fbpx

بطريقة أو بأخرى.. نأكل نفاياتنا

الكورنيش هو أكثر منطقة في بيروت يقف فيها الصيادون بالقرب من نقاط الصرف الصحي، لأن السمك أصبح يقترب بحثًا عن مواد عضويةٍ يأكلها من بين هذه النفايات
ــــــــ حالة أرض
30 يوليو 2022

“البحر ليس كلّه ملوثًا في لبنان”، عبارة أتذكرها من تعليقٍ لمسؤولٍ حول تقرير عن تلوث الساحل الذي “لم يعد آمنًا للسباحة”. وبالطبع فإن ما لا يقوله صراحةً إن معظم الملوث منه هو الشواطئ الشعبية. نُشر ذلك التقرير في 2018، وقتها ذكر المسؤول إن “الوضع حرجٌ جدًا لكنه ليس ميؤوسًا منه، فالبحر يعاني وما لم تتم حمايته سنصل إلى وضعٍ كارثيّ”. 

يقول خبراء إن المصادر الرئيسية لتلوث المياه البكتيري في لبنان هي النفايات العضوية ومياه الصرف الصحي والسائل السام الذي ينتج من النفايات المتحلّلة في المقالب. أما مصادر التلوث الكيميائي فهي المصانع المجاورة للساحل أو تلك التي تقع بالقرب من الأنهار، وفي هذه الأخيرة تُلقى النفايات الصناعية لينتهي معظمها طبعًا إلى البحر، فيبلع الماءُ المالحُ الوسخ لكنه لا يهضمه.

كوستا برافا.. رائحة كريهة لإسمٍ فاخر

تصل الروائح الكريهة المنبعثة من كوستا برافا  إلى مسافاتٍ بعيدة. منذ 2016، تحوّلت إلى منطقةٍ مطوّقةٍ بحاجزٍ حديديٍ وحارسٍ لا يُسمح لأحد بالدخول إلا إن كان لديه ترخيص. هنا ثمة شاطئٌ فيه النفايات والرمل واحدٌ بعد أن أصبح مطمرًا، بانتظار أن يأتي يومٌ ويُردم البحر لصالح أحد المستثمرين الكبار.

مدّت الدولة في هذه المنطقة أنبوبًا للصرف الصحي إلى البحر من دون معالجة للنفايات التي تخرج منه. 

صديقي حسان الرفاعي ليس صحافيًا فقط، بل صيادٌ أيضًا وخبيرٌ في طرق الصيد والبيئة البحرية في لبنان،  يقول إن “مشكلة قسطل (أنبوب) الكوستا برافا أنه يقع في مكان تهبّ فيه الريح الجنوبية الغربية وتأخذ الصرف الصحي إلى شاطئ بيروت، يعلق الصرف الصحي فترة فيه قبل أن يرشح في الأرض. تحمل المياه جزءًا من الصرف إلى منطقة الجيه، كل ذلك ينعكس مباشرة على البحر وحياة الكائنات فيه. مثلًا اختفت بسبب ذلك التوتيا (قنفذ البحر) وأنواعٌ من الأصداف التي قلّت بشكلٍ كبيرٍ في سواحل لبنان”. 

لا علاقة لتعطّل محطات معالجة النفايات والصرف الصحي بالأزمة الاقتصادية وتأثيرها على الكهرباء وتعطّل المولدات. إنها معطلة قبل الأزمة بكثير، “المحطات ما عم تشتغل بسبب الفساد والسرقات، ما دخل الكهربا، مواقع المعالجة مؤسسة من قبل الأزمة ولم تستكتمل أصلًا لكي تعمل، بل قُسمّت على طريقة المحاصصة السياسية المعروفة، وهناك من استفاد منها من دون إكمالها ومن دون تشغيلها”، يضيف حسان.

المراقبون جاؤوا لأكل السمك

مَطلّ بيروت على البحر ليس كبيرًا، وفي أي زاوية قريبة من الماء ستجد صيّادًا. الفرق بين صيد السمك اليوم وفي ما سبق، أن السمك لم يعد موجوداً بشكل مركّز في أماكن معينة لعدة عوامل، أهمها التلوث بالطبع والإعمار الذي أخذ يتوسع من خلال ردم البحر وإنشاء السلاسل. وإلى جانب هجرة السمك الغريب عن بيئة المتوسط البحرية والقادم من مناطق أخرى هناك سمك وصل البحر عبر قناة السويس. 

هذه العوامل مجتمعةً تسببت في نقص الغذاء في البحر وقلّة أعشاب البحر والطحالب، وهناك أنواعٌ من الأسماك تندرُ رؤيتها الآن مثل الزلّاق، واللبّص، والخرقن، والبُحلق، وأصناف من اللقّز.  

الكورنيش هو أكثر منطقة يقف فيها الصيادون بالقرب من نقاط الصرف الصحي، لأن السمك أصبح يقترب بحثًا عن مواد عضويةٍ يأكلها من بين هذه النفايات. 

تناقص أعداد السمك لم يثنِ الصيادين عن ممارسة الصيد كمهنة وكهواية، على العكس، لقد دفعهم إلى استخدام وسائل أكثر عنفًا وضررًا. يخبرني حسان موضحًا “مثل الديناميت والشِباك التي لا تطابق المواصفات المفروضة دوليًا. رأينا الصيادين يلقون شِباكا تجرف كل شيءٍ في طريقها، حتى بيض السمك والسمك الذي فقس للتو، يأخذون من الغلّة  ما يريدون ويرمون الباقي”. 

تفترض التعليمات الرسمية أن يكون هناك مراقبون من وزارة الزراعة للتأكد من أحجام الشباك، على ذلك يعلّق حسان “هؤلاء ليسوا موجودين فعليًا، وإن تواجدوا فهم آتون ليأخذوا أكلة سمك”. الدولة لا تتدخل؛ “الأمور فلتانة، باستعمال الديناميت يقتل الصياد أسماكًا يحتاجها وأسماكًا ليس بحاجةٍ إليها، لا نبالغ لو وصفنا ما يحدث بأنه شكلٌ من الإبادة”.

تقسّم المرافئ في لبنان تقسيمات طائفية، كل طائفة لها مرفأ يتوزع عليها الصيادون من نفس الطائفة. لا أحد يقول ذلك علنًا لكنها أمورٌ معروفةٌ على أرض الواقع. لذلك ليس مستغربًا حين يتوجّه المدافعون عن البيئة للمسؤولين حول الصيد بالديناميت والشباك غير المشروعة والنفايات أن لا يتحرّك أحد، كل واحدٍ يعرف أن هناك من يقوم بهذه الأفعال من طائفته، فيسكت الجميع. 

بالنسبة لحسان، الأسوأ أن الصيادين لا يحترمون مواعيد التزاوج ولا مواعيد دخول السمك إلى الشواطئ لتبيض، بل إنهم ينتظرون هذه المواسم ويترصّدون الأسماك بشباكٍ ضخمةٍ، ويبيعون 200 كيلو مما اصطادوا ويرمون ما بين 600 إلى 700 كيلو. “هذا لا يؤثر فقط على الأسماك بل ينسحب على الحياة البحرية برمّتها، من كم سنة كان هناك فقمة في منطقة راس بيروت، قتلها صيادٌ لأنها تأكل بعض الأسماك من شباكه”. 

في 2015، وُجدت فقمة أخرى ميتة وهي حامل، انتبه الناس إلى كائنٍ ضخمٍ يعوم على سطح الماء في منطقة شاطئ الدالية. سُحبت جثة الفقمة النافقة التي تجاوز طولها المترين والنصف وكان الدم يخرج من عينيها وفمها، واستُخرج جنينها الميت من بطنها ثم حُنّط الاثنان في متحف الحياة البحرية كشاهدٍ جديدٍ على حيوان يصارع الإنسان من أجل بقائه، دون أن ينجح في ذلك. 

 يُطلق على هذا النوع الآيل للانقراض “فقمة الراهب”، ولم يبق منها في العالم اليوم إلا 500 فقمة.

ثلاثة أسرار خلف نفوق الأسماك

ينفق السمك ليس فقط بسبب التلوث، بل إن هناك ثلاثة أنواع من الصيد الجائر تقود إلى هذا الموت الجماعي، وهذا المشهد المحزن للأسماك الطافية ميتةً على وجه الماء مستسلمةً لحركة الموج. 

النوع الأول ما يدرج على تسميته “الصيد باللانيت“، وهو سمٌّ يستخدم لقتل الجرذان والفئران، يخلطه الصيادون مع الخبز ويلقونه على سطح الماء فتخرج الأسماك لتأكله فتموت.

والنوع الثاني صيد السمك بالديناميت الذي يقتل الأسماك الكبيرة والصغيرة وبيض السمك والأسماك التي لا تباع ولا تشترى. والنوع الثالث هو الصيد بـ “شباك الجرجاري” وهي شباكٌ كبيرةٌ ثقيلة الوزن ذات فتحاتٍ صغيرةٍ جدًا لا يمكن لشيء أن ينجو منها. 

تُرمى الجرجاري إلى قاع البحر ويجرّها قاربان من جهتين، وتلتقط كل شيء في طريقها، وتحرك الرواسب في القاع وتقتل كائناتٍ ليست للصيد أصلًا، وتخلط ملوثات المياه بالعوالق التي تنتقل إلى السلسلة الغذائية، وتؤدي إلى تكاثر الطحالب الضارة مما يؤدي إلى نقص الأكسجين ونفوق الكثير من الكائنات البحرية.

لو أجد بقعةً بعيدة عن متناولنا 

كثيرًا ما فكرت في القيادة عبر امتداد الساحل، 225 كيلومتر من الأبيض المتوسط، وأن ألتقط صورًا لكل كيلو، أن أوثقه، وربما أفتش عن شيءٍ ما، عن بقعة لا أثر فيها لعبث البشر والمصانع وقيء المكبّات.

بدلًا من ذلك أذرع كورنيش بيروت حاملًا كاميرتي، وأصادف الصيادين يقفون لساعات بصناراتهم المعلقة في الفراغ مثل مصائر الناس في هذه اللحظة.

لوهلةٍ شعرت أننا والأسماك نسبح في بحر ملوث، نختنق بالماء وتقذفنا الأمواج كيفما اتفق. وخطر لي أن الأسماك تأكل النفايات ثم يلتقطها الصيادون ويبيعونها لنا ونحن نأكلها.. هل هذا يعني أننا بطريقة أو بأخرى نأكل نفاياتنا؟