fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

سكن الجامعة.. هنا نتدرب على حياة قاسية

أجرةُ شهر في السكن تُعادِلُ تكلفة النقل من البقاع إلى بيروت ليوم واحد فقط! لذا تبقى عروض السكن الجامعي مُغرية أمام الواقع المادي الصعب لطلاب “اللبنانية”
ــــــــ البيت
رحيل دندش
10 مايو 2022

تقطع طالبة كلية الطب في الجامعة اللبنانية أكثر من ثمانين كيلو من بيت ذويها في بعلبك إلى أن تصل إلى سكن الطالبات في منطقة الحدث في بيروت لتستعد لبداية أسبوع دراسي جديد. ثمة أسابيع لا تعود فيها أصلًا إلى عائلتها حين يزداد ضغط الدراسة، وكذلك لتوفير المصاريف من بيروت إلى البقاع وبالعكس والتي قد تتجاوز المائتي ألف (سبعة دولارات)، ما يجعل المكوث أقل كلفة عليها وعلى الطلبة القادمين مثلها من شتى المناطق اللبنانية البعيدة عن العاصمة. 

حتى في أيام الشتاء القارس الماضية، ظلت الفتاة، مثل كثيرين غيرها، في السكن رغم خلوه من التدفئة والمياه الساخنة. تقول بينما تطلب مني ألا أذكر اسمها، “كدنا أن نبكي من شدة البرد أنا وزميلتي في الغرفة، هي أيضًا جارتي في بلدتنا في بعلبك”، وتكمل “كنا ندرس تحت الأغطية أما الاستحمام فكان محنة بالفعل”. 

كذلك هو الأمر مع محمود طالب كليّة العلوم، الذي يسعى جاهداً إلى تدبُّر أمرهِ مع واقع السكن، حيثُ الرطوبة تتسلّقُ الجدران لتكملَ طريقها إلى الأبدان في برد الشتاء القارس. أمّا الكهرباء فعلى نُدرتِها إلّا أنها الشيء الوحيد المتبقي بحالتِه السليمة إلى حدٍ ما. فأن تأتي ولو لساعة مدعاة للفرح، رغم تعطل كثير من الأجهزة الكهربائية مثل المايكرويفات والبرادات، ولكنها ترحم الطلبة من اللجوء إلى الشموع للدراسة أو إلى ضوء الموبايل.

على الرغم من أن السكن الذي توفره الجامعة اللبنانية بلا كهرباء، ولا مياه ساخنة، ولا إنترنت، فالحد الأدنى لأيّ مأوى بسيط خارج أسوارها، قد تبلغ كلفته الدنيا مليون ليرة وتصل إلى مليوني ليرة ..

رغم ذلك، يجد محمود واقعه هذا “عرضًا مغريًا” لا تمكن مقاومته! كما يصفه بنفسه: «إقبل بالسكن الجامعي على علاته، إن كنتَ لا تستطيعُ تحمّلَ تكلفة التنقل لاجتياز امتحان في الجامعة». هذا هو الصوتُ الصّاخب للحياة اليومية الذي يسمعهُ ويلمسهُ بيديه، ليسَ صوتاً أثيرياً أبداً فأجرةُ شهر في السكن تُعادِلُ تكلفة النقل من البقاع إلى بيروت ليوم واحد فقط! لذا تبقى عروض السكن الجامعي مُغرية أمام الواقع المادي الصعب لطلاب “اللبنانية”. هذا إن لم نتحدث عن الإجهاد على طريق يمضي فيه نحو ثلاث ساعات ذهاباً ومثلها إياباً في بلد لا تتوافر فيه شبكة مواصلات أو نقل عام آمنة وسريعة.

قصة سكن مجمع الحدث والأزمة

يضمّ السكن الجامعي لمجمع الحدث أربعة مبانٍ للبنات تستوعب 1200 سريرًا واثنان للشباب يستوعبان 800 سرير، غرفٌ كثيرة بجدران تقشر طلائها، في الشتاء تفتقر التدفئة، وفي الصيف بحاجة إلى تكييف. تقتصرُ فيها الحراسة على حارسٍ واحد فقط لكل مبنى، في حين كان يقوم بهذه المهمة سابقاً خمسة حرّاس في شيفتات مختلفة، وكذلك هو أمر التنظيفات التي تنحصر في عاملٍ واحد.

بدأت أزمة السكن تتفاقم بعد أن امتنعت شركة “دنش لافارجيت”، التي وقعت عقد تشغيل وصيانة السكن مع إدارة الجامعة، عن إنجاز مهماتها التي كُلّفت بها. فهي من جهة لم تحصل على مستحقاتها طوال العامين الماضيين. ومن جهة أخرى، فإن كلفة الصيانة وقطع الغيار تدفع بالدولار، وهذا سبب إضافي أجبر الشركة على الامتناع عن التصليح. فيما يتحمّل الطلاب المسجلون في السكن- حيث يعيش حاليًا نحو 250 طالباً وطالبة مقابل ما يقارب الألفين قبل الأزمة- الأحوال حتّى تعلن الجامعة عن عقود المناقصات الجديدة لتأمين شركة تشغيل بالحد الأدنى، وهذه تبدو مُرحَّلة إلى أجَلٍ غيرِ مُسمّى. من جهة أخرى، هناك مصادر أخرى كشفت أن إدارة الجامعة لم تجر المناقصات اللازمة لتوفير مستلزمات جديدة للخدمات الداخلية للسكن أصلًا منذ عشر سنوات.

أنتظر يوم التخرج بشك

 أمام هذا المشهد التّقشّفي يبرزُ التعاون كضرورة مُلحّة، فمن تبقى لديه خدمة صالحة أو خبرة من الطلبة يُشاركُها مع الآخرين. فالمكوث في الظروف القاسية، التي يرزح تحتها المقيمون في السكن التابع للجامعة الحكومية التي توصف بأنها “جامعة الفقراء”، ليس خيارًا حرًا بقدر ما يرتبط بحدود القدرة الماديّة، والحاجة إلى الاستمرار وتخفيف النفقات عن أهلهم، حيث يشدّ طلاب وطالبات السكن الجامعي من أزر بعضهم البعض في ظل ظروف اقتصادية خنقت الجميع. يتركون أبواب غرفهم مفتوحة على بعضها غير آبهين بالخصوصية. المأساة تشرع الأبواب للجميع. فهنا الكل يعاني ولا داعي للمداراة والاختباء، بل إن ترك هذه الأبواب هكذا يمنحهم بعضًا من الألفة والأمان. 

تشرح طالبة الطب”الفوييه صار في الأزمة غرفة واحدة، نتشارك فيها الأحاديث والمواساة وقلق المصير. ندرس قليلاً ونفكر في الاحتمالات البعيدة. الأساتذة قلقون وخائفون ونحن أيضاً. أظن أنني سأتذكر هذه الأيام على أنها أكثر سنوات حياتي اضطراباً وخوفاً. وأنتظر بشك اليوم الذي أحمل فيه شهادتي في الطب”.

 تُشبّه طبيبة المستقبل بحث الطلاب عن سكن آخر، تتوفر فيه وسائل التدفئة والمياه السّاخنة للاستحمام، كالبحث عن قشة الخلاص في واقع يغرق بتفاقم الأزمة الاقتصادية، واستمرار إضرابات أساتذة الجامعة المطالبين بتعديل رواتبهم المنهارة. كل ذلك من شأنه زعزعة إيمان الطلاب بقدرتهم على التعلم وبجدوى كل هذا العناء.

يقول محمود “من لا يبالي بمرضى السرطان ويتركهم يتسولون حقهم في الدواء والحياة هل يبالي بنا؟ أن يفكر مسؤولو هذه البلاد بحال الطلاب اليوم شيئاً نتصوره رفاهية. الناس الذين يعيشون في محيط السكن يفكرون بسعر كيلو البندورة والخيار”، يكمل “هنا نتدرب على حياة قاسية شبيهة بمعسكرات التدريب. كل شيء بارد وقاحل وصعب”.

Previous
Next

سوق العقارات لا يرحم الطلاب

حتى وإن كان السكن الذي توفره “اللبنانية” بلا كهرباء، ولا مياه ساخنة، ولا إنترنت، فالحد الأدنى لأيّ مأوى بسيط خارج أسوارها، قد تبلغ كلفته الدنيا مليون ليرة وتصل إلى مليوني ليرة، وهي أسعار تجعلها الأزمة قابلة للارتفاع يومًا بعد يوم. 

فمن قبل الأزمة، كانت مساكن الطلبة سوقًا رابحًا في قطاع العقارات، ما بين إسكانات خاصة، وبيوت الشباب، والفنادق، والشقق المفروشة التي يصل بعضها إلى فئة الخمس نجوم، وهي جاهزة لتلبية النطاق المتزايد باستمرار من احتياجات ومتطلبات الطلاب. ومع ذلك، كان  مطورو العقارات يشكون من قلة الأرباح في هذه المشاريع، حيث إنها مثقلة بالعوائد المنخفضة والحاجة المستمرة إلى الصيانة. 

يحوّل أصحاب الشقق المفروشة عملية تأجير الأسِرَّة للطلاب إلى استثمار فائق الربح، فلا يقل سعر إيجار السرير الواحد عن 100 دولار، تُضاف إليها مصاريف أخرى، كاشتراك مولّدات الكهرباء والإنترنت والتنظيف وشراء مياه الشرب التي يتقاسم الطلابُ تكاليفها.

يُنفق الطلاب في السكنات خاصة ما يُقارب الـ400 دولاراً شهرياً، فيضطرون إلى الازدحام في شقق تُحشر فيها الأسرّة لتستوعب أكبر عدد ممكن منهم لتقاسم هذه المبالغ الضخمة رغمَ أنّ حالَ الفرش والأغطية غالباً ما تكون بالية وغير مريحة ولائقة للنوم، وهذا حال الخزائن وأدوات المطبخ والحمامات القديمة أيضاً. وحال أغلب المساكن المنتشرة بالقرب من كليات الجامعة اللبنانية. ورغم هذا لا يتسنى للجميع رفاهية اختيار مساكن أخرى.

خفضت الدولة الموازنة المخصصة للجامعة للعام الدراسي الحالي لأقل من نصف الميزانية ، وترك أكثر من مئة أستاذ الجامعة بسبب تدني الأجور، ونفذ من تبقى من الأساتذة اعتصامات متفرقة للحصول على رواتبهم الضئيلة، كما تراجع البحث العلمي، و تفاقم النزاع الطائفي على المناصب الأكاديمية وتقاسم الكليّات..

أما كلفة استئجار استوديو، غرفة صغيرة تضم مطبخاً وحماماً تعدّ أعلى بأضعاف، إذ  يبلغ الحد الأدنى 200 دولاراً في الشهر.  وهذا ما لا يتاح إلا لقلّة قليلة من الطلبة اليوم. لذا يلجأ الكثيرون إلى القبول بـ “خربة” السكن الجامعي وفي بعض الحالات القليلة هناك من يدفعهم اليأس ليتركوا الجامعة! على مقولة “ما هي خربانة خربانة”. يؤكد محمود: “إن بعض الطلاب لا يحضرون إلى الجامعة بسبب واقع السكن الطلابي المزري”. يختصر الطلاب أحوالهم هنا بعبارة مُتداولة بينهم “ما في شي ماشي”.

يقارن محمود بين زمنين، الزمن الماضي الذي يلوحُ بطريقة رومانسية أثناء كلامِه ومقارنتِه بالزمن الرّاهن القاهر والصّعب. يستخدمُ تلك التعابير العفَوية واصفاً الخدمة سابقاً على بساطتها بـ “الخمس نجوم” مقارنةً بالواقع الحالي، في الفوييه: “الوضع اختلف عما كان عليه الحال قبل سنتين، أي قبل الأزمة كان الفوييه جنة، نظافة وترتيب وأمن، اختفت كلّ الخدمات وما بقي منها صوريّاً. عمال النظافة والأمن في إضراب مزمن لأن الدولة لا تدفع لهم المستحقات، كما أن الصيانة وقطع الغيار مسعّرة بالدولار. والعقود لم تُعدّل بما يتناسب مع الوضع المستجد من انهيار العملة علماً أن عقود هذه الشركة تجدد دون أن تتقاضى مستحقاتها، عامل النظافة يتقاضى 700 ألف ليرة شهرياً أي حوالي 33 دولاراً، بالتأكيد لن يعمل فراتبه لا يكفي بدل نقل”.

هل تصمد الجامعة اللبنانية؟

الفوييه ليس كل ما يقلق الطلبة، بل ذلك السؤال الذي يخشون طرحه: هل ستبقى الجامعة اللبنانية موجودة؟ وإن بقيت هل سيصمد السكن؟ يطرق هذا السؤال مخاوف الطلبة والأساتذة على حد سواء، خاصة بعد أن خفضت الدولة الموازنة المخصصة للجامعة للعام الدراسي الحالي لأقل من نصف الميزانية المقررة كل عام، وبعد أن ترك أكثر من مئة أستاذ الجامعة بسبب تدني الأجور، ونفذ من تبقى من الأساتذة اعتصامات متفرقة للحصول على رواتبهم الضئيلة في الأساس، فضلًا عن تراجع البحث العلمي في الجامعة للأسباب المعروفة، والنزاع الطائفي على المناصب الأكاديمية وتقاسم الكليّات، وأزمة تفرغ الأساتذة واعتصامهم. الظروف القاتمة جعلت رئيس الجامعة بسام بدرن يعتمد خطة عاجلة لتحويل الجامعة من مؤسسة تعليمية بالمجان، إلى مؤسسة ربحية، حتى الآن فإن هذه الخطة لا تشمل رسومًا إضافية أو أجورًا زائدة للسكن على الطلّاب، ولكن هل سيظل الوضع هكذا؟ هل يمكن أن تأتي لحظة ما وتفرغ “جامعة الفقراء” من معناها؟

يتحدث رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران قائلًا “لن يُفتح السكن للطلاب الجدد ما لم تؤمن مقومات الحياة الأساسية لعيش الطلاب. حالياً نفتحه أمامهم لمدة ثلاثة أيام لإجراء الامتحانات فقط. أما من يقيم الآن عدد قليل من الطلبة السابقين تتكاثر من قبلهم الشكاوى عن واقع السكن. لا خيارات أمامنا لأن الصيانة بالنهاية تتطلب فريش دولار”. ويتابع “تعهدت الحكومة بحل مسألة السكن الجامعي بصيانة مجمع الحدث ككل والاهتمام بالحراسة والنظافة. وهو ما يستلزم تكلفة تقدر بنحو 18 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات”. نسأله إن كان متفائلًا بتنفيذ الوعد، فيقول “مع الدولة اللبنانية لا أصدق شيئًا قبل أن أراه. فلننتظر”.

أزمة سكن.. أزمة بلد

بات السكن الجامعي الذي أُسّس ليعكسَ التعددية وتوفير مكان لائق بسعر معقول للطلبة من خارج بيروت، يعكس الأزمة اللبنانية ككل. كأنّه ذلك الظلّ الرمادي لحياة كان يأمل شباب الجامعة أن يعيشها، فمعظمهم يبتعد عن عائلته ويعيش مستقلًا لأول مرة. ولطالما كانت إحدى غايات السكن الجامعي خلق حالة من المواطنة التفاعلية فيها المؤسسة الأكاديمية نفسها مع جو من التنوع في الطبقات والطوائف والتحصيل المعرفي، إذ تضم الغرفة الواحدة مجموعة من الطلاب القادمين من مناطق مختلفة، وهذا يؤسس للتآلف الاجتماعي ويردم الهوّة التي يصنعها الجهل بالآخر أو التمسك بالمرويات المنقولة من ذاكرة لبنان المحمّلة بالعنف والطائفية. 

على صفحة لجنة شؤون السكن الجامعي في فيسبوك، علّقت الطالبة نهاد علي تحت منشور اللجنة حول تعطل الإنترنت وغلاء أسعار الكافتيريا وانعدام تجهيز لغرف وعدم وجود ممر شتوي ومنعهم من استعمال مواقف السيارات: بالقول إن كل هذا ليس مهمًاشو بالنسبة للتدفئة؟ حسسونا لمرة واحدة إنو نحن طلاب مش سجناء، ربما نقلت الطالبة شعورًا أعمق من رد الفعل على سوء خدمات الفوييه، بل ربما نطقت بشعور فئات مختلفة في لبنان اليوم ينتابها العجز تجاه مصيرها، في بلد محاصر بواقع الأزمة التي طالت كل شيء، ومحكوم من  أنفسهم الذين صنعوا تلك الأزمة في الأساس.