fbpx
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

السوسن البازلتي.. رحلة إنقاذ في جبل عكّار

بدأ الفريق في عملية إنبات مخبرية استغرقت ثلاث سنوات، قبل أن يؤسس أول محمية لسوسن البازلت تمتد على مساحة 2500 متر مربع في أعالي بلدة مشمش عكار حالياً.
ــــــــ حالة أرض
13 أكتوبر 2022

في يوم من أيام الربيع المعتدلة عام 2016، التقى فريق من محبي رياضة المشي في جرود عكّار بزهرة. كانت ترتفع بين العشب بقامتها الأطول من غيرها، حركتها الخفيفة مع كل نسمة هواء كشفت تدرجات اللون البنفسجي من الغامق إلى الفاتح فيها وأوراقها المرقطة بالأبيض. لا خلاف على أن هذه زهرة سوسن، اتفق الجميع، فشكلها لا تخطئه عين، لكن أيّ نوع من السوسن؟ سوسنة صوفر أم سوسنة الأرز أم ماذا؟

كلّفت الإجابة عن هذا السؤال جمعية”درب عكّار” للرياضة البيئية جهودًا كبيرة. استغرق الأمر سنوات من المراقبة وتحليل العينات بإشراف أستاذة العلوم ماغدا بو داغر خرّاط، المتخصصة في التنوع البيولوجي في لبنان، قبل أن ينكشف أنها “زهرة سوسن البازلت البرية” Iris basaltica، التي تنبت في تربة البازلت المنتشرة في قمم جبال عكّار وسفوحها، سيما جبل المكمّل في الضنية.

يعدّ خالد طالب، المسؤول عن الجمعية، اكتشاف سوسن البازلت كنزًا حقيقيًا للتنوع الطبيعي في لبنان. لا سيما وأنه كان يعتبر “من الأنواع المتوطنة في سوريا فقط قبل العثور عليه في خمسة أماكن مختلفة بفعل جهود الفريق البحثي الميداني”.

سوسن البازلت في سوريا الثلاثينيات

في يوم من أيام الربيع المعتدلة عام 1939، التقى المستكشف الأميركي جون د. وايتننغ بزهرة، بينما يخوض رحلة استكشاف للطبيعة في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن. التقط له رفيقه، المصور ماتسون جي. إريك، صورة مع الزهرة بصحبة الأولاد الذين دلّوه عليها، ثمة صورة أخرى له حين عثر على مجموعة أخرى منها بين الصخور. 

لم تخف الصورة حماس وايتننغ لدى رؤيته شتلة السوسن، وابتسامة على وجهه بينما يطل عليها من خلف سلسلة حجرية. في يومياته يطلق المستكشف على مجموعة الصور هذه “رحلة السوسن إلى سوريا“، واصفًا الزهرة التي رآها بأنها سوسنة البازلت، وكان يعتقد حتى وقت قريب أن هذا النوع البازلتي بالذات يعيش في سوريا فقط.

المصدر: iucnredlist.org 

من 1939 إلى 2016 وبالعكس

الكثير حدث بين هذين التاريخين، ومن ضمن ما حدث ولم يكترث له إلا قلّة أن سوسن البازلت اختفى. توارى عن العيون واختبأ، ربما بين الصخور أو في أعالي الجبال، بعيدًا عن أيدي الفضوليين. تذكر بعض المصادر أن آخر مرة شوهد فيها بكثرة كان عام 1966، حين تأكد نموه على الطرق بين قلعة الحصن في حمص وتلكلخ في سوريا، عندما وثبت أزهاره وشقّت طريقها بين صخور بازلتية وضعها الفلاحون كحدود للأراضي الزراعية. ثم امحت أخبار السوسن البازلتي ولم يذكره كثيرون من جديد واعتقد المهتمون أنه اندثر. 

وعلى هذا الاندثار صادقت النشرة الحمراء التي تصدر عن الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة ومواردها IUCN، ووضعت خريطة لمناطق تتوقع وجود سوسن البازلت فيها، كلها بالقرب من حمص، وظللتها بالبنفسجي؛ اللون المعتمد للسوسن، رغم أنه زهرة متعددة الألوان بتعدد قوس قزح في ألوانها ودرجاتها، بل إن اسمها اللاتيني مشتق من اسم الآلهة إيريس، ربّة قوس قزح، التي كانت تحمل رسائل زيوس وهيرا إلى البشر، هابطة على منحنى القوس الملون آتية من عين الجنة إلى الأرض. بعض المجتمعات مازالت تطلق على السوسن عين الجنة.

ما إن عثر فريق “درب عكّار” على سوسنة البازلت حتى تجاوز مشروعهم توثيقها إلى الرغبة في استعادتها بتحفيزها على التكاثر، فبدأ الفريق في عملية إنبات مخبرية استغرقت ثلاث سنوات، قبل أن يؤسس أول محمية لسوسن البازلت تمتد على مساحة 2500 متر مربع في أعالي بلدة مشمش عكار

قالت النشرة الحمراء في ما يشبه النعي أن لا أخبار عن سوسن البازلت منذ مدة، وأن المعلومات عنه ضئيلة بالمقارنة مع سلالات السوسن الأخرى التي تصل إلى 280 نوعًا منتشرًا بين منطقتنا وأوروبا من بينها 53 نوعًا مهددًا بفعل النمو السكاني والعمراني في المناطق الجبلية. فضلاً عن تدهور الموائل الطبيعية لهذه النبتة، نتيجة قطفها وتغوّل المقالع والكسارات وأثر ذلك على المناخ والطقس.

ليس بالألوان فقط تتمايز أنواع السوسن، بل بشكل الأوراق وطولها وتعرقاتها، معظمها له سيقان غير متفرعة وأزهار مرقطة داكنة بظلال من الأزرق الأرجواني. وهناك السوسن الأسود في الأردن، والأحمر القاني الذي يظهر في فلسطين، والأبيض والعاجي في العراق وتركيا، والأصفر في شرق أوروبا، والأبيض والقرميدي في أرمينيا وكل درجات البنفسجي من الباهت إلى القاني في لبنان وسوريا.

تنافس أوراق السوسن في عمق لونها حجر الكوارتز البنفسجي، والزنبق في قوامه المائي الرقيق، وكثير من الأعشاب الطبية عند القدماء، فقد استخدمت في علاج الكدمات والغضب وأمراض الدم، وكان المريض يُجرح في ذراعه ويوضع زهر السوسن في جرحه كترياق.

دورة حياة 

خلال الفترة الممتدة من نهاية فصل الشتاء إلى أواخر فصل الربيع، تدب الحياة في الزهرة وتتعدد أشكال تكاثرها بواسطة البصل، أو الجذامير التي تنمو أفقياً في الأرض لتساهم في تكاثر السوسن، أو حتى البذور. 

تبدأ أوراق سوسن البازلت بالظهور في أواخر مارس (آذار) وتستمر في النمو إلى أن تتفتح أزهارها مع دخول مايو (أيار) ومع نهايته تنضج بذورها وتصبح جاهزة اعتبارًا من يوليو (تموز). بعض أنواع السوسن يجري تكثيره باستخدام النحل، منها القزحية (الموجودة في لبنان والمهددة بالانقراض أيضًا) التي يعتمد إخصابها على التلقيح عن طريق إيواء النحل بالقرب منها.

ما إن عثر فريق “درب عكّار” على سوسنة البازلت حتى تجاوز مشروعهم توثيقها إلى الرغبة في استعادتها بتحفيزها على التكاثر. بدأ الفريق في عملية إنبات مخبرية استغرقت ثلاث سنوات، قبل أن يؤسس أول محمية لسوسن البازلت تمتد على مساحة 2500 متر مربع في أعالي بلدة مشمش عكار. حالياً، تنتظر هذه البذور أن تصبح أشتالاً ويشتد عودها قبل العودة إلى حضن الطبيعة الأم، لتنمو في ظل غابات شجر الغبيراء والعذر شاهقة الطول.

جاء اكتشاف هذه السوسنة لتنضم إلى أخواتها من أنواع السوسن في لبنان التي تبلغ 15 نوعاً، من ضمنها ثمانية أنواع تنتمي إلى جنس الـ oncocyclus المهددة بالإنقراض، حيث تعيش في المناطق الجبلية الجغرافية المرتفعة التي تصل إلى 2300 متر عن سطح البحر.

الحماية مهمة شاقة

يقوم فريق “درب عكّار” بمهمةٍ ليست سهلة أبدًا لحماية النباتات المهددة بالإنقراض. جهودهم الفردية لا يمكنها الوقوف دائمًا أمام تيارٍ جارفٍ من التعديات التي تتعرض لها المواقع الطبيعية، من ذلك استصلاح الأراضي البرية لاستخدامها في الزراعة، وتوسع المناطق المبنية، وإقامة المحاجر.

أما حماية سوسنة البازلت بالنسبة إليهم، فبدأت بتوثيق وتحديد المواقع الطبيعية التي توجد فيها. تحقق هذا الجهد بعد سنوات من التفتيش والرصد تمكن الباحثون خلالها من تحديد خمسة مواقع في عكار، اشترى فريق “درب عكّار” أحدها وحوله إلى محمية للسوسنة البازلتية. 

يذكر المهندس الزراعي علي طالب أن السوسن البازلتي نبات بصلي مزهر، قد يتكاثر بواسطة بصلة حقيقية، أو جذامير. وعند نهاية موسم الإزهار، في حال تم تلقيح الزهرة، ينتفخ الجذمور ليشكل كيساً يضم عشرات البذور الصغيرة التي تنتشر في كامل الموقع، لافتًا إلى أن “نموها بشكل طبيعي أمرٌ بالغ الصعوبة، يتطلب إدخال عامل مساعد لتحفيزه كبعض أنواع الحشرات كالنمل والدود الذي يصيب قرون البذور”.

تصوير: بشير مصطفى

من هنا، تظهر أهمية الدور الذي يلعبه العمل المخبري، فقد بدأ إخضاع البذور للمعالجة وفق بروتوكول خاص للإنبات داخل المختبر، وبعدها ينطلق المسار العملي بمرحلة جمع البذور وحفظها من أجل تهيئتها للزراعة. بعد معالجتها، تُترك البذور في بيئة مناسبة للنمو، وعندما تبلغ الشتلة وتصبح يافعة، تُنقل خارج المختبر لزراعتها ضمن مساكب، حيث تنتظر إقبال فصل الخريف الموعد المناسب للعودة إلى حضن البيئة الأم. 

تتفاوت كلفة الحفاظ على السوسن وإكثاره من حيث ارتباطها بإجمالي تكاليف العناصر المستخدمة ضمن المختبر والمشتل من معدات؛ ونفقات تشغيلية؛ وكمية الأشتال المستنبتة. ولكن في مطلق الأحوال، كما يخبرنا فريق “درب عكّار” غدت هذه المهمة عسيرة أكثر فأكثر نتيجة الانهيار المالي الذي تعيشه البلاد منذ ثلاث سنوات.

رغم ذلك، تمنح عملية إكثار سوسن البازلت الأمل في إمكانية الحفاظ على الحيوية البيئية والتنوع الطبيعي، وهذه الخطوة على أهميتها ما زالت جهدًا فرديًا، يرى طالب ضرورة التوسع فيه لمواجهة آثار التغير المناخي الآتية لا محالة، فنحن “لا نملك ترف الوقت في سبيل الحفاظ على البيئة”، بحسب طالب، لذلك باتت قطعة الأرض التي تحتضن سوسن البازلت بمثابة “موقع يختزن واحدة من كنوز الطبيعة قد يجهل الكثيرون قيمتها”.

حماية المزيد من الزهور

اليوم ينطلق الباحثون في عكّار في مغامرة جديدة يحاولون فيها إنقاذ فصيلة السحلبيات من زهر الأوركيد، حيث وثقت “درب عكّار” قرابة 65 نوعاً من الأوركيد في المنطقة، منها أنواع جديدة توثق للمرة الأولى في لبنان، إذ تبيّن أن جبال عكّار بأعاليها البعيدة وغير المكتشفة موئلٌ لأكبر تنوُّع من الأوركيد على مستوى الشرق الأوسط.