حلب 2014

Home

أعتقد أن هذا ما كانت تحاول الثورة فعله، إيجاد طريق المنزل، إلا أن كل خطوة قطعتها كانت تبعدها أكثر عن المنزل
حميد خطيب
23 ديسمبر 2021

لم أتعرف جيداً على أبي في صغري، كان معظم الوقت مسافراً، لكنه كان حاضراً في كل تفاصيل حياتي. كلما عاد من السفر ذكّرني بقصص لا أعرفها عن نفسي، مثل أول عبارة كاملة وواضحة نطقتها وأنا طفل، “يلعن دين هالعيشة”. 

حدثني والدي أيضاً عن مرة اصطحبني فيها إلى ملعب كرة القدم وكان يوم لا ينسى. كان يرسم لي صورة المدرجات من جديد؛ الوجوه ضاحكة والأجساد لا تتوقف عن الحركة دونما هدف إنما فقط بغرض الحركة، أو لكونها فرصة لن تتكرر. الأجساد كانت تتصادم في أرجاء المدرجات، وقنابل الغاز يرميها عناصر قوات حفظ النظام فتنهار صفوف المشجعين وتنجرف كالرّمال في اتجاهات مختلفة. كان عمري ثلاث سنوات أو أربع، وكنت أتأرجح إلى الأعلى والأسفل فوق كتفي والدي بينما كان يخرج بي مسرعاً من ساحة المعركة.

لم يمتلك أبي إلا العمل الجاد والكثير من النكات جلبها معه من أسفاره، وحلم واحد؛ أن نمتلك منزلاً. بدأ ترحاله وكانت عمّان أولى المحطات ثم بيروت، تركيا، بلغاريا، فاليونان. وكثيراً ما كان يفاجئنا فنجده عائداً من السفر دون أي خبر مسبق ومعه القليل من الهدايا والكثير من القصص.

لم تسر أحواله على خير خارج البلاد إلا أنه لم يستسلم، عمل في سويسرا وفرنسا بضع سنوات، وكانت آخر الرحلات إلى إفريقيا حيث تنقل في عدة دول وعاد بعدها بسنتين إلى سوريا محمّلاً بأكياس من الفليفلة الحارة.

بعد أن أمضى 14 عاماً خارج البلاد حاول فيها أن يجني ثمن منزلٍ اقتنع أبي أخيراً أن ذلك لن يحصل خارج الحدود، وبعد سنتين من مكوثه في سوريا صار لدينا منزل. لم يكن أجمل أو أدفأ منزلٍ سكناه لكنه كان أول ما امتلكنا. بعدها استمرينا بالتنقل بين المنازل، وفي بداية عام 2011 اشترت عائلتي آخر منزلٍ لها في سوريا وعملت بكل تفانٍ لأجل أن يكون منزلاً دافئاً. آنسوه بالكثير من التفاصيل اللطيفة، كان حميمياً، عامراً بسهرات الأصدقاء، وما أن بدأ بتشكيل بعض الذكريات حتى اضطروا لهجرانه.

عن الغربة والوطن أمثال كثيرة لطالما كرهتها وكرهت كلمة الوطن. بل لطالما كرهت الأمثال كلها لما تخلقه من شعور بالوصاية والتعالي من طرف من يلقيها، فهو يقول لك، هذه هي الخلاصة لا تتعب قلبك ولا تجرب. لكني أحببت كلمة هوم Home الإنكليزية التي تحمل أكثر من معنى: بيت وبلد، منزل ووطن في ذات الوقت. 

هناك مثل يقول “خلقت الغربة للذين يمتلكون وطناً أما نحن فلا غربة لنا”. أعتقد أن ذلك ما كانت تحاول الثورة فعله، إيجاد طريق المنزل، إلا أن كل خطوة تخطوها كانت تبعدها عن المنزل، مثلما أبي الذي استهلك 14 عاماً من حياته، كل خطوة كانت تبعده عن منزله أكثر، بينما يبحث عن واحد.

في إحدى المرات التي رافقت فيها الجيش الحرّ لتصوير اقتحام مطار حلب الدولي الذي يبعد خمس دقائق بالسيارة عن منزلي، اشتدت المعركة وتعثر الاقتحام لأسباب أجهلها. أثناء العودة إلى المنزل طال الطريق كأنه دهرٌ لا ينتهي. ثمان ساعات شاقة نكسّر فيها حيطان المنازل المتلاصقة، نفتح ممرات بين البيوت لتفادي القناصة والتخفيف من آثار القصف، إلا أن القصص التي تروى على الطريق كانت أشد وطأة.

بعد حملة قصف البراميل الشرسة التي أكلت الأحياء المحررة في حلب فرغت المدينة من سكانها، كثيرون سكنوا المخيمات وآخرون غادروا لدول الجوار كعائلتي. المنطقة التي أسكنها – حيّ الميسر- كانت تكتظ بمائة ألف نسمة قبل الثورة وفي وقت ما في عام 2014 لم يعد هناك ما يتعدى العشرة أشخاص. وقتها لم أعد أستيقظ أو أعود للمنزل بعد العمل كشخص طبيعي، لم يعد هناك حاجة للعودة للمنزل، كنا نتمشى أنا والأصدقاء لساعات في الشوارع الفارغة وننام في أي مكان دون تحديد. 

في إحدى المرات بالقرب من دوار الحلوانية وجدنا كرسيين في عرض الشارع أنا وصديقي جلال، أحضرنا بعض الكباب من مكان قريب، جلسنا لساعات في منتصف الطريق، نأكل، نتحدث، نصور، نتذكر، نتخيل، ولم يمر بنا أحد.  

كانت بداية عام 2015 باردة جمدت كل أشكال الحرب ليوم واحد فقط. في ذلك اليوم لم يمت في سوريا أحد. قررنا أنا وزوجتي نور أن ندعو أصدقاءنا على العشاء. أشعلنا المدفأة ومددنا السفرة إلا أن فتحات القذائف والطلقات المتناثرة في حيطان المبنى لم تعن المدفأة على عملها. بقي سجاد الغرفة رطباً بالكامل على الرغم من أن المدفأة ابتلعت في غضون ساعتين ما يكفيها من الغاز لأسبوع كامل.

كسر صديقي جلال أبواب الخشب في منزل عائلتي لنحرقه في الصالون. بعد ساعة من النار الشكلية أصبح البرد غير منطقي لدرجة الغباء. حملنا ما استطعنا من خشب وقررنا الذهاب لمنزل لا تخترقه الثقوب يعود لأحد الأصدقاء. بعد أيام قليلة أغلقت تركيا حدودها مع سوريا بحجة الانتخابات، انتهت الانتخابات وغيّر أردوغان الدستور ولم تفتح الحدود، أصبح العبور بين سوريا وتركيا أقرب إلى المستحيل، ولم يعد باستطاعة أبي العمل في مدينتنا اعزاز السورية والعيش في مدينة كلس التركية.

قررت عائلتي أن تبقى في كلس الملاصقة للحدود التي تبعد عن اعزاز مسافة ثلاثة كيلومتر. غادر كل أقربائنا سوريا وتركيا إلى أوروبا، غادرت أنا، ومازالت أمي تأمل بأن تعود لبيتها الجديد. منذ وصولهم تركيا تنقل أهلي بين 26 منزلاً، ليس رفاهيةً ولا بحثاً عن خيار أفضل، إلا أن الموازنة بين سعر جيد ومالك عقار معقول ومنطقة محترمة، ليس بالأمر السهل. 

ما زالت عائلتي تبحث عن منزل. هذه المرة البيت جيد جداً، السعر عالٍ بعض الشي لكن لا بأس كون البيت قريب من مدرسة أختي الصغرى، إلا أن مالك العقار تنتابه نوبات غضب إذا سمع الأطفال يضحكون.

بعد الثورة تغيرت علاقتي بذكرياتي بشكل كامل. كثيراً ما أنسى أشياء مهمة حدثت قبل 2011 أو أتناساها عن قصد، أما ذكريات الثورة فهي عصية على النسيان. آلاف الصور في الرأس وقصص لا تنتهي عن الحسرة. منذ فترة حاولت أن اتذكر ما الذي كنت أفعله أو أحلم به وأنا صغير فوجدت نفسي أتسلق الشجر في الغابة القريبة.

تذكرت أني أردت أن أفهم السينما أكثر وربما أصبح مخرجاً يوما ما، تذكرت آلاف الأفلام التي شاهدتها. تذكرت أني بدأت التصوير لأنه عين السينما. رأيت النمط يتكرر ورآني، رأيت الخطوات نفسها تبتعد بي.. الآن أكتب عما كنت أريد أن أصير بينما أعمل في مناوبة ليلية في نزلٍ رخيص بعيداً آلاف الكيلومترات عن منزلي.

Home
  • Facebook
  • Twitter

كولن، ألمانيا 2021

أشعر أني رجل فايكنغ هرم

ضجر جزيرته وقرر السباحة إلى الضفة الأخرى

يرى وجهته أمامه ويعلم يقيناً أنه يستطيع الوصول

إلا أن كلّ أمواج العالم تدفعه رجوعاً إلى الشاطئ

 

Home
  • Facebook
  • Twitter

امستردام 2018