fbpx

البحث عن جبل

قد نستطيع التعبير بالأرقام عن النزوح الذي تعرضت له عائلات ليبية كثيرة، لكن هل هناك رقم يعكس حقيقة أن تفقد زاويتك المُنجية من هذا العالم، وما يرافقها من ألم وتيه؟
ــــــــ المـكـان
فيروز العوكلي
11 أغسطس 2021

“لا يتميز الفرد عن مكانه؛ إنه ذاك المكان”

الفيلسوف الفرنسي جابرييل مارسيل

 

كان عمري 25 عاماً عندما سافرت لأول مرة خارج ليبيا. حالما بدأت التجول في تونس العاصمة بدأت أشعر بشيء من الضياع، وصرت أبحث عن جبل كذلك الذي تتكئ عليه المدينة الليبية التي ولدت ونشأت فيها.. كانت حدود مدينة درنة هي حدود العالم بالنسبة لي كطفلة؛ الجبل هو بداية العالم، والبحر الذي تطل عليه المدينة يعني النهاية اللامتناهية. بينما كانت أفكار وهواجس المراهقة والشباب والنضج تتشكل، كبرت تصوراتي المتعلقة بفكرة أن الجبل يعني منجىً واحتماء وظهراً تسنتد عليه أنت ومدينتك ومخاوفك، أما البحر فهو الضفة الأخرى من الحياة التي تُغرق تجاربك وتهورك ونهاياتك غير المحببة كثيراً، وصرت مع الأيام الإنسانة التي أنا عليها اليوم، الانسانة التي يجب أن تعرف أمام أي موضوع تُقدم عليه جانبيه: الحامي (الجبل)، والخَطِر (البحر).

مضت سبعة أعوام منذ انتقلنا من بيتنا الأول الذي عشنا فيه عشرين عاماً، لكنه مازال يزورني في أحلامي، ككل تلك البيوت والشوارع والأماكن التي عشت بها أو ترددت عليها في الصغر: بيت جدي، بيوت أقارب أمي، الشارع الذي يصل بين بيتنا وبيت جدي.. لو تسنى لي اليوم لقاء أحدى تلك البيوت على حالها لاستمديت منها إلهاماً لا ينضب..

هل ستؤثر جغرافية المكان الذي وُلدت وبقيت فيه مدةً طويلةً في سائحٍ أو عابرٍ يمر بضعة أيام بالمدينة ويغادرها؟ حتما لا، فهي قد تكون بالنسبة له مجرد مناظر طبيعية خلابة طالما لم يرتبط بها ولم يمتد عبر زمانها.. عرفت هذا الشعور فقط حين غادرت المكان، والمشهد الذي اعتدته “هنا” في بلدي لم يتجلّ إلا “هناك” عندما سافرت، لأختبر معنى الشعور بالأمان والراحة.

صوت خارجي.. 1

بيت جدي، قد يبدو للبعض مجرد بيت بني يعود لمنتصف القرن العشرين في حي اللّش (البلاد) في هون, لكنه بالنسبة لي المكان المرتبط بذاكرتي، لا أستطيع استرجاع الماضي دون أن يكون هو الخلفية لكل تلك الذكريات، إنه المكان الذي اختبرت فيه أول تجاربي المثيرة كطفل وكشاب، مكان يزخر بالروائح والشخوص، لقد تعلمت فيه ركوب الدراجة ومارست فيه أول محاولات شغفي بالتصوير والإخراج. كنت صغيراً حين كنت أزور حنتي (جدتي) كل صباح، وانتظر بشوق الحليب بالشاهي الذي تعده، كان أطيب حليب بالشاهي أذوقه في حياتي. أحب فكرة أن الجنان – حديقة المنزل – لم تتغير بل بقيت كما هي، لأن ارتباطي بهذا المكان يأتي من عمق التجارب والمعارف الأولى التي تكشفت لي في أركانه وأنا أتعرف على العالم .. وزيارتي لهذا المكان و وجوده على حاله لا يعني استرجاع وجه جدتي الغائب عن الحياة ورائحة الحليب بالشاهي وحسب بل المشاعر المرافقة لكل تلك التجارب والذكريات، ولكم يلهمني كل هذا، بالطبع يمكن للشخوص أن تؤثِثَ روح المكان..”.

المخرج بشير أبو القاسم

البحث عن جبل

دمج صورتين، واحدة على تلة تطل على مدينة درنة، والأخرى مع أخي على الدراجة في باحة بيتنا القديم (من أرشيف العائلة).

البحث عن جبل

وسط صديقاتي بباحة المدرسة الابتدائية القديمة، عام 1997 (من أرشيف العائلة).

البحث عن جبل

مع إخوتي، نطل على مدينة درنة، ويظهر في الصورتين الجبل والبحر كما عرفتهما في صغري وحتى الآن، عام 1997 (من أرشيف العائلة).

البحث عن جبل

باحة بيت جدي القديم (من أرشيف العائلة).

البحث عن جبل

صورتين قبل وبعد، الأولى لبشير وأقاربه أمام بيت جدهم القديم، هون 2003، الثانية لنفس المكان وهو خالٍ بعد ستة عشر عام. تصوير بشير بواسطة المؤقت الذاتي.

البحث عن جبل

بشير مع جدته، هون 2015. تصوير محمد علي بشير.

البيت في شاحنة

كثيراً ما سألت نفسي لمَ يؤثث أصحاب الشاحنات الكبيرة مركباتهم؟ لمَ تبدو حميمة وبها مفارش ودمى وصور لعائلاتهم؟ لمَ يعطرونها ويبخرونها؟ لمَ تبدو مكاتب الموظفين كأن بها شيئاً من بيوتهم؟ هل هي محاولة للسيطرة على المكان وتقريبه عبر تأثيثه؟ يقضي سائقوا الشاحنات وموظفوا المكاتب جل أعمارهم عابرين بين الأمكنة، وقد يظنون أنهم بتأثيثها وإخضاعها لألفتهم تصبح رويداً رويداً أماكنهم التي يعرفونها وتعرفهم..

نحاول دوماً أن نجعل الأماكن مألوفة وحميمة، سواء كانت أماكن نعرفها أو أماكن جديدة أُجبرنا على النزوح أو الانتقال أو الهجرة إليها، سواء أكانت أماكن عمل، أو أماكن لها خصوصية ومعنى. لاسم المكان أيضاً نصيب من علاقتنا به، وإطلاق أسماء أماكننا القديمة التي نعرفها – عندما نُهجّر أو نهاجر منها – على أماكننا الجديدة خير مثال على ذلك. قديماً, عندما أُجبرت قبيلة الماساي في كينيا على الرحيل من موطنها, أطلق أبناؤها أسماء الأنهار والتلال القديمة على أماكنهم الجديدة، كما يحدث اليوم مع السوريين وهم يجولون البلدان التي يهاجرون إليها بأسماء مدنهم وقراهم ..

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

أمي تفترش أرض الغابة وتؤثثها ببساط من صنعها. تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

هل تمتلكون مدنا بأسرها كما نملك؟ 

زارتنا قريبتنا غير الليبية في درنة, أخذناها جولة في المدينة بالسيارة, كنا صغاراً وكلما مررنا من مكان نعرفه كنا نشير إليه ونقول “مدرستنا, شارعنا, زردتنا..”, كانت تضحك وتعلق, “ياااه لو ما كنتش أعرفكم، كنت حقول إنكوا بتملكوا درنة كلها”. إنها السيطرة على الأماكن وامتلاكها بالـ “نا” المكانية. 

هذه الـ “نا” المكانية الملتصقة بكل الأماكن والفضاءات التي نختبرها ونُخبرها, إنها الحيز الذي يتسع لأحداث وتجارب فردية أو جماعية مميزة وذكريات باتت جزءاً من تكويننا كبشر. فكلمة زردة (كلمة ليبية تطلق على الرحلة في البر) فضاء عام قد يقصده عشرات العائلات غيرنا، لكننا كصغار ترددنا على نفس المكان كثيراً – حتى إننا كنا في مرات نجد بقايا زيارتنا الأخيرة ومكان إشعالنا للنار – واختبرنا فيه تجارب أولى وروضنا الحجارة كي نعدل جلستنا ولم يعد بالنسبة لنا فضاء عاماً بل أصبح “زردتنا”. فكم من مكان تمتلكونه بالـ “نا” المكانية خاصتكم؟

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

نفس الشباك قبل وبعد. تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

صورتين قبل وبعد، شجرة الزيتون ومعطف جدي. تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

اختفاء الشلال

معايشة وخوض تجربة التغير العنيف الذي طرأ على جسر الشلال وطدت ارتباطنا به، تماماً مثلما يحدث مع الأم التي يمرض ابنها فجأة فيزيد تعلقها به بقدر الليالي الضنكة التي عايشتها رفقة مرضه. دُمّر الجسر على يد الجماعات الدينية في بداية الحرب بدرنة سنة 2018 وكان قد بلغ من العمر ثلاثين عاماً ونيف.. وهو أحد تلك الأماكن المختبرة جماعياً والمشتركة ثقافياً وتاريخياً ورمزياً بين أفراد المدينة قاطبة.

ثمة ما يعرف بـ “مثابرة المكان” التي تحدث عنها الكاتب رينيه دوبو (1972)، وهي وجود شخصية مميزة لدى الأماكن كما توجد شخصية مميزة لدى الإنسان، وتكون تلك الشخصية في حالة استمرار (مثابرة) حتى عندما تطرأ عليها تغيرات.. وحين يُعايش المرتبطون بالمكان هذه التغيرات ويعرفونها، تعزز تعلقهم أكثر بالمكان..

صوت خارجي.. 2

أنا نفسي صرت أبحث في الصور القديمة عن صورنا على جسر الشلال، كأننا نقاوم بشكل استباقي الضياع الذي سيصيبنا بعد التدمير بأن نظهر صورنا ونثبت أهمية المكان، كأننا في حداد على جزء من ذاكرتنا المشتركة.. لازال الشلال حتى اليوم، ورغم تدمير الجسر الذي يؤدي إليه, وجهة الناس المرتبطين بالمكان.. صارت المدينة، رغم صخب الحرب، مطبقة الصمت، لا يتحدث فيها سوى حسابات السكان على مواقع التواصل الاجتماعي وعباراتهم المتشحة باللوعة والحسرة..، إن المزرعة التي نملكها في وادي درنة والطريق المؤدي للشلال وكل ذكرياتي في المكان تبعث في نفسي ما تبعثه أي علاقة مع أفراد عائلتي، فعلاقتنا بالأماكن لا تقل أهمية عن علاقاتنا بالناس، المكان أيضا هو أحد أفراد العائلة”.

المصور صالح الزحاف عن علاقته بالجسر

البحث عن جبل

جسر الشلال بعد تدميره، درنة 2018. تصوير عادل العوامي.

البحث عن جبل

جسر الشلال بعد تدميره، درنة 2018. تصوير عادل العوامي.

البحث عن جبل

جسر الشلال قبل تدميره. تصوير حمزة استيتة.

غوغل إرث لا يعرف الرائحة

إن المكان الذي أعيش فيه لا دلالة له باعتباره مفهوماً جغرافياً،

ولكن دلالته في أنه بيتي“.. شوتز

ربما يكون المكان الوحيد الذي يربطك بهذا البلد هو البيت، ربما تكون علاقتك بهذا المكان الشاسع العام تنحصر في هذا الحيز الصغير. للبيت في ليبيا خصوصية كبيرة، إذ يقضي الليبيون وقتاً كبيراً داخل بيوتهم، إنه مكان ألفتهم ودفئهم..

أن تمر بشارع محور الحرب في درنة -أو أي مدينة ليبية شهدت أحيائها السكنية معارك- وترى البيوت متهالكة ومكوّمة فوق بعضها حيث لا ملامح لحدود هذا الشارع أو ذاك، يعني أن هناك أناساً اقتُلعت جذورهم و تهاوت ذكرياتهم وانحسرت تماماً كمشهد الدمار.. كثيرون فقدوا بيوتهم أو انتُزعت منهم، آخرون فضلوا البقاء رغم رعب القنابل ولم يغادروا.. نعم، قد نستطيع التعبير بالأرقام عن النزوح الذي تعرضت له عائلات ليبية كثيرة، لكن هل هناك رقم يعكس حقيقة أن تفقد زاويتك المنجية من هذا العالم، وما يرافقها من ألم وتيه؟ بينما يبقى بيتك وكل ما فيه لا يُعرف إلا برقم في قائمة لا تنتهي من البيوت المدمرة..

لا شيء كهذه التغيرات التي تطرأ على أماكننا يجعل من ارتباطنا بها يتكّشف، ولا شيء ينتزع جذورنا من المكان -وجذور المكان منا- مثل تقويض أهميته واللامبالاة به. لا شيء كفقدان العلاقة مع المكان عاطفياً وحسياً يعجل باقتلاع جذورنا الضاربة فيه وتنصّلنا رويدا رويدا منه.

حتى أن مفردة “نوستالجيا” عندما بدأت تُعرّف كحالة مرضية عام 1678 بواسطة الطبيب السويسري جوهانز هوفر كان من أبرز أعراضها “التفكير المستمر بالديار” .

تسكننا الأماكن، نهرب منها بحثا عن أماكن جديدة، ويعيدنا الحنين.. وإن لم نعد سنظل على الأرجح في شوق دائم، نداوم على السؤال عن المكان القديم ليس كما هو متعارف عليه، بل كما يعنينا نحن المرتبطون و المرتبطات به بشكل خاص وفريد..

صوت خارجي..3

أنا لا أعرف العيد ولا الطبخ ولا الأكل إلا في البيت, كل رواتبي كانت تذهب في مشتريات للبيت, يمسح اليوم الجرار الأرض بالكامل, يمسح إسمنتاً ومخلفات حرب وأثاث, يمسح ذكريات طفولتنا وأمننا, يمسح جذورنا والمكان الذي يعرفنا ونعرفه, كل البيوت والشوارع التي نزحنا إليها غريبة.كان إخوتي يعتلون قمماً عالية ليطلوا على وسط المدينة ويروا ما تبقى من بيتنا وشارعنا، حاولت أختي الصغيرة أن تعلمني كيف أطمئن على بيتنا عبر غوغل إرث، لكن غوغل إرث لا يعرف رائحة الشارع ولا صوت الصباح، لا يعرف حفر الطريق المؤدي للمدرسة والكلمات التي كتبت على جدران البيوت وكانت تحاكي قصص حب وغضب وحزن، غوغل إرث لا يعرف كل ما يجعل للبيوت والشوارع معنى بالنسبة لنا، إنه عقيم الذكريات مع المكان.”

السيدة إنصاف- 39 عاماً / خريجة علم نفس

اضطرت لترك بيتها عندما اشتدت المعارك وسط البلاد بدرنة

البحث عن جبل

درنة بعد الحرب. تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

العائلات تتفقد بيوتها وأماكنها بعد انتهاء الحرب في درنة. تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

تصوير فيروز العوكلي.

البحث عن جبل

بيت معروض للبيع بعد دماره في الحرب. تصوير فيروز العوكلي.