fbpx

بيروت سندروم.. مشروع التقاط صورة لألم مزمن

فكرتُ كيف كان غريبًا ولاواعيًا انتقالها من الحديث عن بطنها إلى الحديث عن بيروت.. انفجار المرفأ/ أحشائي ستنفجر
ــــــــ جسد
دزوفيك أرنيليان
15 أكتوبر 2021

تفتش سابين عرموني بيدها عن موضع الألم، تعرف أنه هنا في مكان ما من المعدة، هذا الشيء المزمن المجهول استقر في نقطة معينة تحاول المرأة أن تصل إليها، أن تضغط عليها لعلها تنفجر ثم تتشظى إلى أن تختفي.

كانت سابين تعاني من معدتها لسنوات عديدة، وجربت علاجها من خلال النظام الغذائي وممارسة التمارين الرياضية والركض يوميًا. الهدف من الرياضة لم يكن في الأساس التحرر من الألم، بقدر ما كان الوصول إلى النموذج؛ تقول.. “كان لدي هدف أن يكون جسدي نموذجًا للياقة، مع بنية قوية وعضلات ومعدة مفصلة”. وحققت ذلك بالفعل، وصلت إلى الجسد الذي كانت تصبو إليه. ومع هذا، يبدو الأمر كله ضربًا من العبث ما أن يثور ذلك الخلل الداخلي في معدتها ومعه الألم الذي يصاحبه، فينغص فكرة الكمال الجمالي برمتها. هذه المعدة المصقولة القوية من الخارج متألمة وهشّة ومتشنجة من الداخل.

أنا وسابين صديقتان، ما بيننا هناك الكثير من الكلام والثقة التي كانت عاملًا من عوامل نجاحنا في جلسات التصوير، كانت الكاميرا تلتقط الصور لها وأنا أحدد أين وكيف ومن أي زاوية بينما سابين تفتش في بطنها عن نقطة تعذبها.

حين غادرت سابين الجلسة، خرجتُ أنا أيضًا أمشي ووجدت نفسي أفكر في بطن المدينة المتشنج الذي يوجعنا كلنا، وأفكر في ما حكته لي اليوم… قالت بالحرف.. “بدأتًُ ألاحظ أشياء مختلفة جديدة تدور في جسدي.. تقلصات وانتفاخ وإمساك. كنت أعاني من بطني وأتألم ولم أعد أستطيع ممارسة الرياضة. أشعر أن أحشائي ستنفجر”.

فكرتُ كيف كان غريبًا ولاواعيًا انتقالها من الحديث عن بطنها إلى الحديث عن بيروت.. انفجار المرفأ/أحشائي ستنفجر. كانت تؤكد لي أنها لاحظت زيادة هذه الأعراض بشكل كبير هذا العام “بعد انفجار بيروت، وأوضاعنا، والحكومة التي سرقت مستقبلنا، والخوف والعزلة بسبب فيروس كورونا يومًا بعد يوم”. 

هل يمكن أن ينتقل الخلل في المدينة إلى الإنسان؟ هل يمكن أن يتحول كل شيء في هذه اللحظة إلى وباء؟ الانفجار وباء، الفيروس وباء، أتعدي المدينة المتشنجة ساكنيها؟ أيعقل ذلك؟ إمساك، انتفاخ، ألم، عسر،بوووم انفجار…!

تصورت جسد سابين كحلقة وصل تمر من خلالها إلى ألم المدينة والعكس بالعكس، وتخيلت ماذا لو أن هذا حدث لنا كلنا دون أن ندري؟ مفهوم الجسد ككيان منفرد ووحيد ومنفصل في هذه الحالة سينتهي. بدلًا من ذلك، سيحل الجسد دائمًا بالفعل “في السياق” فقط، كمبنى اجتماعي وحاضر مادي وكائن سياسي. وهذا يجعل من مسألة السعي إلى الجمالي والرياضي- كما في حالة سابين، التي استجابت للشرط الاجتماعي؛ تكوين جسد شبه تعجيزي لاعتبارها جميلة، لقد نذرت الفتاة العشرينية حياتها للرياضة ولنحت قامتها الرياضية المثالية- مجرد محاولة أخرى لإبقاء “الجسد في السياق”.

والجسد في السياق ليس إلا كائنًا في حالة توتر مع ذاته كمادة ومع العمليات التي تجعل له في هذا المكان معنى؛ حيث أن معنى الجسد يختلف باختلاف المكان الذي يكون فيه. هذا ما أظنه على الأقل! في صوري أعتقد أنني أدركت هذا التوتر، وأخذته على محمل الجد، والتقطت له صورة، صورة للجسد المتألم في سياقه.

ربما أنني أبالغ، فبعد أن سألت سابين عدة أطباء وأجرت العديد من الاختبارات وحاولت اتباع أنظمة غذائية مختلفة، جرى تشخيصها أخيراً، ظهر أن لهذا الألم اسم.. متلازمة القولون العصبي! IBS-C. قالت “تعرضت لصدمات كثيرة هذا العام، خاصة عندما هاجرت أختي إلى كندا بسبب الوضع في لبنان، تحطمت أسرتنا. كنت آمل أن أجد أي حل لمشكلتي وأن أكون قادرة على التعافي ولكن كل ما أراه هو أن أحلامي تتحطم”.

تبدو عبارة سابين الأخيرة هذه تراجيدية، كما لو أنها تقال على خشبة مسرح في المونولوج الأخير للبطلة.. فكرت في ذلك واخترت أن تكون الصور بالأسود والأبيض، لونان يزيدان الدراما في الفوتوغرافيا، ويبعدان أي تشويش لوني محتمل، الأسود والأبيض في الصورة يعني أنني المصورة أميل إلى الموضوع، يعني أن تنظر أنت المتلقي إلى الصورة كمن يستمع إلى إذاعة قديمة ولكنها صافية بلا خشخشة.. وكان الموضوع بالنسبة لي في صور سابين هو الطاغي.

أصور، وأحرر الصور بشكل خفيف على كمبيوتري، بضع تعديلات بصرية تلت جلستنا الأخيرة هذه، فقد اجتمعنا في أكثر من جلسة لننجز مشروع التقاط صورة لألم مزمن، وهذه الصور التي أعرضها هنا كانت نتاج الجلسة نفسها.

لماذا تتصور سابين؟ لماذا نصور أشباح التشنج الداخلية؟ تخبرني “أريد فقط أن يشعر الآخرون بما أشعر به؛ قلق، توتر،ألم.. أشعر بالوحدة في هذه المعركة.. كل ما أحتاجه هو جسدي القديم والعودة إلى روتين التمرين اليومي”.