ما يعرفه الضوء عنّا

اقتنعتُ في النهاية أنّ الصور التي التقطتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كانت تُراكِم قراري بالعودة دون جهد أو تفكير
ــــــــ البيت
5 ديسمبر 2025

أعودُ إلى إحدى الصور باستمرار، تظهر فيها مائدة عيد ميلاد، قالب غاتوه أبيض حضّرته أمي وعليه بضع شمعات مائلة نحو جهة واحدة. في المشهد أفراد من عائلتنا الكبيرة مجتمعون حوله، بعضهم يبتسم وآخرون ثُبّتوا في حركة غير مكتملة.. إذا هززتُ رأسي قليلًا ستبدو اللحظة نفسها متحرّكة. أقلب الصفحة وأعود، الألوان باهتة، والألبوم يُثقل ركبتي. كان ذلك درسي الأوّل عن أنّ الأشياء تمضي.

لم أكن دائمًا منجذبًا إلى الصور نفسها، بل إلى الطريقة التي وُجدت فيها في بيتنا. اعتمد والداي طرقًا عدّة لتنظيمها، أحيانًا يُخصص الألبوم إذا كانت صفحاته قليلة، إلى مناسبة واحدة كعرس أو خطوبة. وفي ألبومات أخرى وضعا صورًا لا يربطها شيئًا سوى أنّها التقطت في السنة نفسها. دوّنت أمّي كلّ شيء بخطّ يدها؛ الوجوه والأسماء والتواريخ. بالطبع لم تتسع الألبومات لكلّ الصور التي التقطها والديّ ووثّقا فيها كلّ ما يمكن وما لا يمكن تصويره.

بقيت بعض الصور في الأظرفة التي كان صاحب الأستديو يضعها فيها بعد تظهيرها خلال التسعينيات. ربّما لأن هذه الصور لم تجد مكانها في مناسبة واضحة، بل كانت عبارة عن لقطات ليوميات عاديّة. خارج الألبومات، بدت هذه اللقطات ضائعة، لأنّها لم تكن تسعى وراء الاستثنائي، بل احتفظت بمشاهد عابرة.. بعد ظهر بطيء، يلي العودة من المدرسة، لقاءات العائلة من دون مناسبة، والإيماءات التي صنعت أيدي أصحابها. وفي واحدة من هذه الصور، يظهر أبي جالسًا على الكنبة بينما يحيطه من الجانبين جسدا رجل وامرأة واقفين، يرفع أبي الكاميرا إلى وجهه ويبدو أنّه يصوّر من يقوم بتصويره.

خضع بيتنا في قرية جون في قضاء الشوف لورش ترميم عدّة، وفي عملية الترميم الأخيرة، وضعنا الصور والألبومات في محفظة كبيرة في إحدى الغرف كي لا يصلها الطلاء. لم تكن بيوت العائلات المتوسّطة في القرى اللبنانية تُبنى دفعة واحدة. كانت تنمو ببطء، وفق الحاجة وضمن تصميم بسيط يتولّاه أفراد العائلة. يبدأ الأمر بغرفة أو غرفتين، تكفيان للعيْش، يصاحبهما مطبخ صغير وحمام. ومع ولادة الأطفال تُضاف غرفًا جديدة.

عبرَت وجوه كثيرة البيت، أكان عبر صور الألبومات أو من خلال من سكنوه. ورغم كلّ التعديلات التي حلّت بمنزلنا، احتفظت العديد من الغرف بأسمائها الأصلية. الغرفة التي قضت فيها جدّتي سنواتها الأخيرة، ما زالت تُسمّى «أوضة الحاجة». لم يتغيّر فيها شيئًا سوى أن جدّتي نفسها غادرت، فباتت مساحتها مخصّصة للضيوف. ومنذ نحو اثني عشر عامًا، ورثتُ غرفة جدّة والدي الحاجة فاطمة التي لم أرها يومًا، وحوّلتها إلى مكتب أعمل فيه.. إلا أن العجائز في حيّنا ما زالوا يسمونها «غرفة الحاجة فاطمة».  

يشيح العجائز عن التغيرات التي حلّت بجون، ويصرّون على التنقّل بين أماكن يعرفونها بأسمائها القديمة، كأنّهم فقدوا القدرة على رؤية ما نراه. ربّما تتّفق نظراتنا في النهاية على تفاصيل بسيطة مثل رؤية ضوء الشمس الذي ما زال يعبر كما كان يفعل دائمًا من شرفتنا عند العصر، قبل أن يتسلّل نحو الجدران الداخلية للغرف مع نهاية النهار.

التقطتُ صورًا قد لا تجد مكانها في إطار محدّد، بل تبدو فالتة تمامًا مثل الصور التي تُركت في الأظرفة وخارج الألبومات. صور تتبع لحظات عابرة، وأجساد متحرّكة، وضوء يخبو كلّ نهار. ربّما لهذا وجدتُ نفسي مصّورًا، لأنّ هناك ما لا يمكن قوله إلا عبر الضوء واللون، وعبر الصمت.. وما لا يمكن حفظه إلّا حين يتحوّل إلى صورة تقاوم الاختفاء وتعلنه في الوقت نفسه.

أصوّر لمحاولة فهم التحوّل الخفي الذي يصيبنا مثلما يصيب كلّ ما حولنا، ببطء شديد غالبًا، وللاحتفاظ بكلّ ما كان موجودًا دائمًا، لكنّه ينتظر فقط أن يُرى.

بعد أعوام أمضيتها في بيروت، رجعتُ مؤخّرًا إلى قريتي جون. أفرغتُ منزلي المستأجر في منطقة فرن الشباك وعدت. اقتنعت في النهاية أنّ هذه الصور التي التقطتها ليوميات القرية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كانت تُراكِم قراري بهدوء، دون جهد أو تفكير.