إدراك الحواجز شرط الطيران

وقعت في غرام كلمة باركور ومعناها. ظهرت لي في وقت أشعر فيه بضخامة وثقل كل الحواجز والموانع والعقبات وأحتاج للتعرف على طريقة لتخطيها حتى لا أنسحق تحت وطأتها
سارة يونس
6 يناير 2022

نزلتُ إلى الشاطئ مع أنس عبر الصخور، لم يكن هناك مدخلٌ مهيأ للنزول، علمني أنس حينها كيف يمكن أن أجد طريقي عبر الصخور غير الممهدة فقط إذا عرفت من أين أبدأ وحددت تماماً إلي أي نقطة أريد أن أصل.. فور أن وصلنا بدأ الجميع بإلقاء التحية على أنس هذه المرة. كان العدد أكبر بكثير، ليس إثنان فقط. أنضم أنس فوراً للتدريب. لمحت ويلي الشاب الأخر ولوحنا لبعض من بعيد. هو أيضاً كان مشغولاً بالتدريب. 

كنت قد قابلت أنس قبل أيام، واتفقنا على اللقاء اليوم، تحدثنا قليلاً ونحن نسير. سألته عن تغيير مكان التدريب و أخبرني أنه ليس لديهم مكان ثابت و أنهم يتحركون داخل الإسكندرية بشكل حر. وصلنا لمكان التدريب وهذه المرة كان علي الشاطئ.. 

لكن مهلًا الحكاية لم تبدأ من هنا..

أفكر وأسير في الشوارع كعادتي أيام العطلات، أتحرك بخطوات بطيئة وأركب الترام بلا هدف محدد، أتلفت وتحاصر نظري الكتل الخراسانية حول الشاطئ وهياكل الإسمنت الفارهة في المدينة وبينهم “سياط الزمان ومهانته، وظلم المستبد، وزراية المتغطرس، وأوجاع الحب المستنكر، ومماطلة القضاء، وصلافة أولي المناصب في حين أنه يـ …” كان صوت نور الشريف من فيلم حدوتة مصرية (1982) ليوسف شاهين يردد كلمات شكسبير في سماعات أذني أثناء نزولي من عربة الترام. وفجأة تشتت انتباهي عن الصوت في أذني والأصوات داخل رأسي بسبب الحركة المفاجئة لشابين يطيران في الهواء.
أوقفت صوت الفيلم، وتوقفت زحمة أفكاري معه و تمهلت لأشاهد..

كان هناك صوت مرتفع لموسيقى راب، للوهلة الأولى اعتقدت أنها تحضيرات لحفل ما وأن الشابان الطائران ربما يقومان بحركات رقص، أقتربت لأسألهما عن موعد الحفلة وتفاصيلها فأخبراني أنه ليس حفلاً وأنه تدريب باركور

باركور؟ يعني إيه؟

لم أكن سمعت تلك الكلمة من قبل، أسندت ظهري إلى حائط مجاور لهما ووقفت أرى المدينة تتحول في نظري من الأبيض والأسود إلى الألوان مع كل قفزة يقومان بها. أمسكت الهاتف وبدأت بكتابة الكلمة على جوجل. ظهرت لي صفحة ويكيبيديا كأول نتيجة للبحث وكانت أول جملة وقع نظري عليها هي.. “وجد الباركور كطريقة جديدة ومختلفة لتخطي العقبات مثل الحواجز أو الموانع، وهذه الموانع يمكن أن تكون أي شيء مما يحيط بك”.
فورًا وقعت في غرام تلك الكلمة ومعناها. فقد ظهرت لي في وقت أرى فيه ضخامة كل الحواجز والموانع والعقبات وأشعر بثقلها وأحتاج للتعرف على أي طريقة تمكنني من تخطيها حتى لا أنسحق تحت وطأتها. 

كنت أفكر في الحواجز والطيران وتذكرت قول أستاذتي “الدنيا مش ألوان أو أبيض وأسود.. الدنيا أعقد من كده”.
كان هذا أثناء إحدي نقاشاتنا حول عملي، أفكر في كلامها وأردد في ذهني، ربما الدنيا ليست بتلك الحدة لكنني أراها الآن بذلك الشكل. حينما تحاوطك الرماديات والألوان الباهتة والمواقف البين بين، ربما يصبح حينها الخلاص الوحيد هو التمسك بتلك الحدة على الأقل حتى تقف على أرض صلبة تمكنك من التعامل مع هذه الدنيا “الأعقد”.

أحسست أني أريد التعرف أكثر عن الباركور وعالمه. طلبت رقم تليفون الشابين كي أستطيع مقابلتهما مرة أخرى، ربما أستهجنا طلبي في البدء فأنا لم أقل إلا كلمات مقتضبة عن كوني مصورة فوتوغرافية مهتمة بتصويرهم. أعطاني أحدهما رقم هاتفه على مضض، وفي الحقيقة ربما كانا على حق في ريبتهما مني، أنا بالنسبة لهما مجرد فتاة غريبة تقابلهما لأول مرة في الشارع وتقاطع تدريبهما وتبادر بالحديث وتطلب أرقامهما وتصويرهما دون سابق معرفة. 

ساعتها لم أكن أعرف ما أريد بشكل واضح، فقط كنت أريد أن أعرف منهما أكثر عن تلك الطريقة الجديدة والمختلفة لتخطي العقبات التي أدهشني و أخرجتني من شعوري بالحصار وجعلتني أتوقف أثناء سيري لأتساءل عن كيفية الطيران في المدينة. 

وقفت قليلاً أتأمل المشهد؛ عشرات الأشخاص يطيرون حرفيًا بجوار البحر يرتفعون أمتارًا فوق الرمال ويصلون للأرض بثبات، وعندما يقع أحدهم ينهض فورًا ليعيد الكرة. للحظة شعرت أن الإسكندرية تتحول أمامي إلى نيفرلاند، لكنها مختلفة عن نيفرلاند التي يعيش فيها بيتر بان فهو كان يطير ويعلّم غيره الطيران فقط بقوة الأفكار السعيدة، كان يرفض أن يكبر ويتجاهل الزمن ويلاحق ظله و يعتقد أنه سيتمكن من هزيمة الأشرار فقط لأنه ذكي و خفيف الظل و يؤمن أن جميع أصدقائه طيبون وأنهم جميعًا أولاد ضائعين سيظلون معاً للأبد في المدينة الخيالية. 

لكن هنا في نيفرلاند التي أراها متجسدة أمامي، لكي تنجح في الطيران عليك أن تدرك تمامًا أبعاد الواقع وحواجزه وبغير ذلك لن تتمكن من الطيران. 

الشباب هنا يشجعون بعضهم بصدق ويقدمون الدعم فورًا حين إصابة أحدهم أو سقوطه ويهتم كل لاعب منهم بتعليم الآخر كي يتمكن من أداء الحركات بالشكل الصحيح ويحترمون بعضهم. لقد بدوا كما لو كانوا يشكلون معًا رابطة حقيقية. 

تعددت اللقاءات بيننا في التدريبات و في كل مرة نتحدث قليلًا و نصور أكثر و نتعرف إلى بعضنا البعض وتقوى علاقتنا، ومع الوقت بدأت أتمرن كي يأتي اليوم الذي أستطيع فيه مثلهم الطيران.