fbpx

بسكليت

هناك في غزة كان لدي حلم بسيط، أو هكذا بدا لي، لكنه لم يتحقق هناك، كنت أحلم أن أركب دراجة وأجري بها في شوارع مدينتي حتى لو كانت مدينة غير عادية.
دعاء قشطة
19 أغسطس 2021

عشتُ زمنًا من حياتي في غزة، غزة ليست مدينة عادية بالمرة، تقع تحت الحصار، ليس فقط الحصار من الخارج، لكن أيضًا في الداخل يحاصر الجميع تقريبًا الجميع، وأكثر من تتم محاصرتهن هن النساء.

هناك في المدينة غير العادية كان لدي حلم بسيط، أو هكذا بدا لي، لكنه لم يتحقق هناك، كنت أحلم أن أركب دراجة وأجري بها في شوارع مدينتي حتى لو كانت غير عادية.

أسئلة

بعد زمن، حصلتُ على إقامة فنية في باريس، كان الحصول على تصريح السفر شبه مستحيل، استغرق الأمر خمسة أشهر حتى استطعت الخروج، وهناك كان التنقل بالدراجة أمرًا “سهلًا”، “عاديًا”؛ تلك السهولة والعادية جعلتني أفكر في تجربتي في غزة، وفي شبيهاتي الكثيرات، في كيف نتربى وننشأ، وكيف يتحدد لنا ما يمكن، وما لا يمكن، كيف “نتسلى”، وإذا كان هذا ممكنًا أصلًا.. ومن تلك الأسئلة والأفكار بدأت العمل على مشروع “بسكليت”.   

حصان جيريكو ودراجتي

أثناء إقامتى الفنية قمت بدراسة عميقة لأعمال الفنان الفرنسي تيودور جيريكو (1791- 1824)، وبين اسكتشاته ولوحاته اكتشفت تلك العلاقة القائمة بين الفنان والأحصنة وشغفه بها، حيث كان يستعرض من خلال أعماله هذه العلاقة من شتى جوانبها، في وقت الفرح والحزن والحرب والشكوى والانتظار. كانت تلك العلاقة مصدر إلهام كبير لي، وضعت دراجتي مكان حصان جيريكو، فتح لي هذا الاستبدال بابًا واسعًا على الهواجس التي يزرعها فينا المجتمع وتنمو بداخلنا وتضعنا تحت الحصار.

أناديكُـنّ

تنحت جندية مجهولة الهوية من أعلى النصب في ساحة الثورات الخامدة، تترقب عدوها من خلفها، تتربع على عرش دراجتها الهوائية وتشعل ثورة بأحمر شفاه وقفازات حرير، سلاحها الحرية، تشد على الأيادي وتنادي..

إنهاك 

بين التاء المربوطة وعدمها نتراوح، بين الحياة والموت نتعارك، تهلكنا المسافات على الجدران التي اعتدنا عدها يوميًا، للوصول إلى حبل الفصل العنصري، الحبل الذي شنقت عليه أحلام الفتيات صغيرات وكبيرات قبل الاستحواذ عليها واستبدالها بأخرى.

على حائط المبكى ذاك، لا ندرك حجم خساراتنا إلا حينما تتساقط أكتافنا على أصدقائنا، التي شاءت أحلامنا أن تختارهم بمحض إرادتها، نتعانق من أجل أن يحظى كلانا بالقوة حتى نعود إلى معركة الحياة من جديد.

مساء غزة

المساء في مدينتي غير العادية، هو الآخر غير عادي، المساء هو علامة الانزلاق إلى حبس جديد، لا علاقة له بالأسوار والأبواب المغلقة، لكنه يحبس أكثر كلمات ومشاعر وأحاسيس إذا انطلقت ربما ستأكلنا جميعًا.

ومع هذا الحبس يبدأ الزمن بالاحتضار، فحينما تتمدد ظلالنا على حوائط المنزل وتصل إلى ذروتها بفعل انقطاع الكهرباء الأبدي، فإن الزمن يبدأ في لفظ أنفاسه، على الرغم من ذلك، فإننا لا نزال متشبثين برغباتنا وأحلامنا في انتظار لحظة شهيق يفرج عنها جدول ظل أو ضوء شمس.

مكالمة فائتة

على طاولة صغيرة بجانب سرير، ترتج قارورة عطر “ريهانا” دون أن تصدر أي رائحة بهزاتها، يتراقص الضوء الساقط على القرط اللؤلؤي استعدادًا للعودة إلى ثقبه من جديد، مكالمة من هاتف محمول قد أوشكت بطاريته على النفاذ، ضجيج وفوضى أسكتته امواج عاتية، صديق يلوح لي في الأفق البعيد، ولكن لا أعلم أهو لقاء أم فراق!

عادية/ استحالة

ظلت عادية الحركة بالدراجة في شوارع باريس، تذكرني باستحالتها في شوارع غزة، كان هذا يستفزني، لذا حاولت أيضًا عبر دمج لافتات الشوارع والعبارات التحذيرية والأصوات وأدوات نسائية أن أخلق حالة “استفزازية”.. ربما، ولكن أليس الظلم أكثر استفزازًا؟