fbpx
تصميم: ناجي العبادي

شوّاحة..وجه من هامش الهامش

كان على مغني المهرجانات أن يكون بهذه المباشرة وبهذه الوقاحة.. وكأنه حبل مطاطي شُدّ إلى أقصى الهامش حتى ارتدّ ملسوعًا في وجه المركز
ــــــــ رُبع صوت
تامر فتحي
29 أكتوبر 2021

في عالم المهرجانات الواسع يحتل شوّاحة أبو كمال مكانة ليست بالقليلة بصوته الأجش، وهيئته الباذخة بكاب رأسه وشعره الطويل وسلسلة العنق المُدهبة الكبيرة التي تحمل اسمه، مع احولال عينيه ونظرتهما العدائية، وكلماته الوقحة. هيئة ترسّخ للمضامين السلبية المتعارف عليها حول البلطجة ومسجلي الخطر والمشبوهين

يغني شوّاحة، فتستشعر وطأة الصوت الخشن النابع من قاع طبقة الباص الذكورية العريضة على أذنك وأطرافك العصبية، ومع عدائية الكلمات المغناة، تحسّ بأن هذا ليس غناءً بل سبابًا محضًا يستفز حواسك، ومع موسيقى التكنو الصارخة، تجد جسدك يهتز ليس رقصًا كما يظنّ البعض بل عراكًا مع خصم وهمي تكيل له اللكمات والضربات وقد يتطور الأمر أحيانًا إلى الإمساك بالسكين وطعن الهواء، تمامًا كما يبدو في رقص المهرجانات.

لا يقف شوّاحة في نفس المنطقة التي يوجد فيها حمو بيكا وشاكوش الآن، البسكوتاية المقرمشةولا تأوهات السندال الحزين أصحابي أخصامي، المنطقة المرضي عنها إلى حد ما اجتماعيًا، بل في المنطقة المحرمة التي بُتِرت من متن المهرجانات لكي تظهر ويُعترف بها كنوع من الفنون في سياق طبقي مركزي أعلى وأعمّ من سياقها الهامشي

تمامًا مثلما حدث مع مهرجان بنت الجيران، الذي اشترط نقيب الموسيقيين على مطربَيه حذف جملته التي اعتبرها مُسفّة أشرب خمور وحشيشحتى يتسنّى لعمر كمال وشاكوش المشاركة في حفل رسمي ترعاه الدولة. ورغم أن هناك رجال يشربون الخمر والحشيش ويتمتعون بمكانتهم الاجتماعية وباعتراف الآخرين، إلا أن التصريح المباشر بكلمات مثل خمور وحشيش وخاصة في دوائر عامة وواسعة يُعدّ لدى المركزية الطبقية وقاحة.

لو قيل مثل هذا الكلام في سياق آخر أقل اتساعًا، في الشارع، على المقهى، في أماكن عمل العمالة الفقيرة، وحتى بين الأصدقاء المقربين، قد لا يُعتبر وقاحة أو سفالة

لا يقتصر وقوف شواحة في هذه المنطقة، التي خرجت منها المهرجانات بكل عنفها اللفظي وخرج منها بيكا وعلي قدورة ونور التوت أيام مهرجان اِصحى ياللي أمك صاحبتي خالتك كمان كانت فردتي واختك بترقص على مطوتي، الذي حذفه بيكا من قناته على يوتوب، بل يتجاوزها أحيانًا لممارسة عنف لفظي مباشر بغرض الإهانة والتهديد واستعراض الذات وكسر التابوه. “كسمين أم أم أمك يا بضين، إنت جلانف في أي حكايةكما يقول في مهرجان البت الجسم الاستيك“.

كلام ينتهك قواعد السلوك اللائق السائدة في السياق الاجتماعي المتعارف عليه، ويصيب وجه المستمع إصابة بالغة، ويرقى إلى جرائم السب والقذف ويُعتبر سفالة/قلة أدب/ وقاحة. 

لكن أليست المهرجانات بموضوعاتها من المحرمات التي لا تتناسب والطبيعة اللائقة لمحتوى الانتاج الثقافي، وليدة الهامش الذي تلفظه المركزية الطبقية المراعية للأعراف الدينية والاجتماعية، إذن كيف نطبّق عليها المعايير اللائقة؟ بل كيف يمكن الحكم على الوقاحة نفسها إذا كانت هي في حد ذاتها متغيرة وتختلف من سياق لسياق؟

فلو قيل مثل هذا الكلام في سياق آخر أقل اتساعًا ومركزية، في الشارع، على المقهى، في أماكن عمل العمالة الفقيرة، ورش ومصانع تحت السلم مثلًا، أو حتى بين الأصدقاء المقربين، قد لا يُعتبر وقاحة أو سفالة، فليس الكلام هو المشكلة بل الظروف والسياقات التي تُحدّد ما هو مهذب وما هو وقح.

شوّاحة..وجه من هامش الهامش
  • Facebook
  • Twitter

تصميم: ناجي العبادي

المهذّب والوقح

يرى كل من بينيلوبي براون وستيفن ليفنسون، أن التواصل بين الناس مسعى خطير وعدائي من الأساس، وقد يهدد وجه المستمع، صباح الخيرمن شخص غريب في الشارع مربكة، بل قد يكون الحوار بين أفراد العائلة فعلًا عدائيًا، لذا اعتبرا التهذّب إجراءً تعويضيًا ملطّفًا للآثار التخريبية التي قد تنجم عن الأفعال التي تهدّد الوجه في أثناء الكلام

يكتبان، “يتعاون الناس عامةً على المحافظة على وجوههم عند التفاعل، تعاون قائم على القابلية المشتركة لتعرّض وجوههم للإصابة. وذلك لأن العادة أن وجه كل واحد يعتمد على صيانة وجه الآخر، بما أن المتوقع من الناس أن يدافعوا عن وجوههم إن هُدِّدت، وأنهم عند دفاعهم يهددون وجوه الآخرين“.

الوجه بالنسبة لهما، كما بالنسبة لـ إيرفينج جوفمان، هو صورة للذات محدّدة وفقًا للمعايير الاجتماعية المتفق عليها“. ولكل وجه احتياجات سلبية وإيجابية. سلبية كأن لا يُجبر أو يُفرض عليه شيء وأن يتمتع بحرية التصرف دون عائق وألا يكون مشغول البال. وإيجابية كأن يكون محبوبًا ومصدَّقًا ومعترفًا به.

يستخدم شوّاحة عدة استراتيجيات لإلحاق الضرر بالوجه السلبي للآخر “المستمع إليه” من خلال تهديده وإثارة خوفه والاستخفاف به ومخاطبته بالتأنيث وهو المفترض ذكر 

جعلهما هذا أن يفترضا نظرية للتهذّب وهي أننا عندما نكون مهذبين نمارس استراتيجيات تستهدف إما مراعاةالوجه السلبي، أي نعطي للآخر مساحته ونقول حضرتكلو سمحت، يا فندم، ممكن بعد إذنك، وهذا هو التهذّب السلبي، أو مراعاةالوجه الإيجابي، أي نبين للآخر كم هو محبوب: “حبيب قلبي، يا برنس، من عينياوهذا هو التهذّب الإيجابي فضلًا عن استراتيجيتين أخرتين: “صريح عند التسجيل” –ويمكن أن نطلق عليها على بلاطة، وهي الأكثر مباشرة وأقل تهذّبًا كطلب صريح كسؤال مباشر بتحبني؟، بتقبض كام؟، واستراتيجية خارج التسجيلوهي استراتيجية غير مباشرة وفيها مواراة، ويمكن أن نقول على المدّاري“. 

وبناءً على هذا التصور، افترض جوناثان كولبيبر أنه بما أن التهذّب هو مراعاةالوجه فإن الوقاحة هي مهاجمةالوجه وعدم مراعاة احتياجاته، سلبية وإيجابية، وأنها في سبيل ذلك تستخدم نفس استراتيجيات التهذّب.

الوقاحة السلبية

في مهرجانه الأكثر مشاهدة على اليوتيوب يقول شوّاحة

“أنا عايزك تحفظ شكلي / إنت الَاه مش قدّ مشاكلي / أحسنلِك روحي يا حلوة يا بيضة على جيهتك (منطقتك) لهتتاكلي / هتجيبوا سكاكين مش نافع / ارجعوا روحوا هاتوا مدافع / أنا خمسة شوية عليّا / وهفضل فيكم بإيدي رافع.” 

في هذا المقطع يستخدم شوّاحة عدة استراتيجيات لإلحاق الضرر بالوجه السلبي للآخر المستمع إليهمن خلال تهديده وإثارة خوفه وغرس الاعتقاد بأن فعلًا ضارًا سيلحق به، أنا عايزك تحفظ شكلي، وازدرائه ومخاطبته بـ الاه” –أي ولد وتُستخدم للتحقير في اللهجة المصرية السكندرية، الاستخفاف به ومخاطبته بالتأنيث وهو المفترض ذكر  أحسنلِك روحي يا حلوة يا بيضة على جيهتك لهتتاكلي، ويؤكد قوته وبأسه هتجيبوا سكاكين مش نافع/ ارجعوا روحوا هاتوا مدافع، ثم يستخدم ضمير المفرد المتكلم أناأمام غيره لتأكيد ذاته القوية القاهرة أنا خمسة شوية عليّا/ وهفضل فيكم بإيدي رافع“.

يميل شوّاحة وغيره من مؤدي المهرجانات إلى ممارسة استراتيجيات الوقاحة السلبية، لإلحاق الضرر بالوجه السلبي للآخر، أكثر من غيرها. الوجه السلبي هو الوجه المبطن أو بمعنى آخر مشاعرنا المخفية، الهواجس والمخاوف.

أن تكون وقحًا على مستوى الوجه السلبي هو أن تلعب على نفسية الآخر، تهدده تزدريه تحتقره لا تتعامل معه بجدية، تستخف به، تتعدى على مساحته الشخصية، تربط بينه وبين كل شيء سلبي، تستخدم معه الضمائر أناوأنت، تبيّنه مدينًا لك، أو قد تقطع حديثه وتمنعه من الكلام.

أزمة الذكورة المهمشة

في إحدى مهرجاناته، يهدد شوّاحة المستمع بأنه لو اتثورجفله سوء العاقبة: “تتثورج حزعل منك أنا مجنون ممكن أرنك/ صوتك يعلى ورب النعمة..تتكسّر جوا في جهتك“. يتكرر هذا التهديد في العديد من المهرجانات الأخرى: “تتثورج يالاه تتلف بشاش، اللي يثورج يتكتف هنا يا زميلي في أوسخ حبل، مش شايفك، ثورج هعمل مش عارفك بس هفاجئك، كلها عمّالة تتثورج قولت الحفلة دي صباحي أول ما سحبت حزامي بقوا يتنططوا قدامي“.

تحمل لفظة تتثورج المستحدثة في اللهجة المصرية حيث صُكّت بعد ثورة يناير معنى سلبيًا؛ ويبدو هذا غريبًا في سياق المهرجانات التي أخرجتها الثورة من الهامش إلى المتن، ويرجع ذلك لأنها اشتُقت من كلمة ثورجي، وكما هو معروف فإن دخول المقطع الأخير جيمع أي اسم فإنه يعطي دلالة صاحب المهنة، كالعربجي، المكواجي، الجورنالجي، لكنه يوحي أيضا بتدني مستوى المهنة وضآلة الوضع الاجتماعي لصاحبها وسعيه للمنفعة المادية، وهو ما يجعل الفعل يتثورجيحمل معنى إحداث الشغب من أجل النفع المادي، ويدلّل على أنه فعل ليس أصيلًا كما في كلمات يثور، ثوّار أو ثورة.

وقاحة المهرجانات اللفظية العنيفة ما هي إلا انعكاس لممارسات الإذلال والحطِّ من الشأن التي يقوم بها النظام الاجتماعي تجاه  صانعي المهرجانات وجمهورهم 

ورغم أن بطل المهرجان ومؤديه يسحب من الآخر حقه في أن يثور ويصف فعله بـالثورجةليفرغه من أصالة الفعل، نراه يعطي لنفسه الحق في أن يثور بشكل دائم كما يقول حسن شاكوش في مهرجان هاتلى فوديكا وجيفاز“: “عيشة مرة جوه بره/ كلو على بعض بيتكالب/ روح في ثورة مستمرة/ محترم مع خلق سالك، أو أحمد موزة في مهرجان شنطة يوروحين يقول أعضائي بقيت تتثورج لما خلاص منكم جضيت (زهقت)”، أو في مهرجان آخر والأشباح هنا تتثورج/ جوه في شارع بور سعيد“.

دائما ما تمارس الذكورة المهمشة هيمنتها على من يشاركونها نفس الصفات رجالًا كانوا أو نساءً بكل تعسُّف وتحكُّم، باعتبارها سلطة ليست محل نقاش، تمتاز بالتهور والعنف والتفوق البدني والانفصال العاطفي، لكنها في ذات الوقت تدرك أن حدود هذه الهيمنة هو الهامش الذي توجد فيه، ولو خرجت منه صارت مهددة وأضعف ما تكون أمام المركزية الطبقية والسلطة ممثلة في الشرطة.

هذا التناقض يكشف هشاشة الذكورة المهمَّشة التي تنكر وضعها الفعلي وتدّعي صفات خارقة يستحيل أن توجد، وتمارس عنفًا لفظيًا وجسديًا على من يشاركونها نفس الظروف، وتسكت أمام انتهاك السلطة لها، كما أنه يبيّن كيف أن وقاحة المهرجانات اللفظية العنيفة التي تُعدّ انتهاكًا لقواعد السلوك اللائق ما هي إلا انعكاس لممارسات الإذلال والحطِّ من الشأن والإهمال والإساءة التي يقوم بها النظام الاجتماعي على نحو ممنهج تجاه هؤلاء الأفراد، من صانعي المهرجانات وجمهورهم الذين هم في العادة من أحياء الطبقة العاملة الفقيرة الموجودة على أطراف القاهرة والإسكندرية، ونوع من التنفيس عن الإحباط من وضعهم المهمش.

شوّاحة..وجه من هامش الهامش
  • Facebook
  • Twitter

تصميم: ناجي العبادي

صريح عند التسجيل

في مهرجان يا أمّ أحمد لمي بناتكيقول شوّاحة: “الظابط أبو نجمة كبس على الإمة (ناصية الشارع) سألني أنا واقف ليه؟/ قولتله لا مفيش/ مش لاقي حشيش على الدوغري سعادة البيه/ قالي أنا هحترمك لاجل جراءتك بص أنا هعمل إيه/ كتّفني وراح كلبشني وعمل وشي حلبة كاراتيه“.

يكسر هنا شواحة اللغة المعتادة في الحديث مع ممثل السلطة الظابط أبو نجمةبتصريحه المباشر بحاجته للحشيش، فهو يتحدى سلطته المركزية وبالتالي يضرّ بوجهه رغم محاولة تلطيف ذلك بقوله: “على الدوغري سعادة البيه، وهو ما يمثل عبئًا على الظابط أبو نجمةيستوجب منه الرد كتّفني وراح كلبشني وعمل وشي حلبة كاراتيه

ورغم أن العنف الجسدي لا يستوي والعنف اللفظي، إلا أن شوّاحة لا يجد في ذلك مشكلةيا حكومة ضربكم مش عيب، كما يقول في باقي المهرجان، وكأن السلطة المركزية هي المخولة لانتهاك الهامش، أمّا من يشاركونه حيز الهامش فيمارس عليهم عنفًا تامًا أنا خصمي عليه ما هسمي” (أي لن تأخذني به رحمة) خاصة وإن تجاوز حدوده.

يقول في مهرجانه شوّاحة والموزة“: 

ودي موزة وعينها عليا / قطراني بنت الجنية / مش عايزة تحل تسبني / ولا في الرايحة ولا الجاية / بتقوللي استنى حقولك / عجباني يا شواحة رجولتك / تعرف من يوم ما عرفتك / وفي قلبي اتحفرت صورتك / خدتها ورايا علي الماكنة (الموتوسكيل) / و معايا مفاتيح الموكنه (مكانه الخاص) / و قالت مش عايزين دكنه (ضيق مكان وظلمة) / تعالالي بليل علي بيتنا / و في نص الليل روحتلها / اتسحبت طلعتلها / و عملت واحد ع الرايق / واخوها جالنا علي صريخها / وقالت لأخوها ده حرامي / روح هاته بسرعة يا سامي / سامي جري على تحت / أنا قمت طلعت / وعملت الواحد التاني.

يصرّح شوّاحة بتفاصيل مغامراته الغرامية بدرجة تكسر التابوه وتهدر ماء وجه من يستمع، حيث يعدّ التصريح بهذه الأمور تفصيلًا وعلى الملأ انتهاك تام ومباشر لوجوه الحاضرين والمستمعين وللمعايير الاجتماعية السائدة

وفي مهرجان مات المفترييتحدث عن خصم حاول مهاجمته لكنه لما واجه شواحة أصبح زرّاط وطلع غلبان أوي هلفوت وجلانف ومنطوي إنت يا حتّه (ضئيل)”

كغيره من مؤديّ المهرجانات، يتّبع شوّاحة نفس الاستراتيجيات السائدة ويسعى لنفس ما يسعون إليه وهو إلحاق الضرر بوجه المستمع إليه، لكن ما يميز شواحة هو استخدامه لاستراتيجية صريح عند التسجيل“/ “على بلاطةالتي يتم فيها فعل الإضرار بالوجه بطريقة مباشرة وواضحة لا لبس فيها وموجزة في ظروف يكون فيها الوجه هو المقصود، بحسب كلبيبر.

هامش الهامش 

فلماذا يمارس شوّاحة مثل هذه الاستراتيجية أكثر من غيره، ويتعمد خدش الوجه وإهدار مائه على نحو مباشر لا لَبس فيه؟ هل لأنه وقح، غير مهذب، خارج عن الأعراف الاجتماعية؟ لمحاولة فهم ذلك، فلنتأمل أولًا من هو شوّاحة وموقعه في الفضاء الاجتماعي الذي يعيش فيه.

هو محمد كمال السيد كمال الدين، من مواليد الإسكندرية، نشأ في منطقة العصافرة، شرق الإسكندرية، حيث يقطع شريط سكة قطار أبو قير الحديدية الطبقة الوسطى هناك إلى نصفين: وسطى عليا/ بحري السكة، ووسطى دنيا/ قبلي السكة حيث يبدأ الهامش بعد أقل من مئة متر جنوبًا عند المناطق المكتظة والعشوائية، عند نهاية خط الكرتات القديمة التي كانت تجرها الأحصنة وحلّ محلها التكاتك الآن، عند أسواق الخضار الشعبية، وفي دهاليز شوارع أبو خروفوالصفا والمروةحيث تجارة الكلاب والمخدرات وكافة الممنوعات

قبلي السكة هنا هو هامش بحري السكة، لكنه في حد ذاته ليس كله هامشًا، بل هو فضاء اجتماعي له مركز وله هامشومركز الهامش هو صورة باهتة من المركز العام، يحكمه هو الآخر نظام أبوي وأعراف دينية واجتماعية وتعريف لما هو لائق

في تحقيق صحفي كنتُ قد أجريته في منطقة قبلي السكة، أخبرني المصدر عن الاحتقار الذي يتعرّض له متعاطو البودرة وتجارها هناك، وقد يتشاجر تاجر البرشام مع تاجر البودرة، وقد يقول له في أثناء المشاجرة لبيان أفضليته: “أنا تاجر تامول مش بودرة، وقد يقف تاجر الحشيش مع تاجر البرشام ضد تاجر البودرة.

ففي الوقت الذي ينتشر فيه تعاطي البرشام في قبلي السكة، تجد أن متعاطي البودرة لا يفصح عن هويته هناك حيث أن أضرار البودرة جعلت منها مخدرًا سيئ السمعة، يجعل من صاحبها ميكسبش” [أي يصبح عاطلًا عن العمل]، كما يصبح مصدرًا خطرًا على من حوله لأن متعاطي البودرة يغوي غيره لأنه يفضّل التعاطي في مجموعات، بحسب ما قاله المصدر

مع بزوغه في سماء المهرجانات، وعى شوّاحة أن اسمه واحولال عينيه وجهله وصوته الأجش ووقاحته وعنفه اللفظي سلعة فنية عليه استثمارها جيدًا في الفضاء الرقمي.

مثل هذه المعايير تصنع هامش الهامش أقصى الهامش، وتمنع مَن هم فيه من وضع أنفسهم في مجتمع أكبر يتمتع بالإمكانات البشرية وبالأمن، فهم غالبًا محتقرون ومتنمَّرٌ بهم ومعرّضون للاعتداء اللفظي والجسدي أحيانًا، ما يقلل من احترام الذات لديهم والشعور بالمسؤولية الاجتماعية، بحسب دراسة عن المتحولين جنسيًا في بنجلاديش.

في هامش قبلي السكة تربّى شوّاحة، الذي حمل هذه اللقب في منطقته لاحولال عينيه، وكانت قد تعلقت نفسه بحب الأفراح والرقص لدرجة أنه عمل نبطشيفي الأفراح، يهلل للمطربين والراقصات ويجمع النقوط، ليست أفضل المهن في الهامش وخاصة فيما يخص العمل مع الراقصات العوالموفكرة التكسب من عرق النسوانواعتبار أموالهم حرامًا لاعتبارات دينية. 

كما إن جمع “النقوط” كمهنة في مجال الأفراح والترفيه ليست أساسية كالمطرب والراقصة، بل هامشية وطفيلية، قائمة على التمهيد وتقديم الفقرات ومخاطبة الجمهور، صوت لا جمهور له، أجشعريض مقارنة بصوت المطرب الشعبي الطرب، دور زائد يمكن الاستغناء عنه، وظيفته ملئ الفراغ بين الفقرات.

ربما أمام هذا الإقصاء المزدوج، إقصاء المركز للهامش، وإقصاء الهامش لهامش آخر، وأمام ممارسات عامة في فضائه الاجتماعي تقلّل من احترام الذات لديه، كان على شواحة أن يكون بهذه المباشرة وبهذه الوقاحة لانقاذ ذاته من هذا المحو الممنهج. وكأنه حبل مطاطي شُدّ إلى أقصى الهامش حتى ارتدّ ملسوعًا في وجه المركز

ربما يفسر ذلك سرّ طلبه أنا عايزك تحفظ شكلي” – أي وجهي الذي هو ذاتي ، وسبب ذكره المتكرر لاسمه في مهرجاناته حكاية مع شوّاحة 1، 2، شواحة والمزّة، وتصدير نفسه على أنه محبوب ومرغوب فيه مفيش مره ما بتحبنيش، وإن كنتم مش عارفيني على جوجل اكتبوا اسمي“.

شوّاحة..وجه من هامش الهامش
  • Facebook
  • Twitter

تصميم: ناجي العبادي

لو بتقولي كلمة حلوة

بالطبع لا يمثل شوّاحة الشر المطلق، فهناك وجه إصلاحي ينصاع إلى المعايير الاجتماعية السائدة أفكني حكايات/ أفكني جلبات/ بمشاكل تاني مش طالبة/ وهعيشها أنا زي الخلق و يمكن أقل حبة، وأحيانًا نقدي يقول في مهرجان قوانين الحرب“:

دي ماشيه كوسة بإيد كلاب / غلبان ومنكو سفّ تراب / بيدفعو العوض ع اللي مات / خلو الحساب يوم الحساب / في الآخر هما يتصالحو عادي والشهيد حقه يتساب / فين يا قانون حق اللي مات؟ لا فيه حساب ولا فيه عتاب.”

ومع بزوغه في سماء المهرجانات، وعى شوّاحة أن اسمه واحولال عينيه وجهله وصوته الأجش ووقاحته وعنفه اللفظي سلعة فنية عليه استثمارها جيدًا في الفضاء الرقمي. في صفحته على الفيس بوك وفيديوهاته التي يشاركها مع جمهوره يبدو ذلك واضحًا.

كما أنه صرّح في حوار مع موقع الفجر أن طبيبة عرضت عليه علاج احولال عينيه بعملية بسيطة لكنه رفض رغم أنه عملها لابنه الذي ورث منه هذا الأمر، لأن الناس حبّاني كده، وشغلي كده“. 

وقال أيضًا إنه في تسجيل مهرجاناته يحاول أن يحدّ من الألفاظ الخارجة الصريحة لكن الجمهور هو الذي يطلبها الشارع عايز كده، عايز محتوى فيه الكلام ده.” ومع تزايد أعداد المشاهدات والمتابعين على وسائل التواصل ومن كافة الدول العربية، يصبح ما يفعله شوّاحة مشروعًا ومنطقيًا بمعايير الواقع الافتراضي

يقول شوّاحة في حواره أيضًا: “أنا ممكن أرد عليك لو بتقولي كلمة حلوة، بس وإنت بتقولي كلمة وحشة أنا ممكن ماشوفكش“.