مي.. الشمس لا تبقى تحت الغيوم
جلستُ على المقعد المقابل لـ “مي”، بلغت العاشرة هذا العام. بدا لي أن العالم كله يكمن في عينيها الواسعتين. أساعدها في درس اللغة الإنجليزية. مهمتي لم تكن بسيطة: أن أجد لنفسي سبباً للاستمرار بعد أعوام من الإحباط والأخبار الحزينة. يومها، كنت مرهقة. مشاريعي الجانبية مؤجلة، عملي متوقف، أهلي مشتتين في بقاع الأرض دون سبيل للقاء والأصحاب كل منهم يحمل همومًا. شعرت أن كل ما بذلته من جهد يتبخر… “أنتِ تعرفين الكلمات. كيف تقولين بالإنجليزية: ‘سأكون طبيبة عظيمة’؟”
كانت قد حكت لي عن حلمها أن تصبح طبيبة وتعالج الناس دون مقابل. كنت أبذل جهدًا كي أبتسم لها، وأشرح لها قاعدة زمن المستقبل البسيط. نظرت إليّ بحيرة ثم أزاحت يدها الصغيرة عن الدفتر، ووضعتها الصغيرة على صدري، وقالت: “أنتِ حزينة يا ميس رندا”. لم أقل شيئاً. كيف عرفت؟ أومأت مي برأسها، وبدأت في تصفح كتابها بنفسها. وصلت إلى صفحة الألوان. اختارت اللون الأصفر البراق “مثل الشمس!” قالت مي، ثم رفعت عينيها اللامعتين نحوي.. “الشمس لا تبقى تحت الغيوم ” وانبرت تغني لي مقطعًا من أغنيتي المفضلة التي كثيرا ما رقصنا أنا وهي على لحنها.
“سأنجو” I will survive
ابتسامتي هذه المرة كانت حقيقية. أكملنا الدرس. “سأكون طبيبة عظيمة” قالتها بإنجليزية صحيحة. لملمت كتبها وأقلامها. أعطيتها تفاحة. طبعت قبلة على خدي عند الباب تاركة في نفسي طاقة من النور. عدت لملفاتي في جهاز الكومبيوتر أحاول اكمال العمل على أرشيفي من الصور. على مدى أكثر من عقدين من الزمن، قمت بتصوير مجموعة واسعة من الأشخاص، من الرسامين إلى الكتاب، ومن الشعراء إلى الراقصين، ومخرجي الأفلام إلى العاملين في مواقف السيارات.
تصوير الشخصيات العامة كان جزءًا من مهامي كمصورة صحفية لصفحة “بروفيل” في صحيفة الأهرام ويكلي (الجريدة المصرية الرئيسية باللغة الإنجليزية). كانت الصورة التي التقطها تنشر مصحوبة مع المقالات التي تقدم الشخصية للقراء.
قبل تصوير الأشخاص، أقوم ببعض البحث والقراءة عنهم وعن أعمالهم، ثم وجدت أنه من الضروري أن أمضي وقتًا في مراقبتهم وتأملهم أثناء العمل. والتقاط إيماءة، أو نظرة، أو لحظة، قد تكشف للمتلقي جزءًا من تلك الشخصية. لا يمكن لأي مصور أن يلتقط حياة كاملة في صورة واحدة. هدفي كان دائمًا أن أجد لحظة موحية، ثمة إيماءة تدل على تميز تلك الشخصية. هذه المرة وأنا أقلب في أرشيفي كنت أبحث عن وجوه صورتها عبر الأزمنة ولقائي بها منحني طاقة إيجابية وأمل في أيام أحن.
إبراهيم أصلان.. أطراف حلم
لا أذكر اليوم الذي قرأت فيه رواية “وردية ليل” لأول مرة (طبعة أولى 1992) لكنني لا أنسى دهشتي من قدرته العجيبة في اختزال وتكثيف المشاهد. في حديث صحفي مع أصلان (1935- 2012) ذكر أنه يعبر بتجربته وليس عنها. يضيف أنه اعتمد على عينه في الكتابة وأن الأشياء والأمكنة أساسية بالنسبة له في علاقته بالزمن. أفكر إنها نفس طريقتي في التفكير عند اختياري مواضيع ومواقع وأشخاص للتصوير بل والتقاطي للصور. حين أصور تلهمني التفاصيل كتلك التي يكتب عنها.
أقرأه ثانية اليوم. ما زال لديه القدرة لنقلي إلى أطراف حلم. ما زلت أذكر مشهد الأرملة اليوغوسلافية في العمارة العتيقة العالية وصوت قطعة النقود المعدنية وهي تسقط على السلم الرخام – كأنني رأيته مصورًا في فيلم. أكاد أرى الدرجات العريضة وأعي ظلام المدخل. وما زالت تدهشني التفاصيل ومراقبته للأحداث مسجلًا دقائقها بين الجمل مما ينقل لمعان أعمق.
تاريخ الطابع الصغير في قلب الكتاب لابد وأنه يحفظ تاريخ السنة التي حظيت بلقائه. حلمت بأن يكتب نصًا موازيًا ومصاحبًا لمجموعة من صوري ستنشر في مجلة “زوايا” التي عملت في فريق تحريرها. اتصلت به وحدد لي موعدًا في مكتبه الصغير في مقر جريدة “الحياة” اللندنية. لحسن حظي أن المكتب في حي “جاردن سيتي” على بعد خطوات من بيتي. رحب بي في غرفة صغيرة -مكتبه- مزدحمة بالكتب المصفوفة والأوراق والملفات. قلت له أمنيتي بأن يكتب لصوري. عرضت عليه مجموعتي في قلب النيل. أعجبته. وافق.
بعد نشر النص والصور بفترة وجيزة اتصل بي ليلة بدون مناسبة – قال أنه كان سعيدًا بلقائي وبرؤية صوري. كنت سأبتهج بالجملة تلك وأكتفي. لكنه استفاض. أكمل حديثه في وصف مشهد من طفولته -زمن الحرب العالمية الثانية- حيث علق ليلًا في حارة ولم يكن بإمكانه التحرك والعودة لمنزله بسبب حظر التجوال. كان طفلًا لم يبلغ العاشرة وظل المشهد مختزنًا في ذاكرته. أدركت بعد دقائق أن ما يحدث يشبه السحر. إبراهيم أصلان يسرد في مكالمة تليفونية نصًا بأكمله. ساعة من المتعة الخالصة. تحسرت أنني لن يكون بإمكاني استعادة كلماته ووصفه.
أحمل الكتاب لسريري. أقرأه مرة ثالثة. كتابي المفضل لأصلان. يهتز كوب الشاي الساخن في يدي وأحرق أصابعي. أنقذ الورقات القديمة من البلل. أغمض عيني ليتراءى لي صورة الحوش الكبير في وسطه الشجرة الكبيرة التي تحتلها العصافير وتلك الحارة التي حدثني عنها، شبابيكها مغلقة وإن كانت مضاءة بوجه قمر.
رمسيس مرزوق.. تفاني
عملت عام 1993 في فيلم “المهاجر” للمخرج الكبير يوسف شاهين. كانت مهمتي بسيطة لا تتطلب مهارات خاصة لكن تحتاج الى دقة شديدة. كنت مسؤولة عن اتصال الإضاءة (راكور) للدكتور رمسيس مرزوق (1940- 2021). أخذت إجازة طويلة من عملي في الجريدة لأن التصوير مدته تسعة أشهر، لم أرى فيهم والدي وأخويّ إلا مرة واحدة كل شهر؛ العمل في السينما حياة كاملة: أكل وشرب ونوم وعلاقات وخلافات ومشاكل- عمل، ودراسة. خلال تلك الفترة، لا يرى العامل في الفيلم منزله أو عائلته أو أصدقائه، ولا يعرف شيئًا عن العالم خارج إطار الفيلم.
عشتُ عالمًا جديدًا. قبل بداية التصوير عرفوني على “مديري”، الدكتور رمسيس. أعطاني دفاتر مقسمة إلى أجزاء، وشرح لي أهمية الحضور في كل لقطة والإصرار على الدقة. مسؤوليتي كانت تسجيل رقم اللقطات كما في السيناريو، وتدوين نوع العدسة والفلتر المستخدم، وقياس الإضاءة على وجوه الممثلين والأشياء المحيطة، ورسم مخطط تقريبي لموضع الكاميرا وزاويتها وبُعدها عن المشهد الذي يتم تصويره. مهمة تستغرق بضع دقائق قبل كل تصوير -بسيطة لكنها أساسية لإكمال اللقطات- فكثير منها لا تؤخذ في نفس المكان أو اليوم، وان كانت ستظهر في الفيلم كمشهد واحد. على مدار تسعة أشهر، سافرنا عبر مصر، من شمالها إلى جنوبها: سيوة، الإسكندرية، القاهرة، سقارة، الفيوم، أسوان، الأقصر، قنا، سانت كاترين، شرم الشيخ.
إلى جانب التحضير والعمل والاجتماعات والنقاشات والسهر والسفر، كانت هناك أيضًا خلافات وجدالات. كنتُ أشهدها فقط لأن مديري، الدكتور رمسيس، الذي أصبح بمثابة أب لي، كان يحميني منها بأخلاقه الرفيعة، وكلامه العذب، ولطفه الشديد. كان زملائي يلقبونه بـ “بابا نويل” – كان يشبهه حقًا، ولكن ليس في مظهره فقط. كنتُ أصوّر لنفسي تفاصيل إنتاج الفيلم بعد أن أنهي مهامي البسيطة – وكان بابا نويل يتركني وحدي، بل ويشجعني أحيانًا ويحضر لي الشوكولاتة. عملت مصورة فوتوغرافية لعشر سنوات، وظننت أن تجربة التصوير السينمائي ستُعلّمني مهارات جديدة. أدركت أنني لم أتعلم الكثير عن التصوير السينمائي من رمسيس، لكنني تعلمت أكثر من ذلك بكثير: الأهمية المقدسة للدقة في العمل، وأهمية كل تفصيله حتى لو بدت تافهة، والتفاني في العمل. يقضي الدكتور رمسيس ست ساعات في ضبط الإضاءة لمشهد لن يظهر على الشاشة إلا للحظة. استغرق مشهد مرور يسرا بمعبد فيلة يومًا كاملًا؛ إذ وضع مصباحًا بزاوية محددة قرب كل عمود في المعبد بحيث تظهر الظلال والضوء المتقطع بينهما. لم يتردد في حمل إضاءة أبولو إلى البحر في شرم الشيخ ليُعيد خلق ضوء القمر على الجبل. شغفه بالضوء وفنه لا ينقطع، ليلًا ونهارًا. يعمل بمنتهى اللباقة وبمعاملة شديدة الإنسانية.. وبتواضع.
بعد الفيلم، لم تنتهي علاقتنا. كان الدكتور رمسيس يسأل عني دائمًا، ولم يفته أبدًا افتتاح لمعرضي، يشجعني ويفخر بصوري كما لو كنت أحد أبنائه.
صلاح مرعي.. الحب يكمن في التفاصيل
تطوّعتُ لالتقاط صورٍ مشاهد فيلم “المدينة” للمخرج يسري نصر الله. لم أكتفِ بتصوير المشاهد المطلوبة، لكنني التقطتُ أيضًا العديد من الصور خلف الكواليس. أثناء التصوير أتيحت لي فرصة لقاء الفنان صلاح مرعي مصمم الديكور. نظرته الأولى صارمة وجادة، ولكنه سرعان ما يلقى النكات والتعليقات الضاحكة. بإمكانه دائمًا أن يحول أحلك المواقف الى مادة للسخرية.
صلاح (1942- 2011) لا يصمم ديكورات الأفلام فحسب، لكنه يهتم بأدق التفاصيل في عمله وينفذها بيديه. بعد تصوير الفيلم التقيتُ به عدة مرات في سمبوزيوم النحت السنوي في أسوان. كل مرة عند زيارتي للتصوير يصحبني إلى السوق لشراء هدية لابنته مريم، ويشتري لي هدية أنا الأخرى: “أنتِ كمان بنتي”.
في أحد الأعوام، بالتزامن مع افتتاح السمبوزيوم، تم اختياري لإقامة معرض في متحف النوبة (الذي أضاءه صلاح ببراعة). كنتُ قد صوّرتُ القرى النوبية والحياة اليومية بها وبالطبع العديد من الأهالي. دعوتهم لحضور الافتتاح. لكن بسبب حضور وزير الثقافة لافتتاح الفعالية، صار الدخول للمدعوين رسميًا فقط. منظمي الحفل رفضوا إعطائي دعواتٍ للأشخاص الذين صوّرتهم. غضبتُ وفكّرتُ في عدم الحضور. ساد التوتر ساعة قبل الافتتاح الرسمي. كنتُ ثائرة وأعتزم ترك المكان. اقترب مني صلاح وهمس في أذني: “لا تقلقي، سأتدبر الأمر”. تركني وراح يجمع بطاقات الدعوة من منظمي الندوة: بطاقته هو، وبطاقة آدم حنين، وبعض دعوات الفنانين المصريين المشاركين، وأعطاني إياها مؤكدًا: “لن يسألوا آدم أبدًا عن دعوته”.
عندما طُلب من صلاح إضاءة شارع المعز، مُنح ميزانية مخصصة للمساجد والمباني التاريخية. أدرك أن شدة إضاءة المحلات التجارية والمتاجر المقابلة للمعالم الأثرية سيُفسد المظهر العام. تولى بنفسه جمع تبرعات لإصلاح إضاءتها، ليصير الشارع فريدًا من نوعه.
مرارًا أثنى على صوري وشجعني. طلب مني ذات مرة إعداد مجموعة من صوري للأسطح وأهداها لمكتبة معهد السينما ليتمكن الطلاب من دراستها أثناء إعدادهم لمشاهد أسطح المنازل. لكن تبقى أهم لحظة تشجيع في مسيرتي الفنية كانت عندما دعوته لحضور افتتاح أحد معارضي في أتيليه القاهرة. سألني عن موعد تعليقي للصور، وقال إنه سيأتي لزيارتي وقتها قبل الافتتاح. انتهزت الفرصة ورتبت صوري على الأرض. فكرت أنها فرصة رائعة لأسأله رأيه قبل تعليقي للصور على الجدران. حضر وأثنى على ترتيبي. ثم أصرّ على تعليق الصور بنفسه، مستخدمًا مسطرة وميزانًا. شعرتُ بالسعادة والفخر، لكنني شعرتُ بالخجل أيضًا من أن صلاح مرعي هو من يعلق لي المعرض بنفسه. حين انتهى من تعليق كل الصور استأذني وقال إنه ذاهب في مهمة قصيرة، وأنه سيعود فورًا. لدهشتي، عاد ومعه دلو من الطلاء الأبيض وفرشاة.. “لم يعجبني اتساخ الجدار بعد تعليق الصور”. وعكف على دهان الجدار بيديه الكريمتين. كدتُ أبكي.. “يكفيني أن أكتب في سيرتي الذاتية أنك طليت جدار معرضي”. لم يُعلّق. أنهى الطلاء وغادر. في ليلة الافتتاح، جاء متأنقاً ومهنئاً.
مستر بليك.. نغمة عذبة
كان السيد بليك زميلي في “الأهرام ويكلي”. ناقد موسيقي، وباحث في الموسيقى الكلاسيكية. يأتي إلى مبنى الجريدة يوميًا، ويجلس في غرفة “صفحة الثقافة” لفترة قبل ذهابه إلى دار الأوبرا. يذهب إلى هناك يوميًا، ويحضر جميع البروفات والحفلات. له كرسي مخصص هناك – عمال الأوبرا يساعدونه على الجلوس، وينادونه “بابا”.
اكتشفنا لاحقًا أن اسمه مستعارًا، جاء إلى مصر خلال الحرب العالمية الثانية. نعتقد أنه تهرب من الخدمة العسكرية أو ربما جاء في إجازة. قبل ذلك، كان في فلسطين وسوريا. المهم أنه لم يغادر مصر مرة أخرى. يحب أن يروي السبب. كان في رحلة إلى أسوان. قرر السباحة في النيل وكاد أن يغرق. أنقذه شاب نوبي. ظل مدينًا له طوال حياته. ساعده في اتمام زواجه، وفي تربية وتعليم أبنائه. توفي الرجل النوبي، وواصل السيد بليك إعالة أسرته. عندما مرض هو وكسر حوضه، بقيت العائلة النوبية معه واعتنت به.
كان ظريفًا وشاعراً. ذات مرة، يصف لي مشهدًا لأشباح يراها تمر بمنزله بسلام كل يوم. حكى كم كانوا مجتهدين، ويعملون بصمت. ثم اتضح أنه كان يصف عمال المتجر أسفل منزله وهم يحملون البضائع إلى مخزن السطح. يقضي ساعاتٍ يتحدث عن آثار تدمر والحدود التي عبرها سيرًا على الأقدام… أستاذٌ في علم الموسيقى، يتحدث عن الملحنين كما لو كان يعرفهم شخصيًا: بيتهوفن، شوبان، شوبرت. لو أُقيم حفلٌ موسيقي في دار الأوبرا، لقال: “لكن أوركسترا أوبرا زيورخ كانت ستكون الأفضل لعزف هذه المقطوعة”. مرة كنتُ ذاهبة في رحلة إلى النمسا، طلب مني أن أعده بزيارة دار الأوبرا هناك وأن أحضر عرض هناك. لحسن الحظ، وجدتُ تذكرةً لحضور باليه بحيرة البجع وذهبتُ. متى وأين تعلم الموسيقى؟ لا أحد يعلم.
كان شديد الملاحظة. يُقلّب أوراقه على سطح المكتب، ثم يلاحظ أنني قصصّت شعري، أو أنني ارتديت فستانًا جديدًا، فيُعلّق ويُثني عليّ. كان عمره يتجاوز الثمانين عامًا عندما سقط وكسر حوضه. نجح رئيس التحرير حسني جندي علاجه في المستشفى على نفقة الجريدة بالرغم أنه لم يكن معينًا رسميًا. كنت أزوره مع زميلنا نايجل.
في أيامه الأخيرة، توقف عن الكلام؛ يكرر جملة واحدة: إنه يرى نفقًا مظلمًا. كان خائفًا. الشيء الوحيد الذي كان يريحه هو أن يضع نايجل السماعات على أذنيه ويدير الأوبرا المفضلة لديه. توفي السيد بليك، كل ما عثرنا عليه هو جواز سفر أسترالي. كنا نحن عائلته. بذل السيد جندي جهدًا للتواصل مع السفارة لإيجاد قبر له. جميع صحفيي “الويكلي” ذهبوا لوداعه.
حُذف أرشيف الأهرام الأسبوعي بالكامل من الإنترنت. لا يوجد أي شيء مكتوب عنه. أتذكره كثيرًا. يبتسم ويقول لي إنني جميلة اليوم.
الشيخ علي.. رغبة في البقاء
حاولت جاهدة أن أتذكر اسمه كاملًا. لم أكتبه كعادتي أعلى ملف النيجاتيف. دونت العام الذي صورت فيه (1999) والمكان قرنة حسن فتحي. بحثت عنه في كتاب “عمارة الفقراء” ثم في المواقع المختلفة. تكرر اسم عبد الراضي فهو الرجل الذي احتفظ ببيته كما صممه المعماري الشهير، بعد سنوات قام بترميمه وأسس فيه متحفًا للقرنة وتاريخها وفنونها اليدوية. لكن شيخ المسجد “علي” الذي قابلته لم يرد في أي من المقالات. لم أنسى حكايته. من العائلات التي تسكن قرنة الأقصر، أبوه لم يتاجر بالآثار ولم يحلم باكتشاف الكنز. لذا كان وأسرته أوائل الذين انتقلوا طوعًا الى القرية التي أسسها حسن فتحي بتصميمها النوبي وباستخدام المواد والتقنيات المحلية. كانوا سعداء بالقرية الجديدة وان لم تتضمن البيوت مكانًا لحظيرة المواشي التي أبعدها المعماري عن مسكن الفلاح. شيد بها مسجدًا ومسرحًا ومدرسة للصبيان وأخرى للبنات. كبرت الأسر التي بدأت حياة جديدة وتزايدت أعدادهم. صار نصيب القرية من الماء لا يكفيهم. حين التقيت الشيخ علي كان أبًا لثلاث أولاد متزوجين وجدًا لعدد من الأطفال. حكى لي أن الأهالي تقدموا بطلب رسمي للحي ولشركة الماء وللمحافظة، كل جهة تحيلهم الى الأخرى. لم يتلقوا استجابة لطلبهم مد مواسير جديدة تضخ مياه تكفي السكان. “بيفكروا في القرنة إنها مزار سياحي لكن إحنا أهالي وعايشين فيها من يوم ما اتبنت”. حاولوا مرارًا وعلى مدى شهور ولم ينظر أحد في طلبهم. اجتمعوا وقد فقدوا الأمل. اقترح عليهم الشيخ شراء المواسير بأنفسهم وعلى خطة لتركيبها. سكت وابتسم.. “استنينا يوم 14 والقمر بدر. رجالة القرنة طلعوا في نص الليل واصطفوا. كل واحد عارف مكانه زاي ما اتفقنا. كل واحد حفر تحتيه وركبنا المواسير بأيدينا. صلينا الفجر في المسجد وكنا تمينا المهمة”.
سوزي المصري.. المستمرة
أول قصة سمعتها عنها كانت حين ارتبطا صديقيّ أيمن وماجي. أرادا تصميم خاتمي زواجهما بطريقة فريدة ومبتكرة، فذهبا اليها. لكن بدلًا من أن تصنع لهما الخواتم، قامت باصطحابهما إلى ورشتها وعلمتهما كيفية استخدام الأدوات، ونصحتهما بالعمل بأيديهما. سوزي من أمهر المبدعين في صناعة الحلي، تمزج بين الأحجار والمينا الملونة تلهمها النباتات وروح الحضارات القديمة. خجولة ولا تتحدث عن نفسها أبدًا. حين صوّرتها في دكانها “الخاتون” لصحيفة الأهرام ويكلي، أجابت على الأسئلة بصعوبة وإيجاز. “الخاتون” بيتٌ قديم يقع بين منزلي زينب خاتون والهراوي التاريخيين بمنطقة الأزهر. قامت هي بترميمه وتجديده وافتتحت محلاً فيه. كان واحةً للزوار. الأهم، أنها وظّفت الحرفيين الموهوبين من أبناء المنطقة وساعدتهم في تطوير وابتكار تصاميم عصرية وعملية. أحد الأيام، هاجم بلطجية المكان واستولوا عليه، وتحوّل إلى مقهى. أصبح المنزل التاريخي المُرمّم مكانًا للفحم والنار والشيشة.
كنتُ محظوظةً بصداقتها. عرّفني عليها زوجي، كانا أصدقاء قدامى. ونتيجةً لذلك، حصلتُ على بعضٍ من أروع الحلي كهدايا خطوبة وزواج. كنت أحصل على هديةٍ ثمينةٍ أيضا كلِّ مرةٍ أفتتحُ فيها معرضًا لصوري.
تواصل سوزي دعم وتوظيف الحرفيين الموهوبين. تُبدع حليها مستوحى من التراث المصري بلمسة عصرية مبتكرة. كل قطعة فريدة من نوعها. كما تحافظ على تواضعها، وتبيع منتجاتها بأسعار في متناول اليد، ولا تتباهى بفنها أبدًا.
مصطفى المسلماني.. الفن هدية لمن يحب
على مدى سنوات ألقاه مصادفة. في وسط المدينة. أغلب الأوقات جالسًا في مقهى زهرة البستان. عادة بصحبة فنانين وكتاب. قليل الكلام، كثير الابتسام، ولا أعرف عنه الكثير. درس الفن في الاتحاد السوفيتي، وعاش سنوات خارج مصر، له ابن وحيد.
مصطفى حفيد الرجل الاسكتلندي الذي جاء مع الاحتلال البريطاني ليبني السكة الحديد فوقع في عشق البلد. بنى بيتًا في مدينة “قليوب” بالقرب من محطة “بنها”. أسلم وغير اسمه تزوج مصرية وبقي هنا. ورغم هوسي بالقطارات والسكك الحديدية، حاولت معرفة تفاصيل القصة وفشلت.
مرة حضرت معرضًا للوحات مصطفى المسلماني (1959 – 2008) وتسمرت أمام لوحة. وقعت في غرامها. لاحظ شغفي بها وقال هي لك. لم تكن ميزانيتي تسمح باقتناء لوحات. سعدت بالمجاملة. ظللت أجلس إليه في المقهى أحاول استدرار قصة الرجل الذي بنى السكة الحديد. جده.
عشت وزوجي عامًا في الجزائر تعرفت فيها على زوجته الشابة الجميلة الفنانة نانسي عبد الفتاح حين جاءت مصاحبة لوفد مصري في زيارة الجزائر. عدت ألتقي بهما مصادفة في وسط المدينة. دعاني لمعرض جماعي له وللفنانين عمر الفيومي وعاصم شرف في أتلييه القاهرة. وأخبرني أن به أعمال جديدة بالإضافة لجزء استعادي لأعمال عرضت من قبل. كانت اللوحة التي فتنتني معلقة وسط اللوحات. كان على إطارها نقطة حمراء علامة على أنها بيعت. ضحكت وسألته من سعيد الحظ الذي استطاع شرائها. قال النقطة الحمراء موجودة لأنها لوحتك. حجزتها لك من سنوات حين قلت انها أعجبتك تعالي خذيها آخر يوم في المعرض. لم ألحق آخر يوم في المعرض. اتصل وقال تعالي خدي اللوحة من البيت. حاولت معرفة سعر اللوحة. حين فشلت حملت معي مبلغًا ورحت لزيارته. بقينا أربع ساعات في جدال. لن يقبل بأي نقود. لا يبيع لوحاته. لم يتقاضى مرة حق لوحة. يفرح بإهدائها لمن يحبها. لم أقبل أن أستلمها أنا أيضًا إلا حين وافق على فكرة التبادل. حملت لوحتي وانتظرت وعده بزيارتي خلال أسبوع واختيار صورة تعجبه من صوري. لم يمر الأسبوع. تعب مصطفى ورحل قبل أن يختار صورة.
عدلي رزق الله.. الناصح
أمسك يدي ودار بي يشرح لي اللوحات وعلاقتها بالقصص في معرض “دار الفتى العربي” الأول في بيروت مطلع السبعينيات. كنت في العاشرة و”عمو” عدلي رزق الله (1939- 2010) من العارضين ومن أوائل الفنانين المتعاونين مع دار النشر المتميزة والمختصة بكتب الأطفال والفتيان. تمر السنين وأعمل أنا بالدار بعد حصولي على شهادة الماجستير ويصبح عمو عدلي –مديري– والمشرف على الكتب التي أقوم بإخراج صفحاتها. علمني الكثير. لم يضن بمعلوماته عن إخراج الكتب ولا بأفكاره عن الفن والعلاقات والحياة. ساعدني في عرض صوري ومشروع التخرج في أول معرض لي. عرفني على السيدة ناهد أبو النجا المسئولة والقيمة على قاعة عبد المنعم الصاوي في مدينة نصر. رحبت بي وأعطتني فورًا القاعة كلها لأسبوع أفعل بها ما أشاء وأنا المبتدئة غير المعروفة في الأوساط الفنية. طبع لي الصديق رامز إلياس بطاقات الدعوة. أمضيت أيام طويلة في اختيار أغاني معبرة عن الفترة التي يتحدث عنها أصحاب الصور لتكون شريطًا صوتيا مصاحبًا للصور.
بعد دوام العمل كثيرًا ما كان يدعوني للغذاء معه في مقهى ريش. يطلب لنا حمام محشي ويكمل حديثًا بدأه في المكتب عن الكتب وفلسفته في الحياة.
تأخرت مرة في تسليم عمل طلبه مني. أغلقت باب مكتبي وبقيت أعمل ساعات بعد الدوام. لم أنتبه أن ضيوفًا من القدس وصلوا الدار. فتح الباب صارخًا: “مطبعة ايه اللي مش حنلحقها قومي اسمعي الراجل بيقول ايه. شوفي فلسطين في حكاياته وشميها في هدومه”.
أحيانًا كنت أزوره في مرسمه في المسافر خانة. يوما حملت له كتابًا من تصميمي أعجب به وقرر أن يهاديني. كان أمامه لوحة من كتابه “القط يحب الغناء” وقال لي: “أنا القط اللي قاعد في الواحة باراقب النخل أنا حاجيبك تقعدي معايا”. وأمسك بريشته وأضاف قط ثان في اللوحة الأصلية وأهداها لي.
رفيق.. الرفيق
في الشارع الرئيسي خلف بيتي محل بقالة عتيق. بدأ خدمته للسكان في 1921. صاحب البقالة والشباب العاملين بها في منتهى اللطف ودائمًا ما يرغبون في المساعدة. يبتاعون لي الخبز من الفرن والدواء من الصيدلية في طريقهم اليّ. يبحثون عن طلبي في الأسواق حين لا يتوافر لديهم. يشترون الجبن الريكوتا قبل رمضان لي خصيصًا لمعرفتهم أنني سأحشو القطائف بها. أستعير منهم السلم الطويل كي أستطيع تغيير اللمبات في سقفي العالي. يرسلون لي رسائل في الأعياد والمناسبات ويسألون عني حين أغيب عنهم.
كل عيد أم أجد أحدهم يحمل لي باقة زهور جميلة. قبل أسبوع من “شم النسيم” الماضي سألتهم عن ألوان للبيض. ابتسموا وحكوا لي عن تقاليد البيض والفسيخ والرنجة في قراهم وعن ولائم الطعام في العيد قبل شم النسيم. دعوني لأقضي العيد معهم. اعتذروا لي عن عدم توفر الألوان في الدكان.
ليلة السبت عائدة إلى بيتي مشيًا من بيت أخي القريب. كان الوقت متأخرًا والدكاكين أغلقت أبوابها من ساعات. قبل أن انعطف الى اليسار وعلى عتبة البقالة المغلقة يهلل رفيق في الظلام “أخيرًا جيتِ. كلهم سافروا عشان النهاردة ليلة العيد وأنا فضلت مستنيكِ. جبنالك ألوان البيض من الموسكي هدية”.
هاني شكرالله.. الصديق
في عام 1982، بينما كانت الحرب مشتعلة في لبنان. الإسرائيليون يحاصرون بيروت بشعبها ومقاوميها، كان مكتب “دار الفتى العربي” للنشر، يعج بأشخاص يحبون فلسطين ولبنان ويحاولون المساعدة بكل ما في وسعهم. كان دوري هو التقاط الأخبار من جهاز التلكس وقص كل خبر على حدة. الأكثر خبرة منا يقومون بتحرير الخبر وتدوينه وحفظه. خلال فترات الاستراحة، كنت أُغني أناشيد الشيخ إمام للعاملين في المكتب، كنت مراهقة ذات ضفائر.
أحد الأيام، دخل شخص يعمل في أمور أهم من قص الورق وسأل: “مين البت دي؟” منذ ذلك اليوم، صرنا أصدقاء. لسنوات عديدة بعدها عملت مع هاني شكر الله (1950- 2019) في “الأهرام ويكلي”، ثم مرتين في جريدة الشروق -في بداياتها عام 2007 وعندما قرروا إصدار مجلة أسبوعية لم تر النور- قبل ذلك وبعده، كنا أصدقاء. عاش معي كل لحظة عندما ذهبتُ إلى غزة لأول مرة عبر الهاتف المحمول، وفي كل مرة كنتُ أذهب فيها إلى فلسطين، كان يُخبرني أنه يحلم بالذهاب. اتفقنا على تناول السمك معًا في غزة يوماً ما.
أول من شجعني على الكتابة. لسنوات، كلما أرسلت له فقرة كتبتها يقول لي: “كتابتكِ رائعة يا بنت”. رغم تباعد لقاءاتنا، إلا أن متابعة أخبار بعضنا دائمة لم تنقطع. رحل عن دنيانا باكرًا – زرته يومها وودعته الوداع الأخير.
كلنا سنموت، لكن في هذا العالم هناك من يعرفك جيدًا ويحبك، ويمنحك هوية. هوية أهم من جميع جوازات السفر والوثائق الرسمية في العالم. كان هاني واحدًا من هؤلاء الأشخاص في حياتي. سيكتب الكثيرون عن أهميته في النضال والصحافة. وسأفتقد الصديق الحميم الذي معه أكون “أنا”.
أمنا إيريني.. طاقة محبة
بين عامي 1999 و2000، تم تكليفي بتصوير عدة أديرة لملف أعدته الزميلة ماريز تادرس. في كل دير كنا نستقبل بالترحاب والكرم. قمنا بزيارة أسيوط وبلقاس ودير الملاك. وكانت إحدى الرحلات إلى دير أبو سيفين في القاهرة القديمة.
انتابنا شعور بالإثارة الشديدة لأننا مقدمون للقاء الأم إيريني (1936- 2006)، المعروفة بالمعجزات. في ذلك اليوم قرر رئيس التحرير حسني جندي وزوجته مشيرة أن يرافقونا لزيارة الراهبة الطيبة رئيسة الدير والتعرف عليها. شعرت بخيبة أمل لأن رئيس الدير رفض أن ألتقط لها صوراً ولم يسمح لي إلا بتصوير الدير صور عامة.
حاول السيد حسني ثنيه عن رأيه وفشل. بعد زيارة المكان سمح لنا بشرف لقائها في المكتب بحضوره –دون تصوير- اعتذرت الأم إيرينى لعدم السماح لنا بتصويرها. حدثتنا عن تاريخ الدير وبناتها الراهبات الصغيرات.
في نهاية زيارتنا، كانت لديها هدية لكل واحد منا. سادت حالة من التوتر في المكان. همست السيدة مشيرة بشيء في أذنيها. سرعان ما فهمت شعورهم بالحرج. كنت المسلمة الوحيدة، لكن رد فعل الأم إيريني كان سريعًا. ابتسمت ونهضت لتجلس بجانبي. أهدتني زجاجة الزيت المبارك كغيري من الناس. ربتت على رأسي ودعت من أجل صحتي وسلامتي.
في المعمل وأنا أحمض وأطبع الصور اكتشفت هدية ثانية منها. ظهرت في لقطة للدير –بعيدة وان كانت قريبة لقلبي فقد حملت طاقة محبة وإشارة أن الجمال الحقيقي قد يكمن في الشعور الذي نلتقطه، وليس في التفاصيل التي نراها.

















