أحاول أن أرى القاهرة بالألوان من جديد، لكنها لا تعود إليّ إلا متقطعة، أبداً ليست كاملة. ربما لهذا لجأت إلى البولارويد، حيث كل شيء يصير رقيقاً مثل الذاكرة نصف حاضر ونصف غائب، يتلاشى لكنه ما زال لي
هذه البولارويدات هي طريقتي لأحمل القاهرة بين يدي؛ ناعمة عابرة هشة. كل صورة كذكرى تولد وتموت في اللحظة نفسها، معلقة بين البقاء والغياب.
مرة، سألني أحد الأصدقاء بعد أن شاهد جزءًا من عملي.. هل هذه هي حقًا القاهرة؟ سألني عن غياب أحياء ومناطق كثيرة أصبحت داخل نطاق المدينة.. “6 أكتوبر”، “الشيخ زايد”، أيضًا “التجمع الخامس. أجبته ساعتها إن تلك المدينة التي تظهر في صوري هي جزء مني والتي تنتمي اليها روحي، شوارع وسط البلد والقاهرة القديمة والدقي والزمالك والعجوزة وكل الأماكن التي شكلت احساسي بهذا المكان. اما تلك الأحياء التي ذكرها، فأنا ببساطه لا احتملها. بالنسبه لي ليست جزءاً من قاهرتاي أنا. هي أماكن جديدة، بلا روح، بلا ذاكرة، ولا تحمل الثقل العاطفي الذي يجعل المكان مدينةً فعلاً. في طفولتي كان أبي يصطحبني كثيرًا إلى منطقة القاهرة القديمة وعلمني الكثير عنها وعن تاريخها، وعندما بدأت أتحرك وحدي في نهايات مرحلة المراهقة وأحاول اكتشاف “المدينة” كانت تلك الشوارع “القديمة” هي التي منحتني الشعور بالانتماء. أحسست أن هذه الشوارع وتلك الوجوه هي نواة القاهرة التي خرج منها كل شيء.
كثيرًا ما لجأت إلى هناك -قبل أن أمارس التصوير وبعد احترافه- في أوقات اليأس والاكتئاب، الحركة هناك كانت تمنحني قوة ما، طاقة جديدة تمكنني من المواصلة. لكن في السنوات الأخيرة كان كل تجوال جديد يشعرني بالأسى، الإهمال المتعمد، المحو، الزوال يطبق على “قاهرتي”، بينما تتضخم المدينة في اتجاهات أخرى؛ أحياء جديدة في كل مكان يتم تصديرها لها كأنها “القاهرة الجديدة”.
ما بدا لي صلبًا.. يتفتت يومًا بعد يوم.
لذا بدا لي البولارويد طريقة ما لأمسك بقطع متناثرة من تاريخي وتاريخ المكان، خروج الصورة بشكل فوري يشعرني بإمكانية الاحتفاظ. أحاول أن أرى القاهرة بالألوان من جديد، لكنها لا تعود إلى إلا متقطعة، أبداً ليست كاملة. ربما لهذا لجأت إلى البولارويد، حيث كل شيء يصير رقيقاً مثل الذاكرة نصف حاضر ونصف غائب، يتلاشى لكنه ما زال لي.
يشبه البولارويد الذاكرة ذاتها غير كاملة، ومضة قصيرة يستحيل تكرارها. لا يلتقط المكان فقط، بل إحساس المدينة التي ترحل وتعود في اللحظة نفسها.
يبدو لي تجوالي بكاميرا البولارويد كمشروع بلا نهاية، لأن القاهرة لا تنتهي داخلي و قد لا أغادرها أبداً مهما ابتعدت أو حاولت.