30 عائلة.. كنت غريبًا يصوّر غرباء في بيوتهم

إن صورت جدارًا محطمًا، فهذا لا يعني أنني عبرت من هنا ووجدت جدارًا مهدمًا وقررت تصويره، بل إنني أنا من حطم هذا الجدار من أجل تصويره.. هذا العالم الذي ألتقطه لم يكن من الممكن أن يكون لولا أنني أوجدته.
ــــــــ البيتــــــــ المـكـان
هشام بن هود
10 يناير 2022

بين عامي 1994 و2002، كنت معلمًا في إحدى المدارس في مراكش في المغرب، وخلال هذه الفترة بأكملها لم ألتقط صورًا إلا لطلابي في غرفة الصف. كثيرًا ما كنت أخرج الكاميرا وأطلب من الطلاب الوقوف أو الجلوس بوضع معين وأشرع في التصوير. ولم يكونوا ليحتجوا أو يرفضوا أو يقولوا لا لأي سبب كان، ولم يطرحوا أي أسئلة عمّا أفعل.

كانت لدي سلطة الأستاذ التي يذعنون إليها وينفذون “أوامرها”. أليست هذه هي طبيعة الأشياء هنا في المغرب؟ أحد ما يعطي الأوامر ومجموعة تنفذ من دون نقاش. لا أذكر أنني صورت أي شيء آخر في تلك الفترة، ولا حتى صورًا شخصية، فقط طلابي. 

والآن إذ أستعيد الأمر، أفكر ما الذي جعلني أقتصر على تصويرهم؟ إذ أنني لم أطوّر أي فكرة أخرى للفوتوغرافيا خارج غرفة الصف، فهل كانت القدرة على التحكم بالموضوع الدافع لتكريس كاميرتي لهم وتسليطها عليهم؟ هل يمكن أن يخشى المصور إرادة موضوع التصوير؟

يعيدني التفكير في العلاقة بين المصور والموضوع إلى اللحظة التي تلت 2002؛ آنذاك قررت ترك التدريس وتكريس وقتي وجهدي لفن الفوتوغرافيا. ساعدني في ذلك انتقالي إلى بلجيكا في إقامة فنية. وفي بروكسل وجدت نفسي ضائعًا، بلا موضوع. لم يبق عندي صف ولا طلبة، ولم أكن أعرف أحدًا في تلك المدينة، وليس لدي أي سلطة كانت على أي أحد سوى شخص واحد هو أنا. هكذا وجدت نفسي وقد أصبحت الموضوع، فقمت بسلسلة صور بورتريه ذاتية أسقطت فيها وعليها كل ما هو قابل للتصوير في ذلك المحترف، ودمجت في وجهي كل تفاصيل المحترف التي كانت تحيط بي وكل من وما يمر بي؛ الفتيات، الأشياء، الأقمشة، الخيوط، الأكواب، أطلقت على هذه المجموعة “فيرزيون سوفت” Version Soft.

ظل الأمر هكذا إلى أن انتقلت إلى باريس، حيث عشت في مدينة الفنانين عام 2004. هناك، التقيت بمخرج مسرحي عرض علي المساعدة لإنجاز مشروع فوتوغرافي، لم يكن في ذهني شيء محدد آنذاك، كنت بحاجة إلى استعادة السيطرة على موضوع ما خارج نفسي، قلت له: أنت تعرف الكثير من الناس هنا في باريس أصدقاء أقارب جيران ربما، أريد أن أصور بعض الناس أو الأزواج في بيوتهم. وأود أن تضعني على صلة بمجموعة من العائلات، وأن تخبرهم فقط بأنني فنان مغربي أود التقاط الصور لهم في بيوتهم شرط أن لا يدور بيني وبينهم أي حديث أو نتبادل أي شيء كان، لن أعطيهم ولن آخذ منهم، سأدخل شققهم فقط وسيكون كلامي الوحيد معهم عبارة عن توجيهات حول الصورة، الجلوس والوقوف…

بالنسبة إلى كان فضاء البيوت هذا بديلًا مضادًا لغرفة الصف، كنت أدخل مساحة أجهلها ويعرفها أصحابها، بينما كان الصف مساحة ثابتة لا تغيير فيها وأعرفها جيدًا لسنوات. ما كان يثير اهتمامي حقًا هو تلك المواجهة مع أناس “موديل” سوف أقابلهم مرة واحدة في حياتي في منطقتهم ومساحتهم الحميمة التي أحولها إلى مسرح للفوتوغرافيا، وما أن أنتهي حتى أغادر وأتركهم بلا أي كلمة. يبدو لي أن في هذا الاجتياح الفوتوغرافي صبغة من العنف الذي قبلوه بالطبع لأنهم وافقوا على شروط التصوير في الأساس.

كان المخرج يرافقني في كل مرة، ويقوم بالتعريف بي وبمشروعي ثم يغادر، وفي كل مرة يتركني ويتركهم مع إنسان مجهول، كل منا بالنسبة للآخر. كنت أتجول في البيت، وأنظر، لنقل إني كنت أحاول أن أشعر أكثر مما أنظر، أدخل إلى الصالون وأتأمل أي من قطع الأثاث سيدخل في الصورة، هذه السجادة، المزهرية، الطاولة…

لا بد أنني كنت أحاول أن أرتجل علاقة ما مع مكان أدخله أول مرة، الأمر الذي لم أكن أفعله في غرفة الصف، في الأخيرة كنت أفكر من قبل في ما أريد فعله ثم أطبق على أرض الواقع، في هذه الحالة كان عليّ أن أرتجل خطة التصوير في التو واللحظة.

كانت كل جلسة من جلسات تصوير “30 عائلة” فريدة بحد ذاتها، بعضها أخذ دقائق وبعضها ساعتين، اعتمادًا على “طاعة” من أصورهم لـ “أوامري”: قف هكذا، ارفع الستارة، اجلس هكذا… كنت آخذ معي إضاءتي، فقد كان لدي “ستوديو متنقل” استخدمته ليحدث كل شيء بسرعة وأن تكون كل أدواتي معي فلا أضطر إلى العودة.

رفضت كل شيء منهم؛ عرضوا القهوة وطرحوا  الأسئلة، لم أرض فضولهم حول المشروع ولم أتبادل معهم أطراف الحديث، في الأخير كنت أشكرهم طبعاً ورفضت أن ألتقي أيا منهم لاحقًا. الفكرة هي أن أبني الصورة على أشخاص التقيتهم والتقوني مرة واحدة بلا خلفيات، وليس هناك من علاقة بيننا سوى هذه الصورة التي سأختفي بعدها. أطلقت على مجموعة الصور هذه “30 عائلة”، لأنني حين فرغت وجدت أنني صورت هذا العدد من العائلات.

السلطة، أتساءل عن السلطة على الموضوع قيد التصوير، واسأل نفسي إن كان يمكن لنا كأفراد أن نتحرر من السلطة، سواء كنا نملكها ونمارسها أو أننا خاضعون لها، أيًا كان ذلك الذي نفعله: فنانين أم موظفين أو أي شيء آخر. قد تكون السلطة فعلًا محور عملي، بالنظر إلى أنني ملكت القليل جدًا منها، وخضعت لأنواع منها؛ بدءًا من أن أكون تحت سلطة الأب. كانت سلطة والدي حاضرة وغير قابلة للفكاك منها أو معارضتها أو رفضها.

كنت أفعل ما طُلب مني فعله؛ أن ألبس ما يشتريه، وآكل ما يحضره، وأذهب إلى المدرسة التي اختارها. كانت هناك أوامر فقط وكان الرد الوحيد عليها هو طاعتها. حين يأمرك بفعل شيء لا يمكنك أن تقول لا لأنك متعب أو نعسان أو حتى لأن ليس لديك الرغبة في فعل شيء ما، بخلاف ذلك ستتم معاقبتك. بالطبع كانت لوالدتي سلطة علي أيضًا لكنها كانت سلطة ناعمة لم أواجه مشكلة معها. بعد العائلة بقليل، تبدأ بالشعور بسلطة المجتمع ثم سلطة القانون ثم سلطة رب العمل عليك، وهناك أيضًا السلطة الإلهية لما هو مباح وما هو محرّم.

أعتقد أنه، وللمفارقة، فإن بداية تحرير نفسي من خلال الفوتوغرافيا التي أقوم بها تكمن في الأساس بامتلاك السلطة على الموضوع، قد تجد في صوري بعض المواضيع التي يطرقها غالبية الفوتوغرافيون مثل البورتريه، الطفولة، المجموعات، الحيوانات. لكن، أحسب أن عالمي الفوتوغرافي هو استكشاف حر وتأمل في العلاقات بين البشر أنفسهم وبينهم وبين الطبيعة والبيئة التي تحيط بهم، بين الطيران والجاذبية، بين الحب والسلطة، بين الآباء والأبناء، بين البشر والحيوانات.

ربما لهذه الأسباب نفسها، لم أجد نفسي على الإطلاق في التصوير الصحافي أو الربورتاج، مارسته مجبرًا لفترة قليلة، لكني لست مهتمًا به. بالطبع هناك مصورين صحافيين كبار ومصوري ريبورتاجات مبدعين بل وفنانين. غير أن هذا النوع من التصوير هو فوتوغرافيا لموضوع يحدث أو قائم بالفعل، إنه تمثيل الواقع وتوثيقه، وهذا ما لا يجذبني فيه. أفضّل أن أبتكر ما أصوره، أن أستخدم واقعًا أو أمورًا واقعية لابتكار قصة غير واقعية أو فوق واقعية؛ سريالية.

إن صورت جدارًا محطمًا، فهذا لا يعني أنني عبرت من هنا ووجدت جدارًا مهدمًا وقررت تصويره، بل إنني أنا من حطم هذا الجدار من أجل تصويره. بمعنى أنني شخص يبتكر موضوعه، وهذا العالم الذي ألتقطه لم يكن من الممكن أن يكون لولا أنني أوجدته.

حين كنت أصور العائلات في بيوتها لم أكن أصور حياتهم اليومية، بل كنت أطلب منهم الأداء، أداء وضعيات جلوس أو وقوف معينة لا علاقة لها بأنشطتهم العادية، معظم الصور يظهر فيها شكل من الخضوع للأداء، مارسوه طواعية باعتباره جزءًا من عمل فني. في نظري نبدأ مبكرًا في تعلم الخضوع كأداء لأسباب مختلفة، وربما تكون العائلة أول العروض الأدائية لخضوعنا.