fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

أغاني مهرّبين.. من ليبيا إلى تونس وبالعكس

عن أغانٍ تمجد سيارات التويوتا وترثي مهرّبين بلعتهم الرمال وقصفتهم الطائرات المروحية بين تونس وليبيا
ــــــــ رُبع صوت
31 يناير 2022

ولدتُ، في تطاوين، جنوبي تونس، على السفح الشّرقي لـ”الجبل الأبيض” وهو الجزء الأوسط من القوس الجبلي الطويل الذي يمتد من مطماطة التونسية إلى غريان الليبية، ويفصل الصحراء الكبرى عن البحر المتوسّط، وعشت هناك ثلاثة عقودٍ كاملة.

ذلك السهل الذي يمتد شرق الجبل حتى ساحل المتوسّط يسمّيه الجُغرافيون “الجفارة”. سهلٌ تقسمه الحدود التونسيّة الليبية إلى نصفين، جزء تونسي تسكنه قبيلة “ورغمّة” التونسيّة الكبيرة وجزء ليبي تسكنه القبائل “الطرابلسيّة”. أمّا الجزء الغربي الممتد وراء القوس الجبلي فيسمّى “الظاهر” وهو عرق صحراوي يفتح مباشرة إلى الصحراء الإفريقية الكُبرى.

اعتُبِر سهل الجفارة منطقة تخومية بين تونس وليبيا، حين رُسمت الحدود بين البلدين عام 1911 بين الاستعمارين الفرنسي والإيطالي الواصل لتوّه إلى ليبيا. كانت المجالات القبليّة هي المحدّدة لنقاط الحد الفاصل بين البلدين. تلك الحدود الرّسميّة لا ترتسم كثيرًا في أذهان سكّان طرفي الجفارة، فالاقتصاد هنا يقوم على عنصرين يضيقان بالحدود: الرّعي والتهريب.

عبر الحدود

عشتُ في تلك التخوم ثلاثة عقودٍ كاملة، أعرفُ المجال بتفاصيله، وأعرفُ قصصه وثقافته ولهجاته وقبائله وأنماط عيشه وفنونه، وتمتلئ أذني بكل الأغاني التي تعبرُ الحدود من ليبيا وغرب مصر وسيناء والخليج نحو جنوب تونس. هناك حيث تلقفها بيئة شبيهة ومطابقة تمامًا لتلك التي أنتجتها. أغانٍ عن البادية والفروسية والحُبّ والمرأة والتهريب والوطن والصحراء والبارود والنّجع والإبل والخيمة.

في بداية التسعينات ومع أكياس البرتقال التي كانت تأتينا مهرّبة من ليبيا كانت تأتي كذلك أغاني “الصديق بوعبعاب” و”عوض المالكي”. لازلتُ أذكرُ طعم ذلك البرتقال بقشرته الشبيهة بالبلاستيك ورائحته الباهتة، وكيسه الذي يتحوّل في النّهاية إلى قطعةٍ خشنة ومؤلمة تحكّ بها أمهاتنا ظهورنا في الاستحمام القسري عشيّة كلّ أحد، قبل العودة إلى أسبوع مدرسي جديد، صبيحة غدٍ الاثنين. 

كانت أغاني بوعبعاب وعوض المالكي (بُلبل الصّحراء) تنبعثُ بشكلٍ واسعٍ من أشرطة الكاسيت في محلاّت مدن تطاوين وبنقردان الحدوديتين مع ليبيا، وتصدحُ في مسجّلات السيّارات والمنازل. ثمّ بدأت أغانيه في الانحسار منذ منتصف ذلك العقد، خاصةً مع اقتحام الأغاني الشّعبية التونسيّة للسّوق والإعلام، نتيجة رفع الحظر عنها بعد سنواتٍ من صعود الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى سدّة الحكم.

كانت الأغاني الشّعبية تحت حكم الرئيس الحبيب بورقيبة وخاصة “فن المزود” ممنوعة من التداول في الإعلام أو في المهرجانات الرّسمية، لكن عرض “النّوبة” الشّهير كان نقطةً مفصليّة ونقطة تحوّل كُبرى في تاريخ الفن التونسي، وصَالحَ نهائيًا بين الفنون الشّعبية والفضاءين العام والرّسمي.

اختفى بوعبعاب نهائيًا، مع بداية الألفينات. فقد كان يصطدم مع معضلة أخرى “أخلاقيّة” غذّتها موجة الصّعود الكبير لتيّار تأثيمي توسّع عبر الفضائيات الخليجية الدّينية التي انتشرت عبر اللاقطات الهوائيّة وكاسيتات الشيخ كشك خاصة، التي كنّا نُتداولها سرًا في تونس بمحتواها التشنيعي على الثقافة والفنّ والغناء. فأغاني بوعبعاب، بالذّات، وخاصةً الأكثر شهرة وانتشارًا مثل “تعال خبّر يا بوعبعاب” و“فتحيّة” كانت ذات محتوى “ايروتيكي” صريح لم تعد تهضمه موجة “الحشمة” الصاعدة. ووحده جمهور عالم التهريب ظلّ وفيًا لأغاني بوعبعاب. 

بعد ذلك انتشرت، في الجنوب التونسي، أغاني المرسكاوي الليبي، كانت بدورها تأتي عبر الحدود، ويساعدها في الانتشار توسّع رقعة الانترنت والهواتف الجوّالة ومنصات التواصل الاجتماعي. تنتشر الأغاني الليبية في الأعراس والحفلات والمناسبات الاحتفالية. تخرج تلك الأغاني في إحدى “دورات حياتها”، بدايةً من الكابريهات وأماكن السّهر في المدن السّاحليّة والتي يرتادها الليبيون وأبناء الجنوب التونسي، وبالخصوص من لهم علاقة بعالم التهريب.

أغاني مهرّبين.. من ليبيا إلى تونس وبالعكس

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

بين الصحراء وملاهي الساحل

يأتي الليبيون بكثافة إلى تونس للسهر، فأماكن السّهر والشّرب ممنوعةٌ منذ عقود في البلاد، منذ زمن العقيد معمّر القذّافي واستمرت بعد “ثورة 17 فبراير” وربّما بحدّة أكثر. لذلك تعتبر تونس من الوجهات السياحيّة المحبّبة لليبيين. لقربها ولوجود تلك الأماكن التي يبحث عنها الشباب خاصة.

ولأنهم زبائن ميسورين، تكون تلك الأماكن مطالبةً بتوفير ما يشبع ذائقتهم الفنيّة، فيحفظ فنّانو الكباريهات والملاهي الليلية والمقاهي السياحيّة في تونس، أغاني الفن الليبي لتلبية طلبات زبائنهم الأسخياء. ومن هناك تخرج تلك الأغاني لتنتشر بالتوازي مع الأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، لتتلقفها فضاءات الجنوب الشرقي التونسي، القريبة في كل شيء (الجغرافيا واللهجة والعادات) من الثقافة الليبية. 

يرتاد المستفيدون من عالم التهريب في تونس، وبالخصوص أبناء الجنوب الشرقي، تلك الأماكن أيضًا، بفضل فائض الثّروة التي يراكمونها من “تجارة الحدود” بعوائدها الكبيرة جدًا، والتي لا ينجح كثيرون منهم في تدويرها داخل الاقتصاد الرّسمي والنّظامي.

ففي كلّ مكان ترتاده للسّهر في “قمرت” الضاحية الفاخرة للعاصمة أو “الحمّامات” المنطقة السياحية الأشهر في تونس أو “سوسة” في وسط البلاد، وخاصة في “جربة” الجزيرة الجميلة في الجنوب الشرقي، لابدّ أن ترى مهرّبين تونسيين وشبابًا ليبيين (خاصة من غرب ليبيا والمناطق الحدودية مع تونس) وهم يتبادلون التحايا بـ”الرّشق” (رمي الأوراق المالية على الفنانين والراقصات). وفي تلك الأماكن يحدثُ تماس أوّل بين الفن وبيئته الحاضنة الجديدة.

من المقاهي السياحية في جزيرة جربة، خرج الفنّان الكيلاني طليق. ليصبح في السنوات الأخيرة النّجم الأوّل -وبدون منافس- في الجنوب الشرقي، وبدأ يزحف بنجوميته نحو الشّمال كذلك، وتستضيفه كبرى المنوعات الثقافية في البلاد. نجح الكيلاني طليق في الاستثمار في الفن الليبي، وفَهِم تلك التقاطعات الثقافية التي تجمع ليبيا مع الجنوب التونسي.

أعاد الكيلاني توزيع عددٍ من الأغاني وأتقن أداء أخرى وأنتج أغانٍ كثيرة تلائم البيئتين. تحوّل الكيلاني طليق إلى ظاهرة حقيقيّة، يغنّي في الأعراس والمهرجانات الثقافية وحتى في الجامعات. الكيلاني طليق هو أحد الفنّانين الذي أتقاسم حبّهم مع أبناء الجنوب، على جهتي الحدود.

من الكاسيت إلى تيك توك

لا تلقف بيئة الجنوب الشرقي التونسي الأغاني الليبية وحدها، بل تلقف تلك الأغاني القادمة أيضًا من الصحراء الغربية المصريّة وصحراء سيناء وصولاً إلى غزة عبر رفح، لكن ليبيا هي دومًا قنطرة العبور، على طول الخط الذي ترسمه دائرة العرض 30°. أحد أشهر الفنّانين الذين يحبّهم جمهور التهريب في الجنوب التونسي هو الفنّان “رمضان بومطرف” فنّان من الحدود المصريّة الليبية، فضاء مشابهٌ لسهل الجفارة حيث أعيش. مجال قبليّة وتهريب وبادية وسيارات التويوتا. 

حين أجلسُ إلى أصدقائي وأبناء عمومتي، في مدينتنا الحدوديّة، أجدهم يركّبون أغانيه على مقاطع الفيديو في تطبيق تيك توك. ويتبادلون أخرى لشباب من الرمادة (مقطع 1) وبنقردان (مقطع 2) وذهيبة (مقطع 3) وغيرها من المناطق الحدوديّة التي ينتعش فيها التّهريب. ولأنّه ينحدر من بيئة صحراويّة وحدوديّة مشابهة، ويغنّي للمهربّين وعنهم، وينطق بكل قيم البادية وثقافتها أيضًا، فإنّه يلقى هنا صدى واسعًا وكبيرًا. يغنّي لنفس التيمات التي نُحبّها وتمثّلنا وتعبّر عنّا. 

رمضان بومطرف، نجم تيك توك المهربيّن في جنوب تونس. توجد أغانيه على معظم المقاطع التي توثّق رحلاتهم في التّهريب. يغنّي عن رحلات التهريب والمطاردات بالطّائرات، وعن ضحايا التّهريب والموتى في رمال الصحاري. 

منذ أشهر كنت أتحدّث مع صديقة من أقصى الشّمال التونسي. سألتني ماذا أسمع حينها؟ فقلتُ لها أنّي أستمع لأغنية لرمضان بومطرف. بدا لها الاسم غريبًا وأصرّت أن أرسل لها الأغنية. لا يبدو أنّها قد فهمت الكلمات أصلاً ولا فهمت معانيها. وفي المحصّلة، لم تعجب الأغنية صديقتي تلك، وقالت بمزاح “هذا ذوقُ مهرّبين”. وفي الحقيقة كان وصفها دقيقًا ومُبهرًا في آن!

نفسُ المشهد تقريبًا، يتكرّر دومًا مع أصدقائي وزملائي الذين لا ينحدرون مثلي من نفس البيئة الجغرافية والثقافية. فحين أنشر مثلاً -على الفايسبوك- أغانٍ لبوعبعاب أو الكيلاني الطليق أو رمضان بومطرف تكون أغلبية التفاعلات ضاحكة، يبدو الأمر غريبًا عندهم. ولأنهم الأغلبية في فضائي الافتراضي والمهني، فإنّ ذلك يجعلني أعيشُ بينهم نوعًا من “غُربة الذّوق الموسيقي”

عائلة بحجم القبيلة

تعطي نظريات “المادية الثقافية” بعض التفسيرات لكل هذا. تعني “المادية الثقافية” في ما تعني “التفسير المادي للمسائل الثقافية” أي تحليلها وفهمها باعتبارها انعكاساً لجذور مادية (إنتاجية واقتصادية)، لكنها لا تفسّر -طبعًا- كل شيء.

فحين تكون قاطنًا في سهل الجفارة وهو فضاءُ بقايا قبليّة وعروش وملكية جماعيّة للأرض وفضاء تهريب ورعي وإبل ومطاردات أمنية بالرصاص ومنطقة حدوديّة وعسكرية عازلة وجفاف ورياح صحراويّة حارة طيلة أيام السنة، فإنّ الفنّ الذي سيعبّر عن وجدانك وهمومك وحياتك وثقافتك هو ذاك الذي يعكسُ هذه التّيمات والمعاني في متنه الشّعري وحتى ألحانه وإيقاعه. 

تتشابه البوادي العربيّة، في كلّ ما هو بنى اجتماعية وثقافية، وتتقاطع كلها عند ما يسمّيه دوركايم بمجتمعات “التضامن الآلي”، تلك التي يكون فيها تقاسم العمل الاجتماعي بسيطًا جدًا، وملتصقًا أساسًا بالروابط القرابيّة. وبهذا المعنى، تحضر القبيلة كهويّة للفرد، بها يتميّز وبها يُعرف، وبها يتسلّح كذلك. تتشابه بوادي سيناء مع صحراء مصر الغربيّة، مع جنوبي ليبيا، مع سهل الجّفارة، مع بوادي الخليج، مع صحاري شنقيط. تختلف اللهجات قليلاً، ولكن أنماط الإنتاج متقاربة حدّ التشابه. 

أصدقائي -ومعظمهم- من أبناء المُدن الكبيرة. مدنٌ ومجتمعات انتقلت إلى طور “التضامن العضوي” حيث التقاسم العقلاني للأدوار الاجتماعية، وحيث تضعف إلى حدّ كبير الروابط القرابيّة. مدنٌ ومجتمعات انتقلت إلى ما يسمّيه الديمغرافيون بـ”طور النّضج” في الانتقال الدّيمغرافي، وهو ذلك الطّور الذي تنخفض فيه نسبة الولادات ونسبة الوفايات، وتكتفي العائلات (النوويّة) بطفل أو اثنين في الأكثر.

في نظريته الشهيرة حول “الرساميل الأربعة” يتحدّث بيار بورديو عمّا يسميه الرأسمال الاجتماعي، وهو ذلك الرأسمال الذي يُحصّله الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة. هذا الرأسمال تنتجه عند أصدقائي في مدن “التضامن العضوي” علاقاتهم المهنيّة والدراسيّة وأصدقاؤهم وجيرانهم ربّما، وينتج هذا الرأسمال خاصةً عن نوعيّة العلاقات لا عن كمّها.

ينتجُ هذا الرأسمال الاجتماعي عندنا في مجتمعات “التضامن الآلي” التي لم تتخلّص بعدُ (كليًّا) من القبليّة، ومازالت تتعثّر في الطّور الثاني من أطوار الانتقال الديمغرافي -حيث لا تزال العائلة الممتدة حاضرة بوضوح وهو طورٌ يتميّز بارتفاع الولادات وانخفاض نسبة الوفايات- وبشكل رئيسي عن الانتماء إلى مجموعة قرابيّة كبيرة العدد، عائليّة أو عشائريّة أو قبليّة، ويقوى ذلك الرّأسمال الاجتماعي، أساسًا، بالكّم.

أغاني مهرّبين.. من ليبيا إلى تونس وبالعكس

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

“لولا الطيّارة”

يُسيَّلُ هذا الرّأسمال الاجتماعي عمليًا في تعبيرات اجتماعية (ذات معنى اقتصادي) من نوع “الفزعة”، وهي دفاع الأقارب عن قريبهم وحمايته رمزيًا وفعليًا باعتباره حلقة (غير مستقلة) من الكلّ القبلي/العشائري، ذلك الكلُّ الملتحم (جوهريًا) حول مصالح اقتصاديّة مشتركة، أقلّها الملكية الجماعية للأرض.

لذلك لا يمكن أبدًا لأصدقائي (وهم الأغلبيّة) من أبناء المدن القاطنين في مجتمعات “التضامن العضوي” والتي مرّت في جزئها الأعم إلى “طور النّضج” في الانتقال الدّيمغرافي، أن يستوعبوا ما أستوعبه في موّال رمضان بومطرف حين يقول “حالي حالي قليل قرايب ** وإلّي يفزع دونه غايب”!

رمضان بومطرف فنّان المهربيّن بامتياز، يختلف عن باقي الفنّانين الذين نعشقهم في كونه يتغنّى مباشرةً بتيمات ذلك العالم وعناصره وقصصه وقيمه. يُمجّد سيارات التّويوتا ويرثي المهربّين الذين أكلتهم رمال الصحراء، ويتغنّى بشجاعتهم وإقدامهم وعدم تهيّبهم من الموت. 

حين تولد في سهل الجفارة (في مدن تطاوين وبنقردان ورمادة وذهيبة)، فرضيةُ أن تصبحُ مهربًا هي الأكبر من بين كلِّ الفرضيات. لا تحضرُ الدّولة كثيرًا في هذا الفضاء التخومي، تحضر بجهازها البيروقراطي والأمني ولكنها تغيب كقوّة تنميّة، لذلك كان (ولا يزال) التّهريب هو المورد الأهم للرّزق في هذه المنطقة.

قبل 2011 كانت الدّولة تراقب “تجارة الحدود” وتوظفها ضمن سياسة تراعي احتياجات السّوق والأسعار وتراعي خاصة الحاجيات الاقتصاديّة والوضع الاجتماعي في تلك المنطقة الطّرفيّة الحساسة، حيث تطول قائمة السلع المهرّبة من الجنوب وإليه، وأهمها: البنزين والمواد الإلكترونية والملابس والمخدرات، من ليبيا؛ أما من الجنوب التونسي فهناك الأغذية والأدوية والمشروبات الكحولية.

لكن بعد الثورة انفلتت الأمور مع انهيار الوضع الأمني في الجارة ليبيا. وفي العام 2015 أنشأت تونس تحت ضغط التهديدات الإرهابية خندقًا مائيًا عازلاً على طول الحدود بين البلدين، “جِدارٌ عازل” نسمّيه اليوم -في رحلات التهريب- بلهجتنا المحليّة “الحَفِرْ”. 

وعلى عكس ما يكرّرهُ الإعلام وترسّخهُ الرواية الرّسمية عن التّهريب والمهرّبين وما تكرّسهُ “الثقافة العالمة” عنهم من وصمٍ وتشنيع وازدراء، فإنّ التّهريب هنا -وعلى العكس تمامًا- هو علامة فخر. يتداول المهرّبون قصصهم بكل افتخار ويروونها بكلّ حماس ويصبغون عليها البطولات والملاحم. 

في المقهى عندما أجلس إلى أبناء عمومتي وأصدقائي، لا أسمع إلاّ أحاديثًا عن تلك “الملاحم”، وجُملاً من نوع “رَڨِّدِت الابرة” (أوصلت عدّاد سيارة التويوتا إلى آخر نقطة في السّرعة)، “فلان هبطوا عليه” (فلان داهمت سلعهُ الجمارك). قصص وأحاديث تكرّر نفسها قادمة معهم من “الحَدْ”.

يتداول المهرّبون منذ أسابيع مقطعًا لمطاردة عسكريّة بطائرتي هيليكوبتر قرب مدينة الرّمادة التونسيّة الحدوديّة مع ليبيا. انتشر ذلك المقطعُ بكثافة، وافتخار أيضًا، على تيك توك المهرّبين، ومعظم المقاطع كانت عليها أغنية رمضان بومطرف نفسه: “لولا الطيّارة”! 

منذ إنشاء المنطقة العسكريّة العازلة بين البلدين، صارت عمليات التهريب أكثر خطورة وتضاعف عدد ضحاياها. ولكن لا بدائل تُذكرُ عن التهريب ولا موارد اقتصاديّة أخرى في منطقة جافة وقاحلة وطرفيّة وبعيدة. يضيق الخناق أكثر فأكثر على التّهريب، وتزداد مع ذلك القصص التي ينحتها المهرّبون ويجلبونها من رحلاتهم القاتلة. 

كل تلك التفاصيل والقصص والحوادث، وكل ذلك المناخ وتلك البيئة، وكل تلك العقود الثلاثة التي عشتها في هذه التّخوم، بثقافتها الصحراوية وتداخلها الاقتصادي والثقافي مع البلد الجار ليبيا، وبروحها الصّحراوية والبدويّة التي تكتنز قيمًا مشابهة لكل البوادي والصّحاري العربيّة، تترسّبُ في ذوقي الموسيقي، وتكيّفهُ. 

أحبُّ المرسكاوي الليبي، وأحبُّ الفن البدوي التونسي والفن الخليجي والسيناوي، وأحبُّ رمضان بومطرف وبوعبعاب وعوض المالكي وفن المجرودة، وغيرها من الفنون التي تأتي من البوادي والصحاري العربيّة التي تشبه بيئتنا وثقافتنا.

وهذا وما يجعلني أعيش “غربة ذوقٍ موسيقي” بين أصدقائي وزملائي، شبابٌ وكهولٌ من مدنٌ لا تهريب فيها ولا صحراء ولا قبائل ولا رصاصُ الجمارك.. ولا حدود. “غربةٌ” يصنعها اختلاف البيئات والمناخات وأنماط الإنتاج والجغرافيا وطبيعة المجتمعات المحلّية.. والأذواق.