fbpx

حياة صغيرة تحت برج الحمل

في سجن اللاذقية كنت أشتري بعض الحبوب المهدئة، كالمرخيات العضلية وأحياناً الترامادول، لكني لم أستطع تحمّل فكرة أن يبصق أحد في فمي.
ــــــــ المـكـان
6 سبتمبر 2021

أعتذر إن لم يكن في حكاياتي الخيالية المزيد من الأخلاق، لكن أنا متأكد أن فيها الكثير من الألم اللاأخلاقي الذي يعبره السجناء”، قال مامونتيل الكردي في ليلة حارة من أيلول (سبتمبر) 2015.

هي قصة خيالية حقيقية، بشخصيات تنوس بين الماضي والحاضر، مرّت على ألسنة العديد من الرواة حتى وصلت إلينا على هذه الشاكلة، نكاد لا نصدقها أحياناً، وأحياناً أخرى نصدّقها لدرجة أن نتعثّر بحذاء إحدى الشخصيات أو بملابسها المبعثرة كيفما اتفق، أو أن يُقرع الباب، نفتح، فنرى كوابيسنا على هيئة زوار ثملين وثرثارين. لكن من يعرف إن كان ما يحصل حقيقة أم لا، وإن كان ثمة مغزى أخلاقي نستخلصه من حكاية مامونتيل الكردي ذاك، محمد دريوس أو غيره.

تائه في سجن اللاذقية

مامونتيل هذا ولد تحت برج الحمل، في مدينة ضائعة في الشمال الشرقي السوري، دعمته بعض الجنيّات لفترة ووهبن له نتفاً من السرور، لكنهم مللن سريعاً من صحبته الفاترة، إذ لا يعرف طرائف جديدة وربما لأن الجنيّات لا يفهمن الكردية التي يرطن بها بسرعة عندما يغضب، ولا يهمه إلا استنبات قمح لا يحتاج ماء ولا تربة. 

أرسله والده إلى القاهرة ليتعرّف على العالم ويختبر الفلسفة وباقي العلوم النظرية، وأوصاه ألا يتحيّز ضد النساء، وأن هناك نساء قادرات على السير على الماء، تحويل الماء إلى خمر والصعود إلى السماء السابعة لا على “بغل مجنّح” بل بأجنحة فراشة ملونة، لكن انتهى به الأمر على أحد الحواجز العسكرية في الطريق إلى دمشق، متهماً بامتلاك اسم غريب، وعندما خُيّر بين السجون الواقعة تحت سيطرة الجيش السوري، اختار سجن اللاذقية مدعياً أن له أقارب هناك، كي يهرب من زحمة سجن عدرا في ريف دمشق.

التقيت مامونتيل هذا في سجن اللاذقية، كان تائهاً ويفتقد للرفقة، وكنت مشدوهاً باسمه العجيب، حتى إني حسدته عليه وطلبت منه أن يبادلني اسمه باسمي، وتلك حكاية أخرى، لكن بداية، دعونا نتحدث عن تلك المدينة الواقعة على شاطئ المتوسط.

أسميتها “مدينة الحيوات الناقصة”، إذ يعيش أهلها في اليوم الواحد ما يعادل ثلاثة أيام مما تعدّون، فيبلغ الرجل منتصف عمره في الخامسة عشر، ويموت بأحلام مخرّبة ومنقوصة. بيوتها تشبه أقفاصاً رمادية يضعها الصيادون لاقتناص الأحلام وسجنها كيلا تهرب. مدينة مظلمة رغم أن الشمس لا تفارق سماءها. رجالها يتهرّبون من نسائهم لئلا يكتشفوا عجزهم، ونساؤها يخدعن الوقت بحيل التطريز وأشغال الصوف. مدارسها تشبه سجوناً بقضبان صدئة فما بالك بسجونها؟

اللاذقية هي “مدينة الحيوات الناقصة”، إذ يعيش أهلها في اليوم الواحد ما يعادل ثلاثة أيام مما تعدّون، فيبلغ الرجل منتصف عمره في الخامسة عشر، ويموت بأحلام مخرّبة ومنقوصة. بيوتها تشبه أقفاصاً رمادية يضعها الصيادون لاقتناص الأحلام وسجنها كيلا تهرب

سجنها يقع في طرفها الغربي، قريباً من البحر والمرفأ، كنا نرى من خلال النوافذ المغطاة بقضبان وشباك حديدية، طرفاً صغيراً من البحر، وفي الليالي الصيفية الهادئة، حين تهب الريح الغربية، كنا نشمّ رائحة البحر ونسمع ضجيج الرافعات العاملة في المرفأ.

سجن اللاذقية المركزي مجهّز لاستقبال ما لا يزيد عن 400 سجين، لكن في تلك الأيام تواجد فيه ما لا يقل عن 1600 سجين، ينامون بالدور، في المراحيض والحمامات، يستيقظ بعضهم لينام البعض الآخر، في تتابع وانتظام.

في جناح المخدرات

يقع السجن في منطقة مخفية خلف محكمة اللاذقية، تدخل إليه عبر ممر صغير مغلق بباب حديدي أسود ثقيل بجانب باب المحكمة، ويتألف من ثلاثة طوابق وخمسة أجنحة، أربعة منها لأصحاب التهم العادية: سرقة، قتل، اغتصاب، سطو، إرهاب، تداول منشورات ممنوعة، الحض على الانشقاق عن الجيش، التظاهر بدون رخصة والكتابة على الجدران.

وهناك جناح خاص بمتهمي المخدرات، تعاطياً أو تجارة، ويُفصلون عن باقي السجناء بحجة حماية باقي السجناء من انتقال عدوى “التسطيل” إليهم، أما الحقيقة فهي لخطورتهم وقدرتهم على التأثير على باقي السجناء، ذلك أن سجناء جناح المخدرات لا يهتمّون بالموت ويمكن أن يضربوا عن الطعام أو يقوموا بأي من الأعمال الانتحارية التي لا يجرؤ الآخرون على القيام بها، كان متهمو جناح المخدرات أكثر صلابة وثورية من أي سجناء آخرين.

لهم يوم زيارة واحد في الأسبوع هو يوم الأربعاء، بينما باقي الأيام للسجناء الآخرين وضمناً حاملي السلاح ضد الدولة، ويخرجون للتنفس بعد الظهر، عكس باقي الأجنحة.

لا يهتمّ سجناء جناح المخدرات بالموت ويمكن أن يضربوا عن الطعام أو يقوموا بأي من الأعمال الانتحارية التي لا يجرؤ الآخرون على القيام بها، وكانوا أكثر صلابة وثورية من أي سجناء آخرين

ولأنهم متعاطو مخدرات، يُسمح لهم بأخذ حبوب مهدئة ضماناً لتهدئتهم وإبعادهم عن المشاكل أو إيذاء النفس بالشفرات، والتي يمكن الحصول عليها ببساطة من غلاف “الولّاعة” الحديدي، ثم شحذه على الأرض الاسمنتية فيصبح شفرة حادة، تتم بها عمليات الاستعصاء، حيث يقوم السجين بتشريح جسده، صدره ويديه، فقط ليبتعد عنه الآخرون، أو ليقضي أسبوعاً في المشفى الوطني خارج السجن.

يُمنحون حبتا مهدئ، صباحاً ومساء، تحت إشراف الضباط والأطباء طبعاً، زاناكس، زولام، بالتان، ديازيبام، فوستان وبيوغابلين، وبالطبع يستدعي الأمر تجارة داخلية، فبمبلغ بسيط للطبيب والممرض والشرطي، يمكن مضاعفة الجرعة، استبدالها بمخدّر أقوى أو حتى بيعها بمبلغ فخم، يكفي الشخص غير المتعاطي يومين كاملين من الطعام والتبغ والقهوة.

حبّة تحت اللسان

كان المتعاطون العاديون من المدمنين على الهيروئين مثلاً أو الترامادول، وثمة متعاطون آخرون مستجدون، وكان مامونتيل منهم: أشخاص هشّون ببساطة، لا يحتملون السجن وكآبته، فيحصلون بتلك الحبة على وسيلة تجعلهم ينامون لوقت طويل، ما يجعل الأيام تمضي أسرع، فالنوم يقتل السجن، لكن كيف السبيل لنوم طويل في عالم كل ما فيه يكرهك؟ الجدران والأسرة الحديدية، السجناء الآخرون والشرطيون، الكهرباء تنقطع نهاراً وتأتي ليلاً فقط، والماء لا يظهر إلا لماماً وتحتاج لأن تدفع ثمنه؟

أصبح السجناء يبيعون حصصهم من الدواء لهؤلاء الهشّين، الضعفاء، الذين لا يحتملون الأبواب الحديد، والذين يمضون أوقاتهم في البكاء أو التذمّر والانهيار، وانتبه الضباط لهذه الخدعة، فأصبحوا يُجبرون سجناء جناح المخدرات على ابتلاع الحبة أمامهم، لكن هيهات، فالعديد منهم كان يخفيها تحت لسانه، أو في جانب فمه، فتبقى هناك، رغم شرب الماء وفحص الضابط المكلف لفمه باستخدام “بيل” أو “ولاعة” صينية ذات ضوء.

أشخاص هشّون ببساطة، لا يحتملون السجن وكآبته، فيحصلون بتلك الحبة على وسيلة تجعلهم ينامون لوقت طويل، ما يجعل الأيام تمضي أسرع، فالنوم يقتل السجن

مرة أخرى انتبه الضباط لخدعة التجّار البائسين، فأصبحوا يعطون الدواء على هيئة مسحوق: تسحق حبة المهدّئ بأداة ثقيلة وتوضع في ورقة مطوية، يسفّها السجين أمام الضابط ثم يمضي إلى غرفته.

كانت هذه ضربة موجعة للسجناء الفقراء وللسجناء الباكين، لكن عقل الفقر أمضى دهاء من مجموعة حمقى متخرّجين من كلية الشرطة، فصار السجناء يجمعون المسحوق المبتلّ بالبصاق في جانب الفم، يخرجونه بإصبعهم عندما يصبحون وحدهم، ثم يبيعون “الكتلة” المبتلة لمن يريد، ففي النهاية المهم مفعول الحبة المخدرة لا من أين أتت، وكانت الأسعار حينها تتراوح بين ألف وألف وخمسمئة ليرة، أي بين دولارين وثلاثة دولارات، حسب نوع الدواء ومفعوله.

ولم يكتف السجناء بذلك، فمع طول وقت الاحتفاظ بالمسحوق داخل الفم، حتى ينتهي الضابط من تفتيش فم السجين ويتأكد من ابتلاعه لحصته من الدواء، يتسرّب بعض المخدر إلى اللعاب المتجمّع في الفم، وهذا أيضاً له ثمن في اقتصاد السجن، فيقوم السجين بتجميع ذلك البصاق ويلقيه في فم مشترٍ آخر، ممن لا يتوفر معه المزيد من المال ويحتاج ولو جزءاً بسيطاً من المخدّر، مجاناً أو مقابل مبلغ زهيد، يبلغ مائتي ليرة سورية أو قرابة نصف دولار.

مدمنو البصاق

كنت أشتري بعض الحبوب المهدئة، كالمرخّيات العضلية وأحياناً الترامادول رغم ارتفاع سعره داخل السجن، لكني لم أستطع تحمّل فكرة أن يبصق أحد في فمي، وكان مامونتيل من هؤلاء، مدمني البصاق، كان ينتظر في زاوية الممر “ديلر البصاق” مع ورقة المائتي ليرة المدعوكة، يتلقى بصقته، يدورها في زوايا فمه ويبتلعها، يختار ركناً هادئاً، دقائق ثم يروح في غيبوبة طويلة.

عندما كنت أسأله عن الخشية من انتقال أمراض الآخرين إليه، كان يضحك بسخرية من نظافتي المصطنعة وقرفي الغبي، ثم يشير إلى التواليت، حيث كنت أستحمّ يومياً بثلاث ليترات من المياه فقط، ليتر لتبليل الرأس والإبطين والعانة، وليترين لإزالة الصابون عن تلك المناطق، يشير بسخرية ولا يقول شيئاً.

كان ينتظر في زاوية الممر “ديلر البصاق” مع ورقة المائتي ليرة المدعوكة، يتلقى بصقته، يدورها في زوايا فمه ويبتلعها، يختار ركناً هادئاً، دقائق ثم يروح في غيبوبة طويلة

أصيب مامونتيل عدة مرات بالتهاب الرئة والتهاب الكبد، وأصبتُ بالعديد من الأمراض الأخرى، كالجَرَب والحساسية والطفح الجلدي، وكان القمل يسرح في جسدينا بشكل عادي، كأنه في متنزّه. بدا أن كلانا يعبر نفس البرزخ المطهر، بجرائمه وأوساخه وقرفه المستحكم، كلانا يمارس دفاعاً انتحارياً عن الحياة في جحيم الأوبئة ذاك.

لم أر مامونتيل لاحقاً، خرجت من السجن قبله، أو هو خرج قبلي، أو ربما اختفى في واحد من كوابيسي، وفي الليلة الأولى التي قضيتها مع امرأة خارج السجن، طلبت منها أن تبصق في فمي، مزيج الشوكولا والكريما.

امتثلت تلك المرأة باستغراب مشوب بالحذر، من هذا العشيق الذي يلهث بطلبات غريبة، ولا يحمل في حقيبته إلا علبة بسكويت وطنية وبعض الغيارات الداخلية، لكنه يدفع بسخاء. بصقت في فمي ورحت في غيبوبة أيضاً طوال الساعتين اللتين سمحت بهما نقودي، استيقظت، غسلت وجهي وخرجت من شقّتها باتجاه المدينة الجافّة، وأنا أبتسم في سرّي لأني حصلت على نشوة مامونتيل الكردي، بطعم الشوكولا هذه المرة، لا بطعم الألم العاري.