fbpx

كائنات كورونا المدهشة

لا أخشى الموت، أقول لنفسي، فقط أريد التأكد أنني لن أحاسب على القتل الخطأ.. ماذا أفعل إذا لم يحسبه الرب خطأ واعتبره حرصا غير كافٍ؟
ــــــــ البيت
16 أغسطس 2021

حرارةٌ لا تستجيب للكمَّادات.. حلْقٌ مشروخ.. علاماتٌ عرفت فيما بعد بها أني مصابة بڤيروس كورونا، وأكدتها مسحة طبية أجريت لي بدخول ساق رفيعة ملفوف عليها قطعة قطن، اخترقت بها ذراع الممرض جيوبي الأنفية، بعد خمسة أيام من ظهور الأعراض سالفة الذكر.

أثر المسحة كان يشبه الاختناق اللحظي عند اندفاع الماء المحمَّل بالكلور عكسيًا في أنفي إذا قفزت بشكل خاطئ في أثناء تمارين السباحة. 

كانت القطنة الملفوفة تلك أولَ شبحٍ من أشباح أيامي في العزل، أشباح في الداخل وشارع لا ينام بالخارج، أنوار محلات وكافيتريات وأصوات معلقي مباريات كرة قدم تعلو على صوت الجائحة، توهمنا أننا محروسون من الڤيروس ولا داعي للهلع. أين اختفت أشباح أيام الحظر الأولى؟ أين كمامات الأوجه؟ وأين ذهبت رائحة الكحول والمطهرات؟ 

ربما فقدت حاسة الشم، ربما الأشباح تسكنني وحدي بينما لا يصاب أحد بالخارج؟ تطاردني بأسئلة لا تنتهي.. هل نقلت العدوى إلى أحدهم؟ هل أتصل بسائقي سيارات الأجرة، التي استخدمتُها خلال الخمسة أيام الماضية لتحذيرهم؟ ثمانية أنواع من الأدوية كافية للسيطرة على الڤيروس أم سيكون أسرع منهم وينهي حياتي؟ 

لا أخشى الموت، أقول لنفسي، فقط أريد التأكد أنني لن أحاسب على القتل الخطأ.. ماذا أفعل إذا لم يحسبه الرب خطأ واعتبره حرصا غير كافٍ؟ سأبحث على الهاتف، بالقياس، عن قضايا مشابهة، لأتأكد من العقوبة وسأبحث بالمرة عن أرقام السائقين.. سقط الهاتف من يدي، وسقطتُ في هلاوس السخونة، رفيقة أيام عزلتي، التي وصلت الآن إلى 21 يومًا لم أر فيها الشارع.

هل يمكننا أن نرى كائناتٍ أخرى في هذه الحياة إنْ لم نخرج من البيت؟ وهل هي كائنات موجودة فعلا أم أننا نتخيلها ونخترعها؟ أجابتني هنا أشياء كثيرة، كان أولها أثاث حجرتي، الذي اعتبرته صاحبًا جديدًا وُلد حديثا، لأكتشف في هذا الحبس الاختياري كائنات أخرى تعيش معي، أو ربما تعيش قبلي ولم أعلم بها.

كائنات كورونا المدهشة

كائنات كورونا المدهشة

شمس 

هنا في هذه الحجرة، الوحيدة المسموح لي بالتجول والنوم والأكل والتنفس فيها، تظهر أصداء لأشعة شمس بعيدة، تتسلل دون إذني لتسرح بانتظام في مواعيد محددة ومتتابعة كل يوم.

لا تلتزم هذه الأشعة بمواعيد صحوي ولا يعنيها تمام شفائي أو سُعالي الجاف المتقطّع.. كأنها تقول لي.. بعض الروتين والتكرار ضرورة لاستمرار الحياة، لا داعي لتسميته “ملل”. 

هنا تظهر الشمس كمقتطفات أو تدخلات غير مكتملة على دراما العزلة التي أحياها؛ تمثل هي وأشكالها الفوضوية علامة الوجود الصحي في هذا الحيز من العالم، بينما أمثّل أنا علامة الوهن والمرض. ربما هذا الضعف الذي يسكنني الآن هو ما يحبسني في هذه الغرفة خوفًا مني على صحة العالم.

كان طلوع الشمس أمس إشارة خروجي من المنزل لأكتشف العالم واليوم بفضل الڤيروس أعدت اكتشاف الشمس ذاتها.

كائنات كورونا المدهشة

يمام 

اعتدت منح اليمام، الذي يحاوط بيتي المطل على حديقة خلفية صامتة، بعض الاهتمام على شكل حبوب ومياه في الشرفة والنوافذ؛ يتجمع ليقتسم اهتمامي، ثم يفر هاربًا برشاقة في نفَس واحد إذا شعر بحركتي المفاجئة من خلف الزجاج، أو إذا علا صوت الراديو المجاور للبلكونة.

اليوم، بعد أن اطمأن اليمام إلى استسلامي للسكون التام، وجدت يمامة على شباك حجرة العزل تنعم بالهدوء المطلق، كأنها في فندق طائر. أنا مثلها، أقيم هنا هادئة، ولكني مجبرة على ذاك الهدوء.. أنا مهجورة هنا لأنني خطر على الآخرين. 

جلست لأتابع كيفية بنائها العش الصغير المنسوج بحرفية ماكينة مذهلة، دروس خفية ومشاهد ربما لم نكن لنراها لولا العزل؛ هناك بيضتان في ركن الشباك، ستكونان يمامًا عما قليل، سيكبر ويتعلم الطيران ويغادر هذا الشباك، مثلما سأفعل أنا أيضًا يومًا ما. 

تنمو الكائنات الصغيرة مع الأيام ويُغطَّى لحمُها بريش كان زغبا أبيض شاهدته عن قرب، ستصير كيانًا جديدًا بعد وقت، وترحل إلى عالم لا محدود، عالم ينبهني بأن لكل بداية خطَّ سير ثم نهاية، وأن هذا الوقت سيمضي.

كائنات كورونا المدهشة

كائنات كورونا المدهشة

كائنات كورونا المدهشة

كتاب

واجهت خلال العزلة صعوبة في التركيز لأقرأ مثل عادتي، وضعي الثابت في السرير يشعرني بخمول دائم وبثقل كل كتاب أحاول البدء فيه، تصفحت بعض الكتب ولم أرغب في استكمالها، حتى نبّهني أخيرًا مشهد سكون بطلة كتاب “في أثر عنايات الزيات” للشاعرة المصرية إيمان مرسال (دار الكتب خان- 2019)، في سريرها منتحرة، ورأيت حالتي المعطلة، التي تشبهها الآن، كأنني بطلة لفيلم سينمائي مأخوذ عن هذا الكتاب.

هذا المشهد الجامد أهدى إليّ بعض التركيز المفاجئ وقادني كالأسيرة إلى استكمال القراءة حتى النهاية، كأن رؤية الموت وجهًا لوجه هي ما تقود إلى بعض الحياة.  

اعتبرتُ مرسال وبطلتها عنايات (1936- 1963) الكاتبة التي رحلت سريعًا وتركت خلفها رواية وحيدة نُشرت بعد رحيلها، شريكتيَّ في تجربة العزل، وكأن موافقتهما قد حصلت عندما غفوتُ كثيرًا في أثناء القراءة وسمعتُ صوت إيمان يناديني كي لا أستسلم لمزيد من النوم وضياع الوقت، وعندما غرقت في مشهد مؤثر من الكتاب أحسست بيد عنايات على كتفي تذكرني بموعد دواء.

كائنات كورونا المدهشة

ظلّ 

هذه الرسوم، التي يخلقها الضوء بوجهه الآخر، لم أكن أعرف أنها موجودة بالحجرة التي أنام فيها كل ليلة. مَن كان يؤلف هذه الرسوم وأنا خارج غرفتي قبل العزل؟ أخبرتني أصوات السيارات المارة في شارع بيتنا الهادئ بأن هذه الأضواء في حجرتي ما هي إلا صورة لهذه الأصوات، هنا تكتمل حواس الأشياء، يأتي الصوت ثم الضوء بتتابع فيزيائي مثير.. أو هكذا قادتني التأملات، التي لا غنى عنها لملء وقت العزل.

أضواء كشافات السيارات تنفذ من خشب النافذة خالقة كائنات راقصة متخذة سقف حجرتي مسرحًا لعروضها، كائنات لا شكل لها، تشبه نفسي الحائرة، تمضي سريعًا كلما بعدت السيارات عن البيت.. كائنات يسمونها في الخارج باسم “الظل”.

كائنات كورونا المدهشة

حركات 

لم توقف عزلتي حركة الغرفة، رغم سكونها المستمد من ضعفي. هنالك حذرٌ كنت أمشي به لم يتمكن من إيقاف ذلك الفيروس، الذي تحرك بخفة لاختراق موانعي الوقائية. سكن القلق وتحركت التجربة على يد الفيروس، الذي لم أقابله وجها لوجه، صمم على زيارتي رغم أنني كنت أصر على ألا ألاقيه. تمسكت بسكوني ولم أتحرك إليه، لكن الحركة كائن أزلي لم يخترعه أحد، أما التوقف فهو وهم جميل من اختراعنا، سريعًا ما نكتشف زيف ما صنعنا فيه.

كائنات كورونا المدهشة

المطبخ

أهدى كورونا مساحة حرية لزوجي؛ صار ملكًا على مطبخي، يتصرف عبر سيمفونية الفوضى بكل أريحية، لا تعليمات ولا موانع مني، غابت السلطة في غرفة نائية، تم الإفراج عن كائن الفوضى، الذي يحاول أن يثبت للعالم أنه جدير بالوجود والتصرف بمسؤولية.

سأخرج من هذه العزلة إلى مطبخ آخر غير الذي عرفته بالتأكيد، سأعيده من غربته حين يسمح الأطباء لي بالخروج من هنا واستعادة سلطتي، لكني سأبدي تجاه مَن تناوب معي السلطة شيئًا من الفخر بما قدمه لي من خدمات طوال أيام التعب والإقصاء الاجتماعي والصحي، وشيئا من الامتنان للمطبخ على ما تحمله من محاولات وتجارب وتخريب أحيانا.

كائنات مطبخي تألفني دون شرح أو جهد؛ تناديني وتكلمني وتحفظ لمساتي، تفتقد إدارتي لها مثلما أفتقدها. حين سأعود إليها بالتأكيد ستهرب دقة من قلبي كتلك التي تحدث لي كل مرة أزور فيها المطارات في وداع أو استقبال.

هناك في المطبخ الآن أصدقاء جدد للسكان الأصليين، تلال من العلب البلاستيكية، التي حملت كثيرًا من الأكل الصحي والشوربة الساخنة، والحب المخزَّن لك في قلوب الآخرين، وبعض خوف من فيروس آخر ربما حملته ذرات بلاستيك أتت من الخارج مع أختي الصغرى، التي كانت تزورنا “عن بُعد” حاملة ما يمكن أن يساعدنا في حربنا ضد الفيروس.

كانت تصنع طعام اليوم بيومه، وتوصله إلى باب بيتنا وتراقبنا ونحن نتسلمه. تلك الأخت التي كانت منذ سنوات قليلة ضمن مسؤولياتنا، نوصلها إلى الحضانة ونعيدها في أيدينا.. الآن هي التي تقود دفتنا المعطلة.. كبرت الطفلة/اللعبة، التي أحضرتها لي أمي من المستشفى منذ ثلاثين سنة.

صلوات وحب 

لأجل كل من أحبهم، اتبعت درس أمي بأن للمريض دعوة مستجابة.. صليت لـ”نسمة” بالترقية، التي كانت تستحقها حتى لو لم أصلِّ لها.. ولـ”سارّة” بأن يأتيها الفرج.. ما شكل هذا الفرج الذي يأتي بصلاة محملة بالفيروس؟ ولماذا لا يأتي بغيرها؟ أكان ضروريًا أن يدخل الفيروس من مكانه السري لأتذكر هذه الصلوات وغيرها؟ 

لازمني الترحم طوال العزل على أحبّتي الراحلين.. أمي وعمي توفيق وخالي محمود وجدتي سمرا وطنط فاطمة، وياسمين ناجي وهاجر أحمد وفاطمة سيف وچولي فاروق ووسام الدويك، الذي لم أقابله يومًا، وبيومي، ثم أمي مرة أخرى كحُسن الختام. 

استمرت دعواتي بألا أكون نقلت العدوى لأبي، سأكون عُرضة لسخريته لو فعلتُها أنا المهووسة برش اليدين بالكحول والبضائع ومقابض الأبواب بالكلور، ستُطاردني هذه الرشَّات في المنام وتؤكد لأبي صدق شعاره الأعلى.. خليها على الله!

انتبهتُ في ظهر اليوم الثامن للعزل إلى أنني لم أدعُ لنفسي بالشفاء والخلاص من هذا السجن، وانتبهتُ لذلك عندما أخبرني زوجي بأننا فشلنا في خطة العزل، وأن الأعراض بدأت تظهر عليه فجرًا.. حينها فقط فتحتُ أقواس الدعاء وأضفت اسمه إلى القائمة، وطلبت النجاة.

وبين نوبات النوم بفعل الأدوية، وبين الحرارة التي تندلع من الجسد وإليه، أعدتُ اكتشاف كائن مختلف، إنه هذا الذي أعيشه بعد الانفصال عن كل شيء في العالم، هو صورة خالصة للحب، لكنها ليست على مثال سابق.. كأنها اختراع نزل الأسواق توًا.

كائنات كورونا المدهشة