fbpx

حكاية عن التعليم والاختيار والماضي

سأحاول أن أكون أكثر بساطة، بدأت الحكاية بسؤال.. أي مدرسة -وبالتالي أي نوع من التعليم- سنختار لطفلنا موسى؟
ــــــــ المـكـان
رافي شاكر
9 يوليو 2021

ربما لن أكون مبالغًا إذا قلت إن هذا المشروع من أصعب المشاريع التي عملت عليها كمصور، عادة ما تكون الكاميرا أمامي وأنا التقط الصور، صورت مظاهرات، وصدامات، وشوارع، وأبنية، وأشخاص كثيرين بسطاء، مسئولين، أهالي سجناء، طلاب.. صورت كثيرا ومازلت.

لكن هذه المرة، يبدو الأمر وكأن الكاميرا موجهة إلىّ شخصيًا، ليس المسألة أني أود التقاط صور شخصية لنفسي، لكن كأن الكاميرا موجهة إلى حياتي وماضيي، كل صورة تبدأ بسؤال، وأحاول من خلالها أن أجد إجابة.

منذ أن رُزقت بطفلي موسى قبل ست سنوات، وأنا أمام أسئلة كثيرة، كأنما ولدت مع الطفل، ومع التفكير في الأسئلة، بدأت اكتشف مناطق من حياتي كنت قد نسيتها تمامًا، والآن تبرز أمام عيني وتلقي بأسئلة أخرى وأيضًا تخوفات عن المستقبل.

سأحاول أن أكون أكثر بساطة، بدأت الحكاية بسؤال.. أي مدرسة -وبالتالي أي نوع من التعليم- سنختار لطفلنا موسى؟

كان السؤال بالنسبة لي مثل سقوط حائط كان يخفي وراءه الكثير، نوع التعليم الذي سنختاره سيلعب دورًا أكيد في تشكيل شخصية الطفل، ورؤيته للعالم.. وكان هذا سؤالًا مهمًا لي.

حكاية قديمة

كان ما كان، كنت صغيرًا عائد لتوي من بلد آخر، أسير في أحد شوارع الإسكندرية، حيث نعيش، رأيت بناءً غريب المعمار، لم يكن مألوف لدي في المكان الذي أتيت منه، عرفت فيما بعد أن اسمه..”كنيسة”، أكثر ما لفت انتباهي في المبنى صورة كبيرة للمرأة بثياب زرقاء ويشيع النور حولها، سألت والدتي التي كانت تسير بجواري.. من هذه المرأة؟ قالت.. إنها العدرا. 

تعلقت بها من ذلك الحين واستمر هذا التعلق، بل تطور الأمر فأخذت أبحث عنها في وجوه النساء، ثم كانت “وفاء” بدت مثل العدرا مريم حين رأيتها بالخمار أول مرة بالجامع الأزهر تعلقت بها.. ارتبطنا، ثم تزوجنا.

حكاية عن وفاء

تلقت وفاء تعليمها في الأزهر منذ البداية، حتى التحقت بكلية الدراسات الإسلامية، شعبة “علوم الحديث”، وتفوقت هناك في دراستها، فكانت أول دفعتها، فتم تعينها بهيئة التدريس بالجامعة، ثم حصلت على درجة الماجيستير في علوم الحديث بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، والآن تعمل على إعداد أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه..

وفاء.. محبة جدا للأزهر، وترى التعليم الأزهري هو الأفضل، أيضًا ترى أن موسى سيكون له شأن عظيم هناك، وسيخدم الإسلام والمسلمين..

لكن لي رأي آخر، قادم من خبرة مختلفة.. تخيفيني أيضًا.

حكاية عادية

أنا ابن أسرة من الطبقة المتوسطة، مثل آلاف الأسر المصرية، انتقلت أسرتي إلى السعودية للعمل في أواخر الثمانينات، والدي كان بعمل مسعفًا في جمعية الهلال الأحمر السعودي، ووالدتي كانت مدرسة. 

أثناء تواجدنا في المملكة، كان لابد وأن ألتحق بالمدرسة، كانت مدرستي الأولي في منطقة المدينة المنورة بالقرب من المسجد النبوي، كان اسمها مدرسة الإمام الشافعي الابتدائية. 

كانت أول حصة مخصصة للقرآن الكريم، وكان الحفظ إجباريًا، وإلا سنتعرض للعقاب بالضرب على مؤاخراتنا بعصا المدرس الخيزران. كنت أعاني، ومازلت، من مشكلة في الحفظ، ولم يكن حفظ القرآن هو المشكلة الوحيدة، فقد كنا ندرس أيضًا مواد دينية أخرى.. فقه، حديث، تفسير..

من ناحية أخرى لم يكن هناك أي نشاط فني أو ترفيهي يقام في المدرسة، لذا كانت جحيمًا بالنسبة لي.. بكاء صباحي يوميًا، ومحاولة اختلاق إعذار متعلق بالمرض أو بغيره كي لا أذهب للمدرسة.

تعبتُ، وتعب أهلي معي، وحاولوا عبر أكثر من طريق تهدئتي، من العلاج النفسي، وحتى الذهاب للمشايخ كي يعالجونني بالقرآن… ظل الوضع هكذا إلى أن عدنا إلى مصر.. ودخلت المدرسة هنا في الإسكندرية كنت في الصف الخامس الإبتدائي.

انبهار

كانت المفاجأة الأولى لي في الطابور الصباحي ليومي الأول.. هناك صبيان وبنات يعزفون السلام الجمهوري على آلات موسيقية في الطابور!

كنت منبهرًا ليس فقط بالموسيقى، ولكن باختلاط البنات مع الصبيان بشكل عادي، للوهلة الأولى ظننت أن هناك انحرافًا أو شيئًا ما غير متسق مع ما أعرفه عن التعليم.

وجود البنات لم يكن فقط في الطابور، لكن أيضا في الفصل! هناك في السعودية لم أر فتيات، وأن رأيتهن فهن ملتفات بالسواد ولا يمكن رؤية وجوههن. الآن لي زميلات في الفصل، بعضن بالحجاب وبعضهن شعورهن طليقة، ويلعبن مع الأولاد في الفسحة، ويجرون أيضًا وراء بعضهم البعض!

المفاجآت في مدرستي لم تتوقف عند موسيقى الصباح، والاختلاط، لكن رأيت رسمًا على معصم الطفل الذي جلست بجانبه، عرفت أن الرسم اسمه وشم، وأن الوشم لصليب.

فهمت أن الولد الجالس بجواري ليس مسلمًا، ولكنه مسيحي، مازلت أتذكر اسمه حتى الآن.. مينا حلمي جرجس، إذن هؤلاء هم “النصارى” الذين سمعت عنهم من مدرس القرآن وكان يحذرنا منهم فهم “الكفار”! 

في البداية لم أرغب في الكلام مع مينا ولكن مع الأيام زالت بيننا الأسور وأصبحنا أصدقاء. وفي يوم رسمت على معصمي صليبًا يشبه الموجود على معصم مينا، لكن طلبن مني أمي أن أزيله.. “إحنا مسلمين الرسم ده مش بتاعنا”.

إجمالًا كانت المدرسة المصرية فرصة لأرى عالمًا شديد الاختلاف عن كل ما رأيته في المدرسة بالسعودية.

لهذه الخبرة.. لا أريد لموسى أن يلتحق بالأزهر..

أمنيات..

أحب أن يجلس بجوار موسى على مقعد الدراسة زملاء مختلفين عنه في الدين والجنس، أحب أن يفهم من خلال التعليم أن العالم ليس شيئًا واحدًا ولا لونًا واحدًا، وأننا مختلفون.

الدراسة الدينية تخلق صعوبات فيما بعد في قبول اختلافات على ما ترسخه الدراسة كمسلمات.

بدأت هذا المشروع خلال نقاشاتي مع وفاء حول مستقبل موسى، حصلت على منحة للعمل عليه، ساعتها قمت أنا ووفاء بكتابة رسائل لطفلنا يشرح فيها كلا منا وجهة نظره، وطلبنا أيضا من أصدقائنا أن يكتبوا رسائل هم أيضًا لموسى علَ تلك الخطابات تساعدنا.

حتى الآن لم يحسم الأمر بعد.