يقيم، هذه غرفته، وكانت في حال جيّد، ولكننا ضيعناها.

وكُنّ النسوة يغنين عليه، كانت هناك امرأة تُسمّى دايخة

تقول: “يا أحمد يا أحمد وما سباني غير أحمد.” يعني كانوا يحبّوه. تلقائيا كان محبوبا.

تعال معي… أذكر أيضا، أن هناك مزرعة آل دليمي، وجهوا له دعوة ليركب الخيل في عرس، وجهها له شخص اسمه فضيل دليمي

وكان هذا الأخير صاحب رُتبة قايد (شيخ عشيرة) في وقت الاستعمار، وكان فضيل هذا يغار على حريمه.

فقال لهنّ إياكنّ وأن تُزغردن على أحمد لرجم. فعندما انتهى والدي من مشواره زغردن

فسألهن فضيل لماذا زغردتن؟ فقُلن: لم نتحكم في أنفسنا..

وكيف قالوها بالدارجة؟

ما قدرناش… الله غالب… خرجت وحدها

 (أصوات حيوانات)

من بين الخيل التي كسبها والدي، هناك فرس كان اسمها فامة.

لونها عنّابي. وهذه آخر فرس تخلّفت من بعده، ماتت سنة 1965

وكان الوالد يحبّها لدرجة أنها لا تأكل سوى من يده ولا تشرب سوى لما يقودها هو بنفسه للمشرب، وكانت تبكي بعد موت الوالد بُكاء النساء.

وأنا عندي تجربة يعني في هذا، أنا مُربي للكباش، وفي بعض الأحيان أحب الكباش أكثر من الإنسان.

لأن الكبش يبقى كبش ولكن الإنسان يُغيّر طبعه. وهذه حقيقة.

ولما أبيع كباشي للناس، أقبّلهم، أسلّم عليهم. أحبهم. عندما أدخل الآن للإسطبل يأتون نحوي ليُسلّموا عليّ.

لما أردت رؤية العم النوري، ضعت في طريق سيدي الأخضر وظلّ يوجّهني عبر الهاتف:

يمينك… شمالك… حتى وصلت.

أول ما قاله لي: واش بيه راسك في السماء؟ كان يُمازحني، وهو مثلما تقول أمي ظلّه خفيف ويمازح الناس دائما.

وحسب ما قاله لي خالي الحاسن، العم أحمد أيضا كان هكذا. كان إنسان يحب يلعب ويضحك، والدنيا خفيفة عليه.

وعندما تُعطي الميكروفون لخالك الأكبر،

هنالك فرصة كبيرة حتى يُعرّج في حديثه عن الثورة. لكن القصة التي أخبرني بها خالي، لم أكن أنتظرها.

اندلعت الثورة سنة 1954، والعم أحمد توفي سنة 1955.

قلت لك يحب يمزح اسمع هذي

لما جاء قادة الثورة في الشرق الجزائري، لتغيير المعارك من جبال الأوراس إلى الشمال القسنطيني

ذهب عمي أحمد لرجم وصديقه بوجغرة لملاقاتهم. مع مغيب الشمس

ركبا فرسيهما وانطلقا إلى مخبأ الثوّار في الجبل.

كانوا خمسة رجال

وكان قائدهم هو الكولونيل بومعزة. العم أحمد كان يتوقّع أن يكون بومعزة هذا رجلا طويلا وبصحته فوجده قصيرا هزيلا…

مثل معزة… مثل اسمه بومعزة…

فقال لهم مازحا: هذا هو الكولونيل بومعزة الذي سيُخرج فرنسا من بلادنا؟

فنطق بومعزة لرجاله: جئتم بي عند خبيث، عند خائن.

فقالوا له: هذا هو الفارس هنا والذي سيساعدنا.

فردّ بومعزة: لا أعترف به، اذبحوه.

لما حاولت أن أعرف أكثر عن موت العم أحمد، وجدت روايات متضاربة.

هناك من يقول قتله المجاهدون في الجبل بسبب كلمة، وهناك من يقول أن فرنسا قتلته واتهمت المجاهدين حتى يكرههم الناس

وهناك رأي ثالث أن لا علاقة لموت العم أحمد بالثورة، ولكنها قضية قسمة أراضي وميراث

توجد حكايات كثيرة

المهم، وُلِد العم النوري عام موت والده، سنة 1955، وكل ما يعرفه عن والده هو ما أخبره به عمه.

أخبرني أن عمه كان يحكي له كل ليلة، وقبل أن ينام كان يُسبّح له.

-العم النوري يغنّي-

شلغوم العيد 2015

معلش أسجلك؟ أحكي لي عن نفسك وعن حصانك؟ من أنت؟

اسمي أحمد

كم عمرك؟

11 سنة

منذ متى وأنت تركب الحصان؟

منذ أن كان عمري 8 سنوات.

من علّمك؟

بابا وعمّي.

من وين أنت؟

من أم الطيور.

أين تقع؟

ولاية وادي سوف.

احكي لي على فرسك؟

اشتراه لي أبي وعمي منذ أربع سنوات.

ماذا يكون هذا؟

فرس عربي.

أحمد لرجم: فارس الأزمنة الأخيرة

حكاية قديمة غامضة عن خيّال اسمه أحمد لرجم، سمعها الحاسن حدوش صغيراً ويعود اليوم ليتذكر تفاصيلها..
7 ديسمبر 2020

بعد خمس سنوات من تسجيله أصواتاً من عروض الخيل والفروسية أو ما يسمى بحفلات الفانطازيا في شرق الجزائر، يعود عامل الصوت الحاسن حدوش، إلى قصة عائلية غامضة بخصوص خيّال اسمه أحمد لرجم، سمعها صغيراً ولا يتذكر تفاصيلها.

يتنقّل الحاسن بين والدته وخاله الأكبر والعم النّوري، أصغر أبناء الفارس أحمد ليتابع قصة أحمد لرجم، الذي جاء من الصحراء واستقر على مشارف قسنطينة وصار أشهر خيّال فيها.

نتعرف أيضاً  في هذه الرحلة الصوتية على أسماء الحصان في الشرق الجزائري: الخيل، العَوْد، السرحان، الجادور، الجواد، الفرس… ونختبر، عبر قصص الفروسية والثورة والغدر، دوران حلقة الزمن وتكرّر حكاياته.