منذ بداية عام 2021، التحقتُ ببعض مشاريع إعادة تأهيل المدارس في شمال شرق سوريا. عملنا على تأهيل المدارس على مستويات عدّة؛ إمّا تأهيل كامل، أو صيانة للمرافق الصحية في المدارس، أو صيانة يحتّمها فصل الشتاء للأبواب والنوافذ. أتاحت لي تلك الوظيفة الدخول إلى عدد من المدارس التي خسرت وظائفها الأساسية وتحوّلت إلى مخيّمات للنزوح.. مدارس دمّر نصفها، فيما بقي الطلاب يجلسون فيها على الأرض دون نوافذ ولا أبواب، وأخرى تشاركها النازحون والطلاب معًا. ومثلما صارت مئات المدارس مراكزًا لإيواء للنازحين على امتداد الجغرافيا السورية، حوّلت الأطراف المسلّحة المتقاتلة في سوريا المدارس إلى ثكنات عسكرية وسجون ونقاط قنص.
الأمثلة كثيرة في هذا السياق، إلا أنّ ما لفتني أنّ التحويل لم يكن معقّدًا كما قد يُتوقَّع. لم تحتج هذه المدارس إلى تغييرات معمارية جذرية، بل اقتصر الأمر على إضافات بسيطة وسريعة، مثل زيادة أبواب حديدية أحيانًا، إغلاق بعض النوافذ بالحجارة، وإضافة خندقًا أو ساترًا ترابيًا لكي يحيط بالسور، وربما قواطع خفيفة داخل القاعات الكبيرة، فيما أضيف أحيانًا حمّامًا أو مطبخًا. قد يرجع البعض تحويل المدارس إلى سجون أو مراكز عسكريّة إلى الاستغلال العابر لظروف الحرب، لكن ألم تكن مدارسنا مهيّأة لهذا الدور؟
كتل خرسانية صلبة بممرّات طويلة
يعيدنا هذا السؤال السابق إلى تاريخ طويل من تطوّر العمارة المدرسية في سوريا عبر تعاقب السلطات الحاكمة. انتقل التعليم من المساجد والكتاتيب الأولى إلى المدارس النظامية التي ظهرت في العهد الأيوبي، تمثّل ذلك في المدرسة الصادرية في دمشق عام 1001، تلتها المدرسة العادلية والظاهرية اللتان جمعتا بين التعليم والإقامة. ومع العصر المملوكي، ازداد انتشار هذه المدارس وتطوّرت عمارتها، كما في المدرسة الجقمقية والظاهرية، ثم في العهد العثماني ظهرت المدارس الأميرية )الرسمية(، إلى جانب المدارس الأهلية التي أسّسها الأهالي والجمعيات الدينية.
في القرن التاسع عشر، بدأت مرحلة جديدة مع المدارس التبشيرية التي أنشأتها البعثات الغربية، مثل مدرستي «الفرنسيسكان» و«الإنجيلية» في حمص، قبل أن يدخل التعليم في سوريا طورًا جديدًا خلال الانتداب الفرنسي (1920–1946). في هذه الفترة لم تُنقل إلى سوريا المناهج الفرنسية وحدها، بل نُقلت معها أيضًا العمارة المدرسية الفرنسية بوصفها نموذجًا جاهزًا. تُظهر دراسة (2021) الباحثة السورية هبة عبّاس حول تأثير العمارة الأوروبية في دمشق أنّ الأبنية التعليمية في زمن الانتداب تبنّت مباشرة المخططات الفرنسية السائدة آنذاك. قارنت الباحثة بين مخططات مدارس سوريا ونماذج أوروبية مماثلة، فأرجعت مخطط الممرّ الأحادي في مدرسة «اللاييك» في دمشق إلى نظيره في مبنى المعهد التكنولوجي في تومسك الروسية، وربطت مخطط الممرّ المركزي مع الممر الجانبي في مدرسة «الفرنسيسكان» بمخطط «مدرسة البنات العليا» في فيسبادن الألمانية، كما بيّنت أن مخطّط الباحة المركزية في مدرسة «التجهيز الأولى» في دمشق، يُطابق النماذج التي تظهر في «البوليتكنيك» في دريسدن. وقد شكّلت هذه المدارس ذات البناء الكتلي والباحة المركزية للاصطفاف النواة الأولى للشكل المعماري الذي ساد لاحقًا.
«تأثّر نموذج عمارة المدارس السورية العامّة بالعمارة السوفياتية التي سادت في دول أوروبا الشرقية منذ منتصف الخمسينيات، حيث انتقلت العمارة نحو نمط صناعي موحّد يعتمد الكتل الخرسانية الصلبة والممرات الطويلة بالاستناد إلى مخططات معيارية تطبَّق من دون إقامة أي اعتبار للمناخ أو للسياق العمراني المحلّي لبعض المناطق».
مع وصول حزب البعث إلى السلطة بداية الستينيات، اعتمدت وزارة المعارف نموذجًا موحّدًا لبناء المدارس استند إلى منطق الدولة الحديثة الساعية إلى ضبط السكان من خلال التعليم الإلزامي. وقد تأثّر هذا النموذج بوضوح بالعمارة السوفياتية التي سادت في دول أوروبا الشرقية منذ منتصف الخمسينيات، حيث انتقلت العمارة نحو نمط صناعي موحّد يعتمد الكتل الخرسانية الصلبة والممرات الطويلة بالإضافة إلى مجموعة محدودة من المخططات المعيارية التي تطبَّق في مختلف المناطق من دون إقامة أي اعتبار للمناخ أو للسياق العمراني المحلّي. حتى إن الناظر إلى المدارس السوفياتية في تلك الحقبة يكاد لا يُلحظ فارقًا يُذكر بينها وبين معظم المدارس التي شُيّدت في سوريا لاحقًا. تلك المدارس التي انتشرت في المدن السوفياتية كانت نتاج سياسة مركزية صارمة هدفت إلى ضبط عملية البناء وتقليص دور المعماري. وقد انعكس هذا التأثير مباشرة على سوريا التي ظهرت فيها مدارس متشابهة في معظم المحافظات، تركز على الوظيفة والتقشف الشكلي على حساب البيئة المحلية واحتياجات التلاميذ والمقياس الإنساني للطفل.
خنادق ونقاط حراسة
في سوريا، صارت المدارس ركنًا أساسيًا في دوّامة العنف. تعرّضت مدارس كثيرة للقصف الجوي والبرّي، أو فُخّخت وفُجّرت، أو سُرقت تجهيزاتها، بل استُخدمت كمواقع عسكرية ومراكز احتجاز، فصار الفضاء المفترض للتعلّم فضاءً للتهديد والخوف. في عام 2012، وثّقت «هيومان رايتس ووتش» في تقريرٍ مفصّل أن الحكومة السورية استجوبت الطلاب وشنّت اعتداءاتٍ عنيفة على احتجاجاتهم، فيما استخدمت كلٌّ من القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة المدارس كقواعد عسكرية، وثكنات، ومراكز احتجاز، ونقاط قنص. كانت مدارس مثل «مدرسة رضوى» في جسر الشغور (محافظة إدلب)، و«مدرسة حي السبيل» في حماة، و«مدرسة حي كرم الزيتون» في حمص، أمثلة على تلك المدارس التي حُوّلت إلى مقرات أمنية ومراكز احتجاز.
بعد ذلك، وفي 2021، حذّر تقرير صادر عن «مركز العدالة والمساءلة السوري» من وجود وثائق رسمية تعترف باستخدام تسع مدارس في إدلب لأغراض عسكرية مباشرة، منها مدارس الحامدية والقطعة وعين قرقع ومعراتا والبعث/المعرة من قبل النظام، ومدرسة طالب العثمان وبنات خان شيخون من قبل فصائل معارضة. هذه ليست حوادث فردية أو معزولة؛ فبين عامي 2013 و2018 وثّق تقرير «الأمم المتحدة» المعنون «الأطفال والنزاع المسلح في الجمهورية العربية السورية» اثنتين وسبعين حالة لاستخدام المدارس لأغراض عسكرية، نُسبت إلى تنظيم الدولة الإسلامية (24 حالة)، وقوات النظام السابق (13 حالة)، وفصائل تنسب نفسها إلى الجيش السوري الحر (10 حالات)، و«هيئة تحرير الشام» (7 حالات)، و«وحدات حماية المرأة» (حالتين). وقد استخدمت المدارس في تلك الحالات أساسًا كمراكز احتجاز، أو أماكن إقامة، أو مخازن للأسلحة، أو نقاط تجنيد للأطفال. لم يكن الأمر مقتصرًا على الاستخدام فحسب، بل امتد إلى الهجوم المباشر؛ فقد وثّق التقرير نفسه 358 هجومًا على مدارس سورية، من قبل كل الجهات السابقة نفسها بالإضافة للقوات الدولية وقوات التحالف الدولي ووحدات حماية الشعب.
بعدما أغلق المدارس قسرًا في جميع المناطق الخاضعة لسيطرته في سوريا، حوّل «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) أكثر من خمسة وعشرين مدرسة إلى مراكز لاستخدامات عسكرية، أبرزها مدرسة معاوية بن أبي سفيان في الرقة التي أصبحت مقرًّا لديوان الحسبة 2014. وقد وثّق متحف سجون داعش لاحقًا كيف تحوّل المبنى إلى مركز للحسبة، فاستخدم البناء الأساسي كسجن للرجال في الطابق الأول وسجن للنساء في الطابق الثاني، أمّا البناء الثاني فأصبح عبارة عن غرف تحقيق. وقد وثق فريق المتحف بالتفصيل كيف تم تحويل القبو الذي كان قاعة واسعة الى سجن يضم 7 زنزانات جماعية و11 أخرى انفرادية وغرفًا لتخزين البضائع المصادرة وغرفة مخصصة للتحقيق.
لاحقًا، استعملت «قوات سوريا الديمقراطية» المدارس لأغراض عسكرية كنقاط تمركز لقواتها أو كسجون مثل ثانوية أبو حردوب حيث تم تجريف الأرض المحيطة بسور المدرسة لتشكيل خندق ومدرستي البحرة الشرقية في ريف دير الزور الشرقي اللتان استخدمتا كمقرٍّ عسكريّ لقوات سورية الديمقراطية قبل أن يعاد تسليم هذه المدارس لوزارة التربية التابعة لحكومة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا. احتفظت المدرستان بآثار العسكر وبقايا الأسلحة والمتفجرات المخزنة في أحد كتل المرافق الصحية والمتاريس ضمن الساحة وعند البوابة بالإضافة إلى خندق حفر بمحيطهما، كما تُظهر بعض الصور الجوية. تضاف أيضًا مدرسة الصور التي استخدمت كمركز للأمن العام (الأسايش) في مدينة الصور، ولم يستلزم تحويلها سوى رسم شعار القوة على الجدار الخارجي وكتابة أسماء الأقسام على الأبواب (ديوان، مالية، استراحة).
لقطة جوية من غوغل إيرث لمدرستي البحرة الشرقية عامي 2018 و2024
أما أبرز هذه الأمثلة، فهو تحويل «الثانوية الصناعية» و«المعهد التقاني» في الحسكة إلى ما يعرف بـ «سجن الصناعة»، كما ورد في تقرير «أسوشييتد برس». وقد تم إنشاء بناء أكبر سجن شرق بناء المعهد الصناعي ليصبح ما يعرف اليوم باسم «سجن الدواعش» وضمه لبناء السجن. لاحقًا وبعد أحداث غويران في 2022، أزيلت بضع أبنية كانت بينهما، وأضيفت أبنية أخرى كما تظهر الصور الجوية، وبعد تضرر كلية الهندسة المدنية وتدمير بناء معهد المراقبين الفنيين المجاورين لشمال السجن خلال أحداث غويران، تم ضم بناء الكلية كحرم للسجن وإضافة نقاط حراسة. بهذه السلسة من الانتهاكات لم تعد المدارس مكانًا للتعليم، بل بؤرة ممتدّة لإنتاج الخوف والحرمان.
لقطة جوية من غوغل إيرث للثانوية الصناعية والمعهد التقاني عامي 2019 و2024
هندسة الطاعة
ربما لم تغيّر الحرب وظيفة المدرسة بقدر ما نزعت عنها قناعها. فاللغة المعمارية التي شُيّدت وفقها معظم المدارس السورية، كانت منذ البداية قريبة جدًّا من اللغة التي بُنيت بها السجون. وبما أن اللغة المعمارية لكلتا المؤسستين تتحدث بلغة السيطرة والمراقبة والنظام، فليس من المصادفة أن تتشارك المدارس والسجون الخصائص المعمارية نفسها تقريبًا: ممرات طويلة مصطفة بأبواب متطابقة، كتل كبيرة من الصفوف أو الزنازين، نوافذ مزودة بقضبان معدنية سميكة وسوداء، ساحات تنفّس محاطة بأسوار شاهقة، بوابات ضخمة ذات مقياس غير بشري، ألوان باهتة تتدرج ما بين الرمادي والبيج، وإضاءة فلورية ساطعة تخلق جوًا باردًا ومعقّمًا. فعند النظر إلى صور المدارس في سوريا، أو إلى صور السجون في تقارير المنظمات الحقوقية، يصعب التمييز بينها، ربّما لأنها تشترك بكونها «مؤسسات انضباطية»، وفق وصف ميشال فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن» (1975) للمدارس، والثكنات، والمستشفيات، والمصانع، والسجون، كون عماراتها وتنظيمها ليست محايدة؛ بل هي «أدوات للسلطة صُممت لتدريب الأفراد، لمراقبتهم، لتصحيحهم، ولإنتاج أشخاص نافعين».
لا يتوقّف التشابه عند الجدران، فالبناء يتّخذ معناه من المنظومة السلوكية المتبعة داخله، عندها يُطوَّع العمران ليصبح نظامًا يوميًا. الانضباط السلوكي الذي تساعد الخصائص العمرانية على تحقيقه هو ما «يصنع» الأفراد، كونه «التقنية الخاصة للسلطة التي تنظر إلى الإنسان كأداة تمارس عليه سلطتها ومن خلاله في الوقت نفسه. عبر تنظيم الوقت إلى جداول، وتقسيم الفضاء إلى مقصورات وظيفية، وفرض تراتبية، يُنتَج الجسد المطيع «جسد يمكن إخضاعه، استخدامه، تحويله وتحسينه»، وفق ما يصفه فوكو.
الطقوس اليومية التي تُطبّق على الطلّاب، مثل الوقوف ضمن صفّ مستقيم في الصباح، وترديد الشعارات المدرسية، والالتزام الصارم بزيّ موحّد، كلّها تعمل كأدوات سياسيّة توشم على أجساد الطلاب وحناجرهم، مثلما يشرح الباحث الأميركي هنري جيرو في كتابه «المعلمون كمثقفين: نحو تربية (بيداغوجيا) نقديّة للتعلّم» (1988)، كونها أدوات تجعل الطلاب «مهيئين لتعلم الطاعة أولًا، والتفكير ثانيًا» وفق تعبيره. بهذا المعنى نرى أنّ النظام السابق قد سعى إلى فرض السيطرة على العملية التربوية والتعليمية وجعلها خاضعة لأيديولوجية الدولة الرسمية على كافة المستويات، عبر منظمات حزبية معيّنة تختلف باختلاف المراحل التعليمية من «طلائع البعث» الى «منظمة شبيبة الثورة» اللتان عملتا كأذرع حزبية داخل المدارس، تتولّيان منذ المراحل الأولى مهمّة زرع الولاء وترسيخ الطاعة بوصفهما جزءًا بنيويًا من العملية التعليمية. وفي الجامعة تتلقفهم «منظمة اتحاد الطلبة» التي تشرف على المراحل الأخيرة عملية خلق «المواطن الموالي الصالح»، كما توضح الباحثة الفلسطينية إسراء عرفات.
«رسخ النظام التعليمي عددًا من الطقوس اليومية وضبط الزمن في المدارس، كما في السجون، بمفهوم «الزمن المكاني للعقاب» الذي يكون فيه الوقت محكومًا بالكامل بجدول زمني صارم مرتبط بتصميم المكان ذاته».
تضاف هذه الترابية إلى النظام التعليمي بمراتبه السلطوية الداخلية مثل المدير، والموجه، والمعلم وفق هيكلية مألوفة للهيئات التدريسية بشكل عام. وفي داخل الصفوف هناك عريف الصف، ومسؤولي/لجان الانضباط الذين يعملون على مراقبة زملائهم في الأعوام الدراسية الأصغر غالبًا وضبط المخالفين في اللباس أو الالتزام بالقوانين، وتخوّلهم صلاحياتهم أحيانًا أن يقوموا بعمليات تفتيش للحقائب والمستلزمات الشخصية بحثًا عمّا هو ممنوع في المدرسة مثل أجهزة الموبايل، ثم وفي آخر هذا الهرم يأتي الطلاب العاديون، الذين إن لم يكونوا أدوات للسيطرة على بعضهم البعض، سيخضعون حتمًا لهذه السيطرة.
إلى جانب ذلك، رسخ النظام التعليمي عددًا من الطقوس اليومية والشعارات الرنانة التي يرددها الأطفال ملء حناجرهم من دون أن يفهموا معناها حتى، وضبط الزمن في المدارس، كما في السجون، بمفهوم «الزمن المكاني للعقاب» حيث يكون الوقت محكومًا بالكامل بجدول زمني صارم مرتبط بتصميم المكان ذاته. وفق هذا المفهوم، يتحرك الفرد وفقًا لإيقاع محدد مسبقًا يقرر متى يتعلم ومتى يأكل ومتى يخرج إلى «ساحة التنفس» الصغيرة خارج الغرف المغلقة.
خلال عملي في أحد مشاريع صيانة وتقديم مقاعد للمدارس، لاحظتُ أن قياسات المقاعد في معظم المدارس السورية موحّدة تقريبًا، بغضّ النظر عن المرحلة العمرية أو حجم الطلاب. وكأن النظام التعليمي صُمّم لجسدٍ واحدٍ وعمر واحد.
إن هذا التدريب اليومي يخلق ما يمكن تسميته «الشخصية المطيعة»، المستعدة لاحقًا لقبول أوامر الدولة أو المؤسسة دون مقاومة. فحين يعيش الفرد في بيئة هرمية صارمة كالمدرسة أو السجن، يتعلم أن السلطة لا تساءل بل تُطاع. وبطبيعة الحال ولإحكام كل هذه القواعد الانضباطية رافقها نظام عقوبات جسدية ومعنوية من شتائم وألفاظ نابية وتنمر وتحقير وتحطيم للشخصية، إلى أساليب العقاب اليومية مثل الوقوف على رجل واحدة ورفع الأيدي، أو مشية البطة في الباحة، أو الضرب على الأيدي (باطنها أو ظهرها) بالعصا، وضرب على الأرجل «الفلقة» (تتدرج ما بين فلقة أمام الصف أو فلقة أمام المدرسة) التي يستعان عادة بطلاب آخرين لتثبيت أرجل زميلهم الذي ينال العقاب. قد تكون العقوبة فردية أو جماعية، أو تهديدية لنزع الاعترافات، بمعنى عقوبة جماعية حتى يعترف أحد على الطالب الذي ارتكب الخطأ، فيعاقب وحده. بهذا أصبح النظام داخل المدرسة نسخة مبسطة وأقل عنفًا من النظام داخل السجن، وكلاهما انعكاس مباشر للنظام الأكبر الحاكم للبلاد.
تمرّد صامت على الجدران
«العمارة القاسية تولّد سلوكًا قاسيًا»، تلخّص هذه العبارة العلاقة الملتبسة بين الإنسان والمكان المقيّد، فعندما يُجبر الناس على العيش في بيئات ضيّقة ورتيبة، يُنزَع من الفرد حقّه في تقرير حركته وتوقيتها، فتُختزل علاقته بالمكان إلى علاقة قهرية. حينها لا يعد يكتفي بالامتثال، بل يعيش حالة من العدوان المكبوت الذي يظهر في حركات صغيرة ومتكررة مثل حفر الأسماء على الطاولات، تكسير النوافذ، الكتابة على الجدران، أو حتى محاولات الهروب. التقييد يولّد المقاومة حتمًا، لهذا فالكتابة أو الحفر على الجدران ليست فعل تخريب فحسب بل شكل من أشكال التمرّد الصامت.
في السجون كما في المدارس، لا يقتصر دور البيئة المبنيّة على احتواء الأجساد، بل تحدّد أيضًا كيفية مقاومة هذا الاحتواء. يقول كريغ هاني في بحثه «الآثار النفسية للاعتقال» (2001): «حين يُحبَس الأفراد في فضاءات مقيّدة، متكرّرة ورتيبة، تصبح البيئة المعمارية نفسها مصدر إحباط. هذا الإحباط يولّد سلوكًا عدوانيًا تجاه الأشياء المادية المتاحة. فالإنسان الذي لا يكون قادرًا على تفريغ غضبه على السلطة مباشرة، يوجّهه ضد المكان نفسه: الجدران، الأبواب، المقاعد، والنوافذ».
تتحمّل عمارات المدارس السورية كلّ هذا العنف بعدما تكون قد ساهمت في توليده من خلال النظام والطاعة وتقييد الحركة. يترك الطلاب أسماءهم وعباراتهم على المقاعد والجدران، كأنهم يقولون «أنا موجود هنا رغم محاولتكم محوي»، وما هي إلا محاولة لإثبات الذات داخل مكانٍ يُلغي الفردانية تمامًا ويعامل الجميع ككتلة متشابهة. حتى في التفاصيل المادية، لا فارق يُذكر بين مدرسة ابتدائية وأخرى ثانوية؛ فالمساحات والمقاعد والألوان جميعها على القياس نفسه.
أما في السجون، فتأخذ هذه العلامات معنى أكثر كثافة من مجرّد الاحتجاج الصامت، هذه النقوش التي تركها السجناء كشفت عن أجيال متعاقبة من المعاناة، حيث تتكدّس طبقات الكتابة فوق بعضها، شاهدة على من مرّوا من هناك واختفوا أو ماتوا. تلك كانت أيضًا رسائل حب ووداع، و محاولات أخيرة لتوثيق الوجود وسط محوٍ ممنهج لهوية من اعتقلوا ولذاكرتهم.
ما وراء الطلاء.. كيف نبني مدارسنا؟
ما يجعل هذه الأمثلة أكثر مأساوية، ليس فقط تدمير الأبنية أو تحويلها إلى سجون وثكنات، بل كونها سلبت الأطفال حقّهم الأساسي في التعليم، ضمن قطاع تعليمي يعاني ما يعانيه أصلًا منذ اندلاع الثورة في سوريا عام 2011. قبل الحرب كانت الأرقام تشير الى أن نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي تقارب 93٪ ، مع عدد مدارس إجمالي (عامة، خاصة، تابعة لوكالة الغوث) كان يبلغ 34,240 مدرسة في عام 2010. أما الإحصائيات الحديثة ما بعد الحرب، فتتحدث عن تدهور قطاع التعليم إلى حدّ غير مسبوق، وعن أكثر من سبعة آلاف مدرسة خارج الخدمة، يعني واحدة من كل 3 مدارس مدمرة جزئيًا أو كليًا، ونحو 4,200 مدرسة أخرى تحولت إلى ثكنات أو مراكز نزوح، أضيف إليها أكثر من 2,500 مدرسة متضررة جديدة. بعد زلزال تركيا عام 2023. وإذا أخذنا بعين الاعتبار اختلاف السلطات بين المناطق وقيود العمليات الإحصائية، فستكون الأرقام غالبًا أكبر من هذه المذكورة.
إذًا وبسبب الحرب والدمار والنزوح والتحويل القسري للمدارس إلى وظائف أخرى، أصبح لدينا ما بين 2 و2.4 مليون طفل سوري خارج النظام التعليمي، بما يعادل نصف عدد الأطفال الذين في عمر المدرسة. تشكّل هذهff الأرقام واحدة من أكبر أزمات التعليم في العالم المعاصر، فهي لا تعني فقط فقدان مقاعد دراسية، بل خسارة أجيال كاملة لحقها في مستقبل مختلف.
وبالرغم من ظهور جهود محلية ودولية واسعة لإعادة تأهيل المدارس ونفض آثار الحرب عنها، وإعادتها إلى وظيفتها الأساسية، مثل «اليونيسف»، و Save the Children، وUNDP، وبرامج التنمية المدعومة من خارجيات دول مختلفة في شمال شرق وشمال غرب البلاد، وغيرها من منظمات المجتمع المدني المحالية والهيئات الحكومية، إلا أن النقاش حول إصلاح المدارس لا يمكن أن يقتصر على ترميم الجدران أو تغيير لون الطلاء.
تبدو كلّ الجهود منصبّة على تنفيذ إصلاحات شكلية لواقع جدليّ أساسًا، وتتفق على تفادي السؤال الأساسي عمّ يجب تعليمه، وعن كيفيّة تطبيق المناهج التعليمية، وعن تأثير البناء على العملية التعليمية. معظم مشاريع إعادة التأهيل اكتفت بالتعامل مع الموضوع على أنّه «ترميم أثري»، فأعادت إنتاج الشكل القديم كما هو لأسباب كثيرة أهمها ضوابط العمل ومحدودية التمويل، والقيود البيروقراطية التي تفرضها المؤسسات المانحة أو المنفذة، والتي تجعل العملية أقرب إلى تنفيذ شكليٍّ منه إلى تطوير حقيقي. استبدلت أعلامًا بأخرى في المدارس، أو أزيلت شعارات ووضعت أخرى، وامتدّت بعض الرسومات الكارتونية العشوائية على الجدران.. لكن ذلك لم يغيّر شيئًا من جوهر الفضاء التعليمي الذي يحتاج إلى تحسينات أوّلية قد تبدأ من عناصر بسيطة مثل إتاحة المزيد من الضوء الطبيعي، خصوصًا في مناطق تغيب عنها الكهرباء، وتصميم المقاعد وفق المقاسات المناسبة لأجساد الطلاب واعمارهم، والأهم إعادة النظر في العناصر الأكثر شبهًا بالسجون، كالأبواب الحديدية الضخمة، وقضبان النوافذ السوداء..















