في السابع عشر من شهر تموز من العام 2011 حطت طائرة في أرض مطار القاهرة الدولي قادمة من مدينة اسطنبول التركيّة. في المقعد رقم 21C جلس شاب في الواحدة والعشرين من عمره. هاربٌ جديد من سوريا التي يحكمها بشار الأسد، والتي حكمها من قبله أبوه حافظ الأسد.
وصلتُ القاهرة. سمعت اللهجة المصرية التي كنتُ أسمعها في الأفلام والمسرحيات. سألني أحدهم إن كنتُ أريد سيارة أجرة، فشكرته وقلتُ أن أحدًا ما ينتظرني. خرجت ورأيت امرأة تحمل لافتة عليها اسمي. كانت صديقةٌ لصديقة أخي، الشخص الوحيد الذي أعرف في القاهرة، وسأسميها في هذا النص “السيدة ألف”، نسبة إلى الحرف الأول من اسمها. لا أذكر إن أخذتني أولًا إلى البيت لوضع حقيبتي الصغيرة التي لا تحتوي على شيء مهم سوى حاسوبي المحمول، أو توجهنا فورًا إلى ميدان التحرير.
كانت الموجة الثوريّة الثانية -إن صحت هذه التسمية- على أشدها. الثوار يعتصمون في ميدان التحرير، والمظاهرات تعم شوارع البلاد. الناس تهتف وتحتشد ضد حكم المجلس العسكري وتطالب بدولة مدنية وبانتخابات وبحياة سياسية لا مكان للحكم العسكري فيها.
وصلنا ميدان التحرير.
شاب من اللجان المسؤولة عن حماية الميدان فتّش أغراضنا. كانت السيدة ألف، قد اشترت بعض الأدوية للنقطة الطبية في طريقنا إلى الميدان، وكنت أحمل هذه الأدوية. سألني الشاب الحارس عن هذه الأدوية فقلت له بلهجتي السورية إنها للنقطة الطبية، ففرح فرحًا عظيمًا وقال لي بمصريته التي تشبه كلام الأفلام ما معناه أنّني سوري وجئت بالدواء لإخوتي المصريين. لا أذكر إن رمى ذراعيه حولي حاضنًا أو قال جملته بشكل احتفالي مبالغ به، لكن أذكر أن صديقتي سخرت مني قائلة: ها قد بدأ المصريون يحبونك في ساعاتك الأولى هنا.
أذكر صعودي إلى بيت بابه مفتوح وتطل شرفته على الميدان، وأذكر تجمعات ونقاشات منها منظّمة ومنها عفوية، وأذكر مطاعم قريبة من الميدان أكلت فيها طعامًا مصريًا للمرة الأولى، وأذكر خيمة السوريين في الميدان التي لم أبقَ فيها أكثر من خمس دقائق، وأذكر شبانًا وشابات يقومون بتنظيف الميدان.
بقيتُ ليلتين في الميدان، وفي يومي الثالث توجهت إلى بيت السيدة ألف في مدينة الرحاب، البعيدة عن مركز المدينة، (تعلّمت لاحقًا أنّ كلّ مكان في القاهرة بعيد). كلّ شيء كان جديدًا عليّ؛ اللهجة والمكان والطعام وعادات الناس والمظاهرات والهتافات والاعتصام في الميدان والنقاشات السياسيّة ونهر النيل. يبدو أنّني قد دخلت عالم السحر.
ما بين الرحاب والدُقي
لم أرَ مثل هذا من قبل. وصلت إلى مدينة الرحاب، مدينة من مدن عديدة خارج القاهرة، مسوّرة ومحروسة ولا يدخلها إلّا سكّان المدينة أو زوارهم. لم تكن الحراسة مشدّدة، وعرفت أنّ الأغنياء لا يعيشون هناك، بل في مدن أخرى أكثر حراسة وبخدمات أفضل. قالت لي السيدة ألف، مرشدتي آنذاك، إنّ الطبقة الوسطى في مصر مُسحت، هناك فقراء وأغنياء وسوبر أغنياء، لا شيء في المنتصف، وفي الرحاب يعيش الأغنياء (بالطبع أغنياء بالنسبة للطبقة الوسطى في سوريا والتي كانت أقرب للفقر). لاحقًا وبعد سنوات صارت مدينة الرحاب واحدة من مراكز السوريين في القاهرة.
حينها في صيف 2011 لم أكن أعرف من العالم غير سوريا وتركيا ولبنان، ولم أكن أعرف هذه التقسيمات الطبقية الفجّة.
وصلتُ الرحاب في يومي الثالث. كنتُ ما أزال أعاني بعض التعب والخوف والألم بسبب ما حدث لي في سوريا من ضرب عناصر الأمن، وخروجي إلى تركيا هربًا. اعتنت بي السيدة ألف كمن يعتني بطفل صغير، كانت مُحبّة وودودة ولطيفة، لكن كان عليها أن تغادر مصر لأسبوعين أو ثلاثة. ذكرت لي الطرق ورسمت لي خرائط للسوبر ماركت وأعطتني أرقام هواتف بعض المطاعم وتوصيلات الطلبات، ثم غادرتني.
بقيتُ وحيدًا، لا صلة لي بالعالم إلّا حاسوبي الصغير الموصول بالشبكة العنكبوتية. أحكي مع حبيبتي التي بقيت في سوريا، وأشاهد مسلسل فريندز وأطلب الطعام عبر الهاتف من سلسلة مطاعم تقدّم البيتزا. لم أغادر البيت في هذه الأسابيع سوى بضع مرات: مرتين إلى السوبر ماركت لأشتري أغراضًا (تفاجأت في الطريق أنّ الناس في الرحاب لا يمشون، كلهم يملكون السيارات)، ومرتين أو ثلاثة نزلتُ إلى قلب القاهرة عبر سيارة تكسي. لم أكن أعرف كيف أستقل المواصلات العامة، فتعرفت بالصدفة على سائق تكسي يقاربني في العمر، صرت أحكي معه فيوصلني أينما أريد. كانت أجرة الطريق تُكلّفني ثروة. لم أكن أملك من المال إلّا القليل القليل الذي وهبني إياه أخي.
في واحدة من المرات القليلة التي نزلت فيها إلى مركز القاهرة، التقيت ممثلة سوريّة لها جانب من الشهرة في مصر. كانت قد سمعت باسمي في بدايات الثورة وحين علمت بأنّني في القاهرة دعتني إلى مقهى ما في المدينة. وصلت المكان وطلبتُ منها أن تساعدني في العثور على عمل.
في مرة أخرى دُعيت إلى هامش اجتماع للمعارضة السورية في أحد فنادق القاهرة فأجريت حوارًا صحفيًا مع سياسيّ كردي، كان يعرّف عائلتي ويعرف جدّي السياسي الكردي المعروف بين أكراد سوريا، وحين سألني عن احتياجاتي في القاهرة طلبت منه أن يساعدني في العثور على عمل.
الممثلة والسياسيّ تواصلا مع نفس الشخص، وهو سياسي سوري ومعارض قديم، كان قد عاش سنوات من حياته في سجون الأسد. هذا الشخص كان بحاجة إلى مساعد شخصي، يساعده في الأمور اللوجستيّة، الأوراق والفواتير والمواعيد وما إلى ذلك. اقترح عليّ عملًا وطلب مني التفكير لمدة أيام قبل أن أعطيه الجواب.
وافقت، فاستأجر لي بيتًا قريبًا من الفندق الذي يعيش فيه في حيّ الدُقي، وبدأت العمل. هكذا تركت الرحاب وصرتُ من سكّان الحيّ القاهري العريق.
في الدقي صرتُ أعرف القاهرة أكثر. بعيدًا عن عملي، كنت أقضي كلّ تجولاتي مشيًا، أو عن طريق سيارة السيدة ألف، والتي صارت صديقة عزيزة.
في هذه الفترة كنتُ أمرّ بتحولات كبيرة، مثل أيّ شخص في بدايات عشرينياته. كنتُ في طور التحول من طفل إلى رجل بالغ، أكتشف العالم بعين جديدة، وأتعرف على حيوات جديدة. تركتني حبيبتي السوريّة، وانغمستُ في حياة القاهرة، مطاعمها وباراتها ومقاهيها ومسارحها ومظاهراتها. وأنا أتذكر هذه الأيام بعد حوالي عقد ونصف، أفكّر بأنّي يومي كان أطول من أربعة وعشرين ساعة، وإلّا فكيف عشت كلّ ما عشتُ في القاهرة في هذه المدّة القصيرة.
البحر – البر
قالت لي السيدة ألف إنّ عائلتها تمتلك بيتًا في إحدى المدن المسوّرة المُطلة على البحر المتوسط، وأنّها ستذهب إلى هناك مع ابنها وصديقتها، واقترحت علي مرافقتهم.
ذهبنا إلى الساحل الشمالي وأخذت بالتعرف على السيدة ألف بشكل أعمق. كانت أمًا عزباء، لطيفة مُحبّة، تُساعد الآخرين متى استطاعت، تبدي سخريتها من كلّ شيء، في قلبها حزن عميق. علّمتني كيف أنظر إلى الحياة بطريقة جديدة.
أحبّ أن أعتقد أنّ في حياة كلّ شخص هناك شخص ما يخرجه من طور الطفولة إلى طور النضج، أو على الأقل يضعه في أول الطريق، وبالنسبة لي كانت السيدة ألف هي هذا الشخص.
في تلك الرحلة تعرّفت على بحر مصر، وإن كان مسوّرًا، وتعرّفت على بعض من جوانب حياة الأغنياء الفاحشة (أو ما أظنها فاحشة)، ما ساهم لاحقًا في تعزيز نظرتي إلى الصراعات الطبقية ورغبتي العارمة في سحق الحواجز الطبقية والعيش في مجتمع عادل متساوٍ لا فضل لغني فيه على فقير.
إن أغمضتُ عينيّ اليوم وفكرتُ في شاطئ بحري هادئ أعرفه وأريد أن أقضي فيه ساعات أو أيام، سيكون شاطئ تلك المستعمرة في شمال مصر؛ شاطئ رملي نظيف، مكانٌ واسع لا يحدّ من أحلام المرء، هدوء لا يشبه إلّا نفسه، صوت البحر ورائحته، رمي هموم الحياة بعيدة.
ربّما لهذا يعيش الأغنياء عمرًا أطول من حياة الفقراء.
قصص قصيرة
يعيش المرء في القاهرة حيوات عدّة في يوم واحد. مدينة كبيرة واسعة فيها كلّ شيء: فقراء/ أغنياء، حداثة/ تاريخ، مسرح وسينما/ حكايات شعبية… إلخ. في القاهرة يرى المرء ويسمع كلّ التناقضات الموجودة في العالم. هذا أصل المدن الكبيرة الأساسية في العالم، يجب أن تحمل كلّ الأشياء في داخلها وإلّا لما كانت جذابة.
القاهرة في نظري تشبه بيروت ودمشق في شيء واحد، تحبها وتكرهها في نفس الوقت. الحياة فيها صعبة ومعقدة، وقد تكون الحياة في بعض الأحيان غير قابلة للحياة، لكن في الوقت ذاته فالحياة فيها غنية وممتعة وتعلّم الإنسان ألفَ ألفِ مهارة لا يُمكنه تعلمها في أماكن أخرى، وتجعله يعيش تجارب لا يمكن عيشها في مكان آخر.
استرجع في ذاكرتي لقاءات في مقاهي ريش وحريّة في وسط البلد، أو في بار يتفرع من الشارع الواصل بين ميداني طلعت حرب والتحرير، أو جلسات في مطاعم حي الحسين في ليل القاهرة الطويل، أو سهرات فوق أسطح بيوت وبارات، أو المشي على ضفة النيل. استرجع مشاعر الحب التي امتلكتني وأنا في القاهرة. أحببتُ وأحبتني امرأة جعلت للقاهرة رونقًا آخر. أخذتني من يدي وعرّفتني على المدنية، وكأنّني هارب من فيلم رومنسي بالأبيض والأسود من أفلام مصر الكلاسيكية.
تظهر الأشياء في ذاكرتي مثل مشاهد من فيلم، ومضات شريط سينمائي: عدم قدرتي على مغادرة بنائي لأنّ الناس يصلون صلاة الجمعة فوق الرصيف ويغلقون مدخل البناء، عراك مع حارس البناء لأنّه لم يسمح لصديقات لي بالصعود إلى بيتي، المشي الطويل في شوارع وسط البلد ومحاولة التهرب من أولئك الذين يحاولون بيعك شيئًا ما، حفلات في ساقية الصاوي وفي حديقة الأزهر، مظاهرات في كل مكان، وشتم المحاكمات العسكرية والمجلس العسكري في كلّ وقت ومع كلّ الناس.
واحدة من المظاهرات كانت مظاهرة صغيرة جدًا بالقرب من ميدان طلعت حرب. كنّا ربّما عشرون أو ثلاثون سوريًا نهتف من أجل الثورة السوريّة، وكان يجلس بيننا أحمد فؤاد نجم. كانت المرة الوحيدة التي قابلت فيها أحد أعظم شعراء الثورات. اقتربت منه وصافحته، فقال لي شيئًا مثل دعوة لله أن يُنجح ثورة سوريا ويُسقط دكتاتورها. كانت تلك من أحلى لحظاتي القاهريّة.
في ميدان طلعت حرب أيضًا هناك مكتبة شهيرة اسمها مدبولي، وكنتُ أشتري كتبًا من هناك. مرة اشتريت عددًا كبيرًا من الكتب، ولأنّهم أحبونّي لذلك، أخذني العامل إلى المستودع في الطابق الأول من بناء المكتبة. تجولت بين مجموعات الكتب استنشق رائحة غبارها. تلك كانت اللحظة التي قررت فيها أنّني سأصبح بائع كتب بعد الستين. في الستين من عمري، إن بقيتُ حيًا، سأعيش في مدينة بحريّة وأعمل في دكان لبيع الكتب الورقية، وسأمارس هواية تحويل روايات أحبها إلى سيناريوهات أفلام سينمائية، هكذا حتى أموت.
أكثر الحوادث التي بقيتُ معلّقة في ذاكرتي، وجعلتني أحبّ المصريين والمصريات أكثر، حدثت كالآتي:
كانت أمي تزور أختها في العراق، ومن هناك أرسلت لي بعض النقود حتى أُصلح أسناني التي كسرها عناصر الأمن السوري. أعطت أمي دنانير عراقية لرجل ما في كربلاء، ليسلمني رجل ما جنيهات مصريّة في القاهرة. كان المبلغ حسبما أذكر يقارب ما يساوي الخمسمئة دولار أمريكي.
توجهتُ مع السيدة ألف بسيارتها إلى مكان إقامة الرجل، إلى منطقة لم أكن قد سمعت باسمها من قبل، وهي من الأحياء الفقيرة في القاهرة. اصطدمت سيارتنا بأخرى فوق أحد جسور القاهرة الكثيرة. اضطررنا للتوقف والانتظار حتى تُحل المشكلة، لكن السيارة لم تعد تعمل وكان يجب أخذها إلى الميكانيكي. هكذا افترقت عن السيدة ألف وتوجهت إلى المكان منفردًا بواسطة سيارة تكسي.
نظر إلي السائق وهو يتجه إلى المكان المطلوبات نظرات غريبة. لم يستطع إلّا السؤال: لماذا يتجه شخص مثلك إلى حيّ كهذا؟ وهو يقصد وضعي الطبقي، قلت له هناك رجل أعمل معه يعيش هناك. وصلنا إلى المكان وانتظرنا الرجل. قال لي السائق إنه لن يتركني لوحدي فالمكان خطر للغرباء سينتظر في الطرف الآخر.
وأنا أنتظر جاءت إليّ مراهقات حاولن الحديث معي، فجاء السائق يحميني قائلًا إنّهن يحاولن سرقتي. جاء الرجل صاحب المال ووقفنا في مدخل بناء ليعطيني نقودي. في طريق العودة خفت أن يسرقني السائق، حين أعاد علي السؤال عن سبب قدومي إلى حي كهذا، فاخترعت له قصة عن عملي في القاهرة لمساعدة أمي المريضة في سوريا، وأنّني قابلتُ الرجل لأعطيه المال ليصله إلى أمي. كاد يبكي السائق تعاطفًا معي. وحين وصلنا إلى وسط البلد، المكان الذي كنت سألتقي فيه بالسيدة ألف، رفض أن يأخذ أجرته، وكانت كبيرة نسبة للوقت الذي قضاه معي والذي قارب الساعتين. كدنا أن نتعارك من أجل النقود. أصرّ على أنّ هذه مساهمته في علاج أمي. خجلت من نفسي لقلة ثقتي بالرجل. رميت له النقود من النافذة ومشيت.
الثورة أولًا وآخرًا
في الشهرين اللذين عملت فيهما مع المعارض السوري -والذي تلاشى ثقله مع مرور السنوات وتغيير ميزان القوى وابتعاد السياسيين عن الواجهة- اجتمعت ببعض قيادات المعارضة السورية في فنادق القاهرة، وعرفت بعض الخبايا والأمور الداخلية وغاب عني الكثير منها، حاولت أن أتعامل مع عملي كعمل يعينني على الحياة فقط، راتب شهري يكفي، ومحاولة البقاء متصلًا مع الثورة السوريّة بشكل أو بآخر.
شاركت في بعض المظاهرات المصرية ضد حكم العسكر، وفي كثير من المظاهرات السوريّة ضد حكم الأسد. التقيتُ بناشطين وناشطات مصريين وسوريين في ذلك الوقت، بعضهم نال نصيبه من الشهرة لاحقًا، أو نال نصيبه من السجن والاعتقال لسنوات طويلة. تقاطعت طرقتنا في تلك الفترة الزمنية في ذلك المكان الذي كان يزيح عن كاهله ثقل ماضٍ فاسد ويحلم بمستقبل أكثر عدالة.
ساهمت بجزء بسيط في تنظيم بعض التظاهرات المنادية بحرية السوريين والسوريات، ولأنّ بيتي كان قريبًا من مركز المدينة تجمعت عندي بعض اللافتات والأعلام.
بعد فترة قصيرة من بدء عملي جاءتني دعوة من مجلة ألمانية للقدوم إلى ألمانيا. كان قراري أن آتي إلى ألمانيا لحين انتهاء مدة الزيارة، وأعود إلى القاهرة التي أردتُ الاستقرار فيها. بعد حصولي على الفيزا وقبل موعد رحيلي بخمسة أيام، عدتُ إلى بيتي فوجدته مقلوبًا رأسًا على عقب. شلّني الخوف. ذهبت إلى بيت صديق سوري يعيش في نفس البناء واتصلت بمديري.
جاءني بعد ساعات خائفًا ومتلعثمًا. قال لي إنّ أحدهم دخل إلى غرفته في الفندق وفتشها مثلما حدث في بيتي. قال إنّه لا يعرف إن كان الفاعلون من الأمن المصري أو من رجالات سفارة سوريا. قال إن علينا توخي الحذر. قال لي أن أختبئ حتى يحين موعد سفري، وهو سيتجه في هذه الليلة إلى كندا حيث يعيش أولاده. أعطاني مبلغًا من المال، وقال لي إنّه لم يحسبني إلّا ابنه ولم يتعامل معي في يوم إلّا مثلما يتعامل الأب مع ابنه. كان صادقًا وكنتُ أصدّقه.
قضيتُ أيامي الأخيرة في بيت السيدة ألف، البيت الأول الذي عشت فيه في القاهرة. استقبلتني برحابة وأشعرتني، أنا الخائف، بأنّني لستُ وحدي، وبأنها ستكون معي مهما حدث.
بعد أيام أوصلتني إلى المطار وغادرت القاهرة في الخامس عشر من تشرين الأول 2011 متجهًا إلى مدينة ميونخ الألمانية، بعد حوالي ثلاثة أشهر من وصولي.
العودة إلى الإخوان
غادرت مصر تاركًا قلبي فيها. بعد وصولي إلى ألمانيا ومحاولاتي التواصل مع مديري السابق، قال لي: لا تعد إلى مصر الآن، الأوضاع غير مستقرة. أذكر أنّني بكيت أمام صحافي ألماني صار من أعز أصدقائي لاحقًا. أراد مساعدتي. لم أستطع الذهاب إلى أي مكان في العالم. لا تأشيرة عندي، ولا مال. لم يكن أمامي إلّا تقديم طلب اللجوء بعد أن انتهت مدة إقامتي.
وأنا في مخيم اللاجئين تابعت أخبار مصر، حيث اندلعت أحداث محمد محمود، وصارت البلاد تموج في موجة ثورية جديدة ضد حكم العسكر. أحكي مع أصدقائي وصديقاتي المصريين وأطمئن عليهم وأتمنى لو أنّني لم أصل أوروبا يومًا وأن أكون معهم في الشارع الآن.
هذا الذنب، ذنب النجاة، حملته معي طوال الوقت، ومنذ اليوم الأول الذي خرجت فيه هربًا من سوريا. لذلك حاولت العودة في أول فرصة. حلصت على إقامتي في ألمانيا في العام ٢٠١٢ وبعدها توجهت فورًا إلى بيروت لأكون قريبًا من الشام.
دخلت إلى دمشق تهريبًا في بدايات العام 2013 وحين وصلتُ الغوطة بدأ الحصار فبقيت هناك شهورًا حتى استطعت الخروج مرة أخرى. كادت مدة إقامتي الألمانية أن تنتهي، لكن من أجل ذلك كنتُ في حاجة إلى تجديد جواز سفري السوري، وخوفًا من حزب الله في لبنان ومن رجال السفارة السورية وخطفهم للناشطين السوريين لم يكن أمامي إلّا التوجه إلى السفارة السورية في القاهرة، كانوا آنذاك يجددون جوازات السفر دون أي تدقيق أمني.
وصلت القاهرة وهذه المرة أقمتُ عند بيت صديق لي في شارع جمال عبد الناصر في القاهرة الجديدة. كان صديقي السوري يتابع دراسته في الكيمياء في جامعة القاهرة. وفي هذه الزيارة اكتشفت قاهرة جديدة.
كان لزامًا عليّ أن استقل المترو والميكروباص بشكل يومي. لم أكن أعرف هذه الطبقة من المجتمع في زيارتي الأولى. أحسستُ بنفسي جزءًا من المدينة لا طارئًا عليها. صرت أعرف الشوارع أكثر. كان الناس حينذاك في نيسان 2013 في غضب دائم من الإخوان المسلمين، يشتمونهم ويشتمون حُكمهم في كل مكان.
قابلتُ أصدقاءً سوريين جاؤوا إلى القاهرة مؤخرًا، وقابلت مصريين ومصريات كنتُ أعرفهم منذ إقامتي الأولى. السيدة ألف انتقلت للعيش في حي المعادي، فاكتشفت معها جزءًا جديدًا من المدينة لم أكن أعرفه. يبدو أنّ المرء يحتاج إلى أكثر من مئة عام حتى يعرف كلّ أحياء القاهرة، هذا إن استطاع.
بعد أسابيع غادرت القاهرة وكانت تلك المرة الأخيرة التي رأيت فيها ذلك الجزء من العالم. لكن وبعد أن استبد السيسي بالبلاد جاء الكثير من المصريين إلى برلين، جاؤوا بمصر إلينا. تعرفت على بعضهم. أكلتُ طعامهم في برلين وصرتُ أشاركهم بذكرياتي عن المكان. أقول لهم إنّني أحب القاهرة، فيقولون لي إنّني مجنون. أقول لهم لو عاد بي الزمن لعشتُ في القاهرة فترة أطول، فيقولون لو عاد بهم الزمن لما أرادوا أن يولدوا فيها.
أراقب من بعيد تقلبات الزمن في القاهرة والتي لم أعرف من مصر سواها (وهذا ما أندم عليه)، وأحلم بأن أعود إليها يومًا من الأيام، وأسافر برحلة عبر النيل من أسوان إلى الاسكندرية. أفكر بالقهر الذي تفرضه حكومات وسلطات مصر على أهلها منذ بدء التاريخ، وأتذكر النكتة التي قالها لي شخص مصري في يوم من الأيام: مات الناس جميعًا وذهبوا إلى يوم القيامة فأرسل الله بعضهم إلى الجحيم، وحين استيقظوا وجدوا أنفسهم في مصر. أقول لنفسي إنّ هذا تجني وبأنّني أحبّ مصر وأهلها، وأبحث عن قصيدة العم أحمد فؤاد نجم وأقرؤها بصوت عالٍ:
مصر يمّا يا بهيّة
يا أم طرحة وجلابية
الزمن شاب وإنتِ شابة
هو رايح وإنتِ جاية
جايه فوق الصعب ماشية
فات عليكِ ليل ومية
واحتمالك هو هو
وابتسامتك هي هي
تضحكي للصبح يصبح
بعد ليلة ومغربية
تطلع الشمس تلاقيكي
معجبانية وصبية
يا بهية.













