fbpx

وصلني ع الصنايع.. عدة محاولات للوصول إلى الحديقة

مازال الكبار الباحثين عن الألفة يجلبون معهم مقاعدهم وطاولاتهم ويلعبون الورق، يضربون المواعيد في نفس المكان، الاجتماع في جنينة الصنايع، وإن كانت الحقيقة أنهم بمحاذاتها.
ــــــــ تقدمـ العمـر
مروان طحطح
20 أغسطس 2021

اثنان وعشرون ألف متر مربع مظللة بأشجار الكينا المعمّرة، فيها ممرات للركض ومسارات للدراجات الهوائية وأماكن للعب الأطفال ومقاعد أنيقة ونافورة قديمة، هذه البقعة حبيسة خلف الأبواب المغلقة وسور جنينة الصنايع كما اعتاد الناس تسميتها، أو حديقة رينيه معوض كما هو اسمها الرسمي. أقفلت الحديقة مع بداية الحظر الصحي العام الماضي، ليس لأغراض التباعد الاجتماعي وحسب، بل وبما إن البلد بطبيعة الحال في أزمة فالحديقة في أزمة.

إنها واحدة من المساحات القليلة التي ما زالت خضراء في قلب بيروت، منذ أن تبرع بمساحتها آل طبارة عام 1908، هنا بالقرب من صخب شارع الحمراء وزحمة الاصطفاف أمام مطعم “بربر”، ولطالما كانت متنفسًا لساكني الحيّ وللعابرين بمحاذاتها وللباحثين عن متنفس من مناطق شتى من بيروت الغربية، لا سيّما المتقاعدين والعاطلين عن العمل والمسنين الذين يحاولون تزجية الوقت.

بحجة كورونا أُوصدت هذه الفسحة، على اعتبار أن الفضاء العام في بيروت آمن من دون فيروس! لكن الكبار الباحثين عن الألفة ما زالوا يجتمعون حول الجنينة يجلبون معهم مقاعدهم وطاولاتهم ويلعبون الورق، يضربون المواعيد في نفس المكان، الاجتماع في الصنايع، وإن كانت الحقيقة أنهم بمحاذاتها.

لا تظهر أي امرأة في الصور التي التقطتها مثلما هو الأمر في الواقع، بالفعل لا يوجد مسنّات في المكان، ولوهلة يبدو لعب الورق وسيلة ترفيه تقتصر على الرجال في الفضاء العام. يومًا ما قد أصادف مجموعة من المسنّات يلعبن الورق أو الداما على طاولة بمحاذاة السور. كل شيء ممكن في بيروت، فالمساحات المتاحة للترفيه تصبح مع الوقت أضيق فأضيق في ظل جو من عدم اليقين.

تعتبر نسبة المسنين في لبنان أكبر نسبة عربيًا، 10% من تعداد السكان، يليه تونس والمغرب والجزائر، وهي بلدان تعرف اليوم بـ “معدل الشيخوخة السريع”، حيث يُتوقع ان يرتفع الرقم ليصل إلى 15% عام 2030. ليس هذا فقط، بل إن الدراسات تتوقع زيادة كبيرة نسبيًا في إصابة هؤلاء بالأمراض غير المعدية وبالأخص التي تتعلق بالقدرة على التواصل، كالزهايمر والخرف إلى جانب أمراض الشيخوخة الأخرى من القلب إلى السكري، إذ تتراوح نسبة كبار السن الذين يعانون من مرض مزمن واحد على الأقل في لبنان 63.8%. يعيش 12% من كبار السن الذين يتجاوزون الـ 65 عامًا في لبنان وحدهم، والمسنّات أكثر عرضة بثلاث مرات تقريبًا للعيش بمفردهن من المسنين.

لهذه الأرقام معان أخرى، من بينها حاجة هؤلاء إلى مساحات للمشي لمواجهة الأمراض التي تنتظرهم، وتعني أيضاً إيجاد وسائل لتبديد الوحدة العجوز، وربما تكون الحدائق العامة هي المكان المثالي لفعل ذلك، لا سيما مع زيادة معدلات الهجرة بين الشباب وغياب الدعم الحكومي لفئة كبار السن أو لنقل قلّته.

يرتبط لعب الورق بالملل والشلّة، معظم الألعاب تحتاج من اثنين إلى أربعة شركاء، إنها وسيلة ترفيه مجانية ضد-الوحدة. ثمة دراسات تلفت إلى أنها تحسن الوظيفة الإدراكية وتزيد من القدرة على التفاعل الاجتماعي، حتى وإن كان ذلك في وقت يطلب فيه الجميع من الكبار الانعزال والتباعد.

يجتمع المسنون حول الصنايع، في انتظار أن تُفتح لهم البوابة.