لم يكن القضاة الثلاثة، منذر حسن ومحمد حمود ويوسف غنوم، يعلمون أن رحلتهم صباح الرابع والعشرين من كانون أول/ ديسمبر 2024 ستكون الأخيرة. انطلقوا من مدينة مصياف، الواقعة في الريف الغربي لسوريا قرب جبال اللاذقية، متجهين إلى أعمالهم في المحاكم العقارية في مدينة حماة، إحدى أكبر مدن وسط سوريا.
كانت سيارتهم تتقدم بهدوء على الطريق الجبلي الواصل بين المدينتين، قبل أن يقطع المشهد وجود سيارة كبيرة تقف عند مفرق قرية الربيعة، وثلاثة رجال ملثمين يشيرون إليهم بالتوقف. بدت السيارة والملابس أقرب إلى دورية أمنية رسمية، ما دفعهم للتوقف بثقة. لكن هذه الثقة كانت فخاً.
خلال ثوانٍ، أُنزل القضاة الثلاثة من سيارتهم، ومن دون أسئلة سبقتهم الرصاصات. اختفت السيارة المهاجمة ومعها سيارة القضاة والملفات القضائية التي كانت بحوزتهم. كان المشهد أقرب إلى إعدام ميداني منه إلى حادث عابر.
في اليوم نفسه ذكرت شبكة “|رصد سوريا لحقوق الإنسان” أنّ مسلحين استدرجوا القضاة بحجة إعادتهم إلى عملهم بعد توقفهم عنه عقب سقوط نظام الأسد، قبل أن يقدموا على تصفيتهم. ونقلت فرق الدفاع المدني الجثامين إلى المستشفى، بينما أعلنت السلطة الجديدة إرسال دوريات الأمن العام للتحقيق. وزير العدل في الحكومة المؤقتة، شادي الويسي، دان الاغتيال “بأشد العبارات”، مؤكّدًا أنّ “العمل جارٍ للقبض على الجناة في أسرع وقت لينالوا جزاءهم العادل”.
شعارات دولة القانون
قبل الجريمة بحوالي عشرين يوماً، وبعد أربعة أيام فقط على سقوط نظام الأسد، كانت السلطة الجديدة في دمشق قد تعهّدت بإقامة “دولة قانون”. أعلنت حينها تجميد العمل بالدستور الصادر عام 2012، وتعليق عمل مجلس الشعب، إلى جانب وعود بتعديل القوانين المجحفة بحق السوريين. رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك، محمد بشير، تحدث عن “مرحلة تأسيسية” ستعيد صياغة الإطار الدستوري للبلاد.
لكن ما تلا ذلك خفّض سقف التوقعات سريعاً، فالدستور الجديد اختُصر إلى “إعلان دستوري” يمسك الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بمعظم الصلاحيات فيه، وتم انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب بطريقة شبه إدارية واحتفظ الشرع بحق تعيين الثلث الأخير بلا انتخابات أو معايير واضحة.
تكررت شعارات “دولة القانون” في تصريحات متعددة للمسؤولين الجدد، سواء في حكومة بشير أو الحكومة اللاحقة التي يترأسها الشرع نفسه، لكن، وبعد عام كامل على التغيير السياسي في سوريا، تبيّن أن هناك فجوة عميقة بين خطاب السلطة والممارسة. الوقائع والتطورات التي طالت الجهاز القضائي الذي يمتد تاريخه المؤسسي لما يقارب مئة عام، تشير -بحسب قضاة التقيناهم- إلى أن الإصلاح ظلّ لفظيّاً، بينما بقيت بنية القضاء عرضة للتدخلات والاعتداءات والولاءات القديمة والجديدة على حدٍّ سواء.
إحباط في الجسم القضائي
بعد نحو عام على الجريمة، لم تُعلن حتى الآن نتائج التحقيق في مقتل القضاة الثلاثة، رغم كونها تمسّ جهازاً يُفترض أنه المسؤول عن ضبط المجتمع بميزان العدالة. فالقانون السوري نفسه يعتبر الاعتداء على القضاة أثناء ممارسة واجباتهم جريمة مشدّدة العقوبة، خصوصاً إذا ارتبطت بالتأثير على استقلال القضاء أو عرقلة سير العدالة كما حدث في مصياف – حماة.
ورغم أن الإجراءات القانونية تفرض فتح تحقيقات فورية عند أي اعتداء على قاضٍ، سُجّلت خلال العام الماضي سلسلة حوادث متتالية تُظهر هشاشة وضع القضاة في سوريا وتراجع ما يُسمّى بـ”هيبة القضاء”.
نهاية كانون الثاني/يناير 2025، وقع اعتداء أمام وزارة العدل في دمشق، حين هاجم عنصر حراسة في محكمة المزة القاضي محمد إبراهيم وزوجته أثناء دوامه الرسمي، وفق ما نشره إبراهيم على حسابه في فيسبوك. وتضامناً معه، توقفت المرافعات في محاكم دمشق وجرمانا وصحنايا لساعات، في خطوة احتجاج نادرة.
على إثر هذه الواقعة أصدر وزير العدل في الحكومة المؤقتة شادي الويسي في 23 آذار/ مارس الماضي تعميماً يحمل الرقم 4 مذكّراً بوجوب التقيد بالحصانة الممنوحة للقضاة والمحامين أثناء التحقيق والملاحقة والتفتيش لضمان استقلالهم وابعادهم عن “الإجراءات الكيدية”. لكن هذا التعميم لم يصمد طويلاً، ففي 28 مايو/أيار 2025، تعرض القاضي أحمد مصطفى حسكل لاعتداء جسدي ولفظي وحجز تعسفي على يد عناصر من قوى الأمن الداخلي في حلب. واعتبرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحادثة “خرقاً صارخاً لحرمة السلطة القضائية”.
القضية نالت اهتماماً واسعاً في الشارع السوري لأنّ أحد المعتدين، عبيدة الطحان المعروف بلقب “أبو مجاهد”، كان قائداً سابقاً في فصيل مسلح، ثم عُيّن بعد سقوط النظام رئيساً لمخفر في حي الصالحين بحلب. في اليوم التالي، شهد قصر العدل في حلب توترات واسعة واحتجاجات من قضاة ومحامين، مطالبين بضمان استقلالية القضاء وحماية العاملين فيه. أعلنت وزارة العدل توقيف العناصر المتورطين، بينما خرجت مظاهرات مضادة تطالب بالإفراج عنهم، تحت شعار “طرد قضاة الأسد”. وفي نهاية التوترات، تنازل القاضي حسكل عن ادعائه، ما زاد من إحباط الجسم القضائي.
ولاءات قديمة.. جديدة
الحادثتان السابقتان أيقظتا الشارع السوري على احتمال تعرّض أي قاضٍ للمضايقات، لكن السلطة اختارت في 12 حزيران/ يونيو 2025، بدء حملة جديدة على القضاة كان لها وفق رأيها تبريرها القانوني “بغياب هيئة عدالة انتقالية محايدة”. فصدر المرسوم الرئاسي رقم (88) القاضي بإحالة 87 قاضياً يعملون في محكمة الإرهاب إلى التفتيش القضائي للتحقيق في أدائهم منذ تأسيس المحكمة وحتى إسقاط النظام، ثم أعلن عن توقيف مجموعة من القضاة المتهمين بالفساد أو التواطؤ مع النظام السابق، ضمن حملة أوسع استهدفت موالي النظام السابق، شملت اعتقال نحو 300 شخص من بينهم ضباط ومخبرين قدموا الدعم للنظام السابق. اقتيد هؤلاء القضاة إلى نظارة فرع “مكافحة الإرهاب” دون توجيه تهم رسمية لهم.
وتُعدّ محكمة الإرهاب إحدى أبرز المؤسسات القضائية الاستثنائية في سوريا، أُنشئت عام 2012 لمحاكمة ما سُمّي حينها قضايا الإرهاب، لكنها سرعان ما تحوّلت، إلى أداة لملاحقة المعارضين السياسيين والنشطاء، مع اتهامات متكررة بانتهاك حقوق المتهمين وغياب ضمانات المحاكمة العادلة. وقد اتُّهمت المحكمة بمحاكمة المدنيين والعسكريين على حدّ سواء بموجب تهم فضفاضة ومبهمة، ما جعلها عنواناً رئيساً في الجدل حول العدالة والانتهاكات في سوريا خلال السنوات الماضية.
الخطوة التي كان يُفترض أن تُستقبل بقدر من الارتياح، خاصة أن جزءاً من القضاة الذين طاولهم الإجراء متورطون فعلاً في قضايا فساد ومحاكمات صورية، أثارت في الواقع قلقاً واسعاً داخل الأوساط القضائية والحقوقية. فغياب الإجراءات القانونية الواضحة، وطابع الاعتقالات الأمني، رفع مستوى المخاوف من أن تتحول هذه الحملة إلى وسيلة لتصفية حسابات سياسية أو لإعادة هيكلة الجهاز القضائي وفق الولاءات الجديدة لا وفق معايير النزاهة والمهنية.
المخاوف زادت أكثر عندما ظهر القاضي الدمشقي أحمد القزاز في مقطع فيديو نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، معلناً أنه عُزل من منصبه بعد ثلاثين عاماً من الخدمة. قال القزاز إن قرار عزله الصادر عن مجلس القضاء الأعلى جاء مفاجئاً له، وغير مفهوم، فهو “أحد القضاة الذين رفضوا العمل في محاكم الإرهاب”. ومجلس القضاء الأعلى، الذي يرأسه حالياً الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، هو أعلى سلطة قضائية في البلاد، يمتلك صلاحيات واسعة في تعيين القضاة وترقيتهم وعزلهم، ما يجعله لاعباً رئيسياً في رسم ملامح استقلال القضاء أو تقويضه.
يروي القزاز أنه، مثل كثيرين، شعر بالفرح بسقوط نظام الأسد، لكن المفاجأة كانت في طريقة التعامل معه بعد ذلك. فقد استدعاه رئيس التفتيش القضائي في وزارة العدل وسأله عن محتوى ملفه الوظيفي، ثم طرح عليه فكرة تحويل ملفه إلى مجلس القضاء الأعلى. القزاز، الذي أمضى معظم مسيرته في القضاء المدني وأصبح على حد وصفه مرجعاً فيه، أكد أنه رُشّح سابقاً للعمل في محكمة الإرهاب لكنه “تهرّب بطريقة لائقة” لعدم خبرته بالقضاء الجزائي، وهو ما عرّضه بحسب قوله لمضايقات “حزبية وأمنية”.
قرار مجلس القضاء الأعلى كان مخيباً للآمال بالنسبة لقزاز الذي يشعر أن الطريق الذي خرج منه من القضاء لا يليق بمكانته، والذي يصر على أن مسيرته القضائية كانت “نزيهة بلا شوائب”. وفي نهاية رسالته ناشد القزاز تشكيل لجنة مستقلة لدراسة ملفه، مؤكداً أن أحداً لم يتواصل معه إلى اليوم.
استيلاء على النقابات
في الأيام التي تلت سقوط نظام الأسد، بدأت نقابات المحامين في سوريا تشهد حركة غير مألوفة. في دمشق، كان المحامون يصلون إلى مبنى النقابة ليجدوا وجوهاً جديدة خلف المكاتب، محامون جاءوا من محافظة إدلب بموجب تكليف مباشر من الحكومة الحالية وما يعرف بالإدارة السياسية، كما يؤكد النقيب المؤقت أحمد محمد دخان، الذي تم نقله لاحقاً في آب/أغسطس الماضي إلى رئاسة مجلس مدينة إدلب وحلّ مكانه المحامي محمد الطويل. هؤلاء قاموا بالاستيلاء على النقابة المركزية وفروع النقابات الأخرى، وصناديق هذه النقابات التي تقدر خزائنها بمليارات الليرات.
في الممرات، كان محامون يتهامسون عن قرارات “جاهزة” قادمة من خارج النقابة، فيما بدأت الأصوات المعارضة بالظهور، فأصدر فرع نقابة محامي السويداء بياناً يرفض فيه قرارات المجلس المعيّن، مذكّراً أن النظام الداخلي واضح: “الهيئة العامة هي التي تنتخب أعضاء الفروع”، لا السلطة السياسية.
بعدها تسارعت الإجراءات: في حمص صدر قرار من فرع نقابة المحامين بشطب عدد من أسماء المحامين، وفي دمشق تشكّلت لجنة تحقيق مفتوحة لاستقبال الشكاوى ضد محامين وُصفوا بـ “المتورطين”، وفي حلب صدرت قرارات مشابهة، ومثلها في اللاذقية، وكأنها سلسلة أحداث تتحرك بخيط واحد.
يقول محامون تابعوا الملف إن ما يجري لا يشبه إصلاحاً نقابياً بقدر ما يبدو إعادة ترتيب للولاءات داخل أحد أهم المؤسسات في البلاد. فالنقابات التي يُفترض أن تحمي استقلال مهنة المحاماة وتشكّل جزءاً من البيئة الضامنة لعمل القضاء، تحولت فجأة إلى ساحة تصفية حسابات وتقديم ولاءات خلف الأبواب المغلقة، بدلاً من صناديق الانتخاب.
لكن أبرز التدخلات ظهر في نقابة المحامين بريف دمشق، حين أصدرت قراراً بإحالة كل من خدم الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية إلى التحقيق، في خطوة بدت بلا سند قانوني واضح. وزادت النقابة الأمر غرابة حين فرضت على كل من دفع بدل الخدمة العسكرية أن يقدّم 10٪ من قيمة المبلغ كرسوم للنقابة. أثار القرار موجة رفض داخل الفرع نفسه، وانتفض عدد من المحامين ضده، ما اضطر النقابة إلى التراجع سريعاً والتذرّع بأنه مجرد مشروع قرار “قيد الدراسة”.
وبعد فترة قصيرة، اتخذت السلطة الجديدة خطوة وُصفت بأنها معاكسة تماماً لاتجاه حملات “التنقية”. ففي 5 حزيران/ يونيو 2025، صدر المرسوم رقم 70 الذي قضى بإلغاء مراسيم العزل والقرارات الصادرة “بحكم المستقيل” بحق 63 قاضياً كانوا قد أُقصوا بين عامي 2013 و2019، إما لانشقاقهم عن النظام السابق أو لمواقفهم السياسية. وتمّ تقديم المرسوم على أنه تصحيح لقرارات تعسفية اتُّخذت في مرحلة النظام السابق، خصوصاً تلك التي اتهمت بأنها حملت بُعدًا طائفياً أو سياسياً، وبأنها أقصت قضاة كانوا أقرب إلى موقف الشعب خلال سنوات الحرب.
ثم في تشرين أول/ أكتوبر 2025، صدر مرسوم آخر أحال 20 قاضياً إلى المحاسبة بتهمة ارتكاب “أخطاء ومخالفات قانونية”، ضمن حملة أعلنتها السلطة تحت عنوان “مكافحة الفساد وبناء العدالة”. لكن خلف هذا العنوان، يوضح قانونيون أن ما يجري غالباً عزل إداري أكثر منه مساءلة قانونية، أي إبعاد مؤقت أو دائم لقاضٍ عن عمله دون حكم قضائي، وهي أداة لطالما استُخدمت سياسياً لإقصاء القضاة غير المرغوب بهم، وتتسبب عملياً في تعطيل حياتهم المهنية دون المرور بمسار قضائي شفاف.
لم تكن الحوادث السابقة سوى الجزء الظاهر من المشهد. فخلال العام الأول من حكم السلطة الجديدة في دمشق، سجّل القضاة والمحامون عشرات الانتهاكات الأخرى التي لم تصل إلى الإعلام، وبقيت ضمن نطاق التداول الضيق في الأوساط القضائية. لكن ما هو أخطر من تلك الحوادث الفردية، هو ما ظهر من خروقات بنيوية طالت الجسم القضائي ذاته. إجراءات وتدخلات لم تُذكر في المراسيم الرسمية الصادرة عن الرئاسة الانتقالية ووزارة العدل، لكنها تؤثر عملياً على استقلال القضاء وعلى شكل السلطة القضائية في المرحلة الجديدة.
فضيلة الشيخ .. أو المحامي العام
يمنح الإعلان الدستوري للعام 2025، رغم تأكيده على استقلال القضاء، رئيس الدولة صلاحيات واسعة تشمل تعيين وترقية وعزل القضاة، مما يكبح استقلالهم ويجعلهم مرهونين بالولاءات السياسية على غرار السلطة السابقة، حيث تُعيَّن المحكمة الدستورية العليا بأعضاء يختارهم الرئيس دون رقابة، ما يعزز هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء، وفق ما نقلت منظمة هيومان رايتس ووتش.
في إجراء زاد من هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء ولكن عبر القضاء نفسه، أصدر وزير العدل شادي الويس القرار الوزاري رقم (89 /ل) لعام 2025 الذي ألغى منصب “المحامي العام الأول” الدستوري، واستحدث بدلاً منه منصب “رئيس العدلية” الذي لا سند له في القانون السوري.
تشرح القاضية ردينة (اسم مستعار) من عدلية حلب إشكالية هذا القرار بقولها: “يخرج هذا الإجراء عن مبدأ تدرّج القوانين وفصل السلطات، إذ لا يجوز إلغاء منصب قضائي دستوري إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، لذلك فإنّ تعيين رئيس العدلية يعتبر هدماً لقانون السلطة القضائية، فهذا المنصب غير موجود قانوناً وأي قرار يصدر من هذا النوع معدوم الأثر لصدوره عن جهة غير ذات صفة”. وتضيف: “هذا القرار لا يترك المجال لفهمٍ آخر، إلا أنه إمعان في تفريغ القضاء من سلامة هيكليته الشرعية وفرض وقائع جديدة لا علاقة لها بالقانون”.
لكن الإشكالية لا تتعلق بشرعية هذه القرارات فحسب، بل بطبيعة الصلاحيات الممنوحة لحاملي هذا المنصب الجديد.
وفق القاضية، يتم تعيين رئيس العدلية من قبل السلطة غير القضائية، وغالباً ما يكون شخصية دينية تحمل لقب “شيخ”، لا قاضياً متمرساً. ومع ذلك، منح هؤلاء سلطات تتجاوز صلاحيات المحامي العام ومجلس القضاء الأعلى معاً.
تقول القاضية إن رئيس العدلية أو الشيخ أُعطي سلطات جوهرية من بينها “السيطرة المهنية، حيث تشمل صلاحياته الموافقة أو الرفض على منح الإجازات القضائية، والتنقلات، والترقيات، فضلاً عن إمكانية اقتراح العزل من السلك”. كذلك من صلاحياته “تقرير من يستحق السكن من القضاة، ومن يستحق السيارات، إضافة إلى السيطرة الأمنية، حيث يُطلب من المرشحين تقديم أسماء “قضاة فاسدين” ويُمارس التجسس على القضاة عن طريق موظفين في المحكمة”.
في حديث مع قاض منشق أعيد إلى عمله في حلب (طلب عدم ذكر اسمه)، أشار إلى أنّ رئيس العدلية قد يكون خريج في الشريعة الإسلامية أو لا يكون، وهو أحد أعضاء “الهيئة الفاعلين” (فصيل هيئة تحرير الشام) مُنح صلاحيات المحامي العام التي هي أعلى صلاحيات القضاء، وأصبح المحامي العام يعمل تحت سلطة رئيس العدلية.
وأضاف القاضي: “هذا المنصب قد يُسند أحياناً إلى شيخ يملك خبرة دينية مكتسبة، لا إلى صاحب شهادة قضائية أو تدريب قانوني. ومن الصحيح أنه لا يتدخل في سياق التقاضي والقضايا، لكنه يسيطر على الجو العام للقضاء ولا يمكن الخروج أو التصادم معه بأي شكل”.
يتابع القاضي المنشق من محاكم محافظة الحسكة منذ العام 2012: “جرى نقل بعض القضاة في محافظات متعددة إلى النيابة العامة التمييزية في محكمة النقض في إجراء يشبه العزل غير المباشر بينما عزل آخرون، والمقرر في هذا الأمر هو الشيخ الذي يتحكم بقرارات النقل”.
خلال مقابلته معنا أشار القاضي إلى النقص الشديد في عدد القضاة بشكل عام، وبسبب هذا النقص فإن عمل القاضي لا ينتهي مع الدوام الرسمي. “أعود إلى بيتي ظهراً وأبقى أتابع تراكمات القضايا السابقة حتى الفجر تقريباً، لأعود لعملي في الثامنة والنصف حيث ينتظرني جهاز البصمة الذي يجب أن أعود له لأبصم على دوامي في الثالثة كذلك”.
نموذج إدلب
يرى هذا القاضي أن الفراغ القضائي الذي خلّفه انهيار مؤسسات الدولة أتاح صعود سلطة دينية إلى موقع لم يكن جزءاً من اختصاصها. ويشرح أن هذا التحوّل أخذ شكله الأكثر وضوحاً في القضايا الحساسة، مثل قضايا الاعتداء على الأمن العام أو جرائم الاغتصاب والقتل العمد.
ففي مثل هذه الملفات، أصبحت “محكمة إدلب” الجهة القضائية الفاصلة، بعد أن مُنحت تفويضاً مباشراً من وزير العدل. حيث تُحال القضايا مباشرةً إليها، فتجرى محاكمات مختصرة ويبت فيها سريعاً باتباع نمط التقاضي الشرعي، وهي التجربة التي يشير إليها القضاة بالـ “النموذج الإدلبي”.
فبين عامَي 2017 و2024 (وفق مناطق السيطرة المتغيرة)، فرضت هيئة تحرير الشام نفوذها على معظم مناطق إدلب وشكلت جهازاً إدارياً وحكومياً عرف باسم “حكومة الإنقاذ”. ضمن هذا الإطار، جرى تأسيس منظومة قضائية موازية تعتمد على القضاة الشرعيين، وعلى محاكم تستند إلى الفقه الإسلامي، مع تضييق واضح على القانون الوضعي وتدخل مباشر للسلطة الأمنية والعسكرية في بنية القضاء وآلياته. وتبدو فكرة “الشيخ” بحسب القاضي المنشق محاولةً لـ”تعميم النموذج الإدلبي” في إصلاح القضاء، “رغم ما يُحيط بهذه التجربة من محدودية وضيق في النطاق القانوني”.
إلى ذلك، يوضح قاضٍ آخر في عدلية اللاذقية أن تعميم لقب “الشيخ” بدلاً من “الأستاذ” أو “القاضي” لم يكن مجرد تعديل لغوي عابر، بل خطوة رمزية تركت أثراً مباشراً على هوية المؤسسة القضائية. فلقب “الشيخ”، كما يقول، ليس جزءاً من التقاليد القضائية السورية، بل ينتمي إلى المجال الديني، واعتماده داخل المحاكم يعني عملياً نقل القضاء إلى دائرة الاستقطاب الديني والسياسي وفق هوى السلطة الجديدة. “ترافق ذلك مع تشجيع مظاهر شكلية مثل إطلاق اللحى، التي باتت تُستخدم كوسيلة تقرّبٍ من السلطة أكثر منها خياراً شخصياً”.
هذا التحوّل لم يكن منفصلاً عن البنية الجديدة للسلطة. فصلاحيات “الشيخ”، كما يصفها القاضي، تغلق أي هامش محتمل للاستقلال، وتحوّل القاضي إلى تابع مباشر له. بالنسبة للسلطة، الشيخ هو المرجع الأول، وصاحب القول الفصل في كل ما يتعلق بالسلك القضائي، من التعيينات إلى الإجازات والترقيات، وصولاً إلى اقتراح العزل.
يظهر نفوذ الشيخ خصوصاً في اعتماد شرط “التزكية”، وهو شرط غير منصوص عليه في أي قانون، بوصفه المدخل الأساسي للالتحاق بالقضاء أو للترقية داخله. وبحسب تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” وشهادات قضاة عاملين، تحوّل هذا الشرط إلى أداة إقصاء سياسية تُستخدم لفرز الولاءات، لا لاختيار الكفاءات، ما يكرّس تبعية القضاء لمرجعيات دينية-سياسية بديلة تحلّ محل المعايير المهنية والقانونية.
إعادة تدوير الفاسدين
هذه “الإجراءات التصحيحية”، التي قُدمت على أنها استعادة للحقوق، أخفت وراءها واقعاً أكثر تعقيداً يقوم على الانتقائية وإعادة تدوير الفاسدين. فبينما أُعيد بعض القضاة المنشقين إلى مناصبهم بموجب المرسوم الرئاسي رقم 70 في يونيو 2025، فإن هذا الإجراء لم يرافقه مراجعة عادلة ونزيهة للماضي القضائي، بل شهدت العملية استدعاء وإقصاء قضاة “غير نزيهين” ممن تواطؤا مع ممارسات النظام السابق.
يقول القاضي المنشق “فراس” (تم إخفاء الكنية بناء على رغبة القاضي): إنّ “العدالة في هذا السياق لم تكن سوى اسم على مسمى، أعيد إلينا قضاة متهمون بالفساد تحت ذرائع انقلاب سياسي وكأننا نعيد تدوير الماضي بدل البناء على القانون والنزاهة”، مضيفاً “لا أتحمل أن أكون شريكاً في منظومة تسير على ولاءات لا على ثوابت العدالة”.
ويلفت القاضي السابق إلى أن تعرض القضاة الجادين للتمييز والتهميش يفاقم الفجوة بين المواطن والقضاء، قائلاً: “الاحتكاك اليومي يجعل القاضي يشعر أنه محاصر بين الضغط السياسي والاجتماعي، ولا يجد الغطاء القانوني الكافي، ما ينعكس سلباً على ثقة الناس بالقضاء ويضعف هيبته”. هذا الواقع يؤكده تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الذي يصف الحالة بأنها “انتقائية تعيد تدوير الفاسدين، بينما يعاني القضاة المستقلون من الإقصاء والتهميش، الأمر الذي يقوض مصداقية القضاء ويعصف بثقة المجتمع في النظام القضائي الجديد”.
“فرع أمن جديد”
تشير المحامية حنين (اسم مستعار) من اللاذقية إلى أن ما يجري داخل الجهاز القضائي لا ينفصل عن البنية الطائفية التي تشكّلت خلال عقود في سوريا، بل أعيد إنتاجها اليوم بصيغ مختلفة. تقول إن “بعض القضاة الفاسدين من فئة دينية معيّنة في المحافظة لم يقترب منهم أحد”، في إشارة إلى استمرار الحماية غير المعلنة لبعض المجموعات داخل السلك القضائي، مقابل تشدد غير مبرر تجاه آخرين.
وتشرح أن عناصر من “هيئة تحرير الشام” مارسوا “ابتزازاً مالياً” على بعض القضاة بحجة أنهم “كانوا يتلقّون رشى سابقاً”، وأن هذه الأموال يجب استعادتها، بينما جرى عزل قسم من القضاة دون معايير واضحة أو تحقيقات شفافة. وتضيف أن بعض القضاة، ممن يتمتعون بحماية سياسية أو طائفية، يلجؤون إلى ما يسمى “تنييم الضبط” أي المماطلة في تسجيل المحاضر لإطالة مدة توقيف أي محامٍ يدخل معهم في خلاف أو يثير اعتراضاً.
ولا يقتصر الأمر على القضاة، ففي طرطوس، كما تقول، “أي محامٍ عليه مشكلة يُحوَّل مباشرة إلى الجنائية” حتى لو كانت المخالفة بسيطة. وتذهب المحامية أبعد من ذلك في توصيف المشهد في اللاذقية، حيث تحوّل فرع نقابة المحامين هناك إلى ما يشبه “فرع أمن جديد”. فبحسب شهادتها، “يجري استدعاء أي محامٍ علوي يضع تعليقاً لا يعجب السلطة على وسائل التواصل الاجتماعي للتحقيق معه”، بينما “لم يُقترب من محامين سنّة ارتكبوا جرائم تحريض طائفي وإثارة للنعرات عبر الشبكة”.
لم يطل التهميش القضاة المنشقين فحسب، بل فئة أخرى تُعدّ من الأكثر حساسية في المشهد القضائي: قضاة المناطق المحررة سابقاً الذين عملوا في محاكم الشمال السوري تحت إشراف السلطات التركية. هؤلاء، كما يقول القاضي السابق فراس، تُركوا في ما يشبه “منطقة رمادية”، لا هم معزولون رسمياً ولا مُعادون إلى عملهم، بل معلّقون بين وضعين.
يوضح فراس أنّه “لم يصدر أي مرسوم لإلغاء قرارات العزل السابقة التي طالت قضاة في عفرين والباب ورأس العين، وهو ما يعني عملياً حرمانهم من العودة إلى مواقعهم، وإبقاءهم في حالة معاناة مستمرة كأنهم يخضعون لعقابين متتاليين: عقاب النظام السابق، ثم عقاب السلطة الجديدة”. ويصف هذا الوضع بأنه “ظلم قانوني مضاعف” إذ يكشف أن العدالة في سوريا لا تزال محكومة بالولاءات والاصطفافات، أكثر من التقييم المهني أو نزاهة السجل القضائي.
قضاة على الهامش
القاضي وليد (اسم مستعار)، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، يستعيد اللحظة التي غادر فيها النظام السابق: “تركت مكتبي في محكمة حمص وكل ما أملك، وهربت مع عائلتي إلى لبنان”. كان ذلك قراراً مصيرياً دفع ثمنه سنوات من المنفى، وهو اليوم يعيش في شقة صغيرة في إدلب، يتابع من بعيد أخبار إعادة تدوير الوجوه القضائية القديمة والإتيان بأخرى جديدة. يقول بمرارة: “ضحّينا بكل شيء من أجل ثورة اعتقدنا أنها ستعيد العدالة، والآن يسرقها منا أولئك الذين كانوا جزءًا من النظام”.
ما يقوله وليد لا يبدو مجرد إحساس شخصي، بل يتجسد في خطوات ملموسة، أبرزها ظهور أسماء محسوبة على السلطة السابقة في مواقع حساسة داخل منظومة القضاء الجديدة. مثال ذلك تعيين القاضي نزار صدقني الذي شغل في أيام الأسد منصب معاون وزير العدل، عضواً في لجان مقابلة القضاة وتقييمهم واختيار من يُعاد إلى السلك القضائي. كان صدقني أحد أبرز القضاة الذين تولّوا مهمة تكذيب وتفنيد تسريبات “قيصر”، وهي التسريبات التي كشفت عن آلاف حالات التعذيب والقتل داخل أقبية النظام. ورغم هذا الدور، عاد اليوم ليشارك في تشكيل ما يُفترض أنه “قضاء جديد”.
لا يقف الأمر عنده، فإلى جانب صدقني يبرز اسم رامي السعيد، مدير المكتب القانوني السابق في القصر الجمهوري، والذي بقي على رأس عمله أو قام بـ”تسوية” مع السلطة الجديدة. لهذا الرجل تاريخ طويل في خدمة بنية النظام السابقة، من هندسة مراسيم قانونية استخدمت لتقييد الحريات، إلى إنشاء شركات واجهة تُستخدم للالتفاف على العقوبات الدولية، وصولاً إلى صياغة مرسوم تجريم التعامل بالدولار الذي أدّى إلى اعتقال آلاف التجار والمواطنين وإفقارهم. اليوم يُعاد إدماج هؤلاء في جهاز العدالة، في حين يبقى قضاة مثل وليد دفعوا ثمن مواقفهم على الهامش.
“قضاء” على القضاء
تراكم هذه السياسات يخلق شعوراً متزايداً بالإحباط والضياع داخل الجسم القضائي نفسه. فالكثير من القضاة يرون أنّ الحصانة التي ينبغي أن تحمي كرامتهم ومهنيتهم ما تزال هشّة، وأن التحركات التي تُقدَّم بوصفها “إصلاحاً” لا تتجاوز في جوهرها حدود المحسوبيات وعمليات الانتقام وإعادة ترتيب الولاءات. وبدل أن تبني السلطة الجديدة سلطة قضائية مستقلة تستعيد ثقة السوريين، دخلت البلاد مرحلة انتقالية هشّة كرّست فيها السلطة التنفيذية نفوذها على القضاء، واستبدلت الولاءات القديمة بأخرى جديدة دون أي قطيعة مع ممارسات الماضي بحسب شهادات أكثر من قاضي التقيناهم.
وبينما تتكرر تصريحات مسؤولي دمشق عن “دولة القانون” و”إصلاح القضاء”، تكشف الوقائع اليومية عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وما يجري فعلياً: اعتداءات متكررة على القضاة، تدخلات مباشرة في عملهم، وقرارات بنيوية غير قانونية مثل استحداث منصب “رئيس العدلية”، تُضعف استقلال المؤسسة القضائية وتفتح الباب أمام التحكم السياسي.
ما يزيد من قتامة الصورة أن كثيراً من القرارات وُصفت بأنها “إصلاحية” لكنها في الواقع أعادت تدوير القضاة الفاسدين ورموز الحقبة السابقة تحت غطاء التغيير، في حين طال الإقصاء قضاة نزيهين لأسباب سياسية أو طائفية. بهذه الانتقائية، تتعقد الأزمة القضائية أكثر، وتتآكل ثقة المجتمع في جهاز يُفترض به أن يكون ميزان العدالة لا امتداداً لولاءات السلطة.
في واقعة جديدة تداولتها منصات التواصل، اختُطف القاضي المدني علي عز الدين على يد مجهولين في حي وادي الذهب بحمص، في ظل غياب أي معلومات عن الأسباب أو الجهة المنفّذة. اللافت أنّ شقيقه، الضابط حسن عز الدين، اختُطف مطلع العام نفسه، ما يضيف مزيداً من الغموض والتوتر.
الحادثة جزء من سلسلة حوادث لا تمس القاضي وحده بل هيبة القضاء كله، وتظهر أن الجهاز القضائي ما يزال مكشوفاً أمام قوى منفلتة من بينها أجهزة يُفترض أن توفر الحماية.
هكذا يبدو المشهد منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى اليوم: سباق بين محاولة استعادة مكانة القضاء، وبين “القضاء” على ما تبقى من القضاء.














