من يسدّ عطش عمتنا النخلة في ليوة؟

موسم جني التمور الذي انتظرته العام الماضي في بلدية ليوة، لم يأتِ.. مشيت في الصحراء الجزائرية بلا علامةٍ واضحة أتّبعها سوى جذوع النخيل اليابسة، والأرض القاحلة التي لم تعد تروي النظر
ــــــــ العملــــــــ المـكـان
28 أغسطس 2025

ترتبط مصائر أبناء بلدة ليوة بمراحل نمو  أشجار النخيل ومواسمها التي تصنع إيقاعًا خفيًّا لحياتهم. اعتدتُ أن أزور القرية الواقعة في الجنوب الغربي لولاية بسكرة الجزائرية في فتراتٍ متباعدة. مع الوقت، تصبح زيارة هذه القرى النائية (تبعد 320 كلم عن العاصمة الجزائرية) مقتصرة على بعض المناسبات الحزينة بمعظمها. زرتها العام الماضي للمشاركة في عزاء ابنة عمتي التي توفّيت بعدما عانت من المرض.

لدى انقضاء مراسم الحداد، لم أفوّت فرصة تواجدي في القرية التي تزامنت مع فترة التحضير لموسم جني التمور، وهي تتراوح عادة بين شهري أيلول (سبتمبر) وتشرين الأوّل (أكتوبر) من كلّ عام. في أيّام كهذه تُسمع الجلبة في ليوة على غير عادة، يبلغ النشاط ذروته، ويجد أبناء القرية سببًا لكسر الهدوء الذي يسيطر عليها في أيام السنة. ولعلّ موسم الحصاد هو الحدث الكبير الوحيد الذي تشهده القرية، والذي يلي عامًا كاملًا من العمل والعناية بأشجار النخيل. هناك مراحل على المزارعين أن يعبروها؛ الري والتسميد وإزالة السعف التالفة أو المصابة، ثمّ تلقيحها. يمضي أصحاب البساتين وسكان القرية أيّامهم توقًا لرؤية محاصيل التمر والبلح بين أيديهم أو في الأسواق، ليتمكّنوا من تكريس أنفسهم لحياتهم. فعادةً ما تُؤجّل حفلات الزفاف أو بناء البيوت الجديدة إلى ما بعد انتهاء موسم جني التمور ومعرفة نتائج المحصول.

لا عزاء للأشجار

ما انتظرته العام الماضي لم يأتِ… بدا كأنّه سيناريو مُختلَق، حتى شككت بأن ذاكرتي تتضلّلني. مشيت في بساتين مهجورة، بلا وجهةٍ واضحة، خطواتي يقودها الذهول وانعدام الثقة. انتقلت من عزاءٍ إلى آخر غير مسموع. عرفت بوفاة ابنة عمّتي عبر الهاتف ولم أعرف باحتضار أرض ليوة الزراعية إلا عندما رأيتها. حملَت التربة ندوبًا جديدة بحجم تشقّقات قاتمة، تغطّيها أحيانًا جذوع نخيل يابسة ملقاة على الأرض. صارت بساتين البلح خرابًا، أرضًا قاحلة لا تروي النظر بعدما أصابها العطش بأمراضٍ مميتة.

تمر النور

يعتمد القطاع الزراعي الجزائري، خصوصًا في الولايات الصحراوية الشمالية والولايات الصحراوية الجنوبية، على إنتاج التمور، إذ شهدت الفترة من 2010 إلى 2019 نموًا إضافيًا في الإنتاج، فارتفع من 644.7 ألف طن إلى 1.13 مليون طن.

أنجبت بطن الصحراء (18 مليون نخلة في الجزائر) عشرات الأنواع من التمور مثل “المجدول” و”غرس و”دقلة بيضاء”، لكنّ أبرزها “دقلة نور” التي لم تنافس الجزائر إلا نفسها في إنتاجها، لتفرّدها بميزات فريدة. تُعرف “دقلة نور” بأصابع الذهب أيضًا وتستمدّ اسمها من الضوء، كون لونها يتراوح بين الأحمر والأصفر فيما تحتفظ بغلاف شفّاف ونكهة عطرية يطول بقاؤها في الفم. ولها أيضًا قصة طويلة مع التاريخ والجغرافيا كونها تعتبر من أجود الأنواع عالميًا، ولا تزال تشكّل النسبة الأكبر من صادرات التمور الجزائرية التي تبلغ آلاف الأطنان إلى الأسواق العالمية. اصطدم هذا الانتاج الضخم بواقع وباء كورونا عام 2019، جرّاء الحظر المفروض على التصدير حينها، مثل التأخيرات وارتفاع التكاليف وعدم انتظام الشحن إلى الخارج. ويمكن القول إنّ سوق التصدير لا تزال تعاني حتى اليوم من حيرة في التعامل مع الكميات الهائلة رغم جهود الحكومة الجزائرية للبحث عن أسواق جديدة للتصدير، ما أضاف عبئًا آخر إلى هموم الفلاحين.

منطقة تفقد اسمها

يحتفظ أبناء ليوة بصورة عنها في ذاكرتهم. يتّفقون على اعتبارها جنّةً خفيّة. هكذا كانت في السابق.. بساتين النخيل تفوح منها رائحة البلح الناضج، الذي كان ينمو برخاء سماوي يأتي مع المطر قبل أن تسجّل نسبة هطوله تراجعًا حادًّا في كامل ولاية بسكرة بسبب التغيّر المناخي. فوفقًا لبيانات محطة الأرصاد الجوية، بلغ إجمالي كمية الأمطار في بسكرة لعام 2023 نحو 27.67 مم. حصل هذا الانحدار الهائل تدريجيًا، خلال العقدين الفائتين، بعدما كانت نسبة الأمطار تفوق الـ 200 مم في عام 1996. كانت المنطقة بأكملها تلقّب في السابق بعروس الزيبان، التي تعني باللهجة الجزائرية الجنوبية عروس واحات الصحراء لكثرة المياه وأشجار النخيل فيها.

لم يبحث أحد عن اسم جديد لها حين شحّ ماء السماء، وجفّت الآبار، وانعدم معهما أمل السكان بمستقبلٍ واضح في القرية.

اعتمد المزارعون في السابق أساليب ريٍّ تقليديّة عدّة، ربّما أكثرها شيوعًا هي الفقّارات التي كانت تُستخدم لنقل المياه الجوفية إلى المناطق الصحراوية. ومع وصول الكهرباء إلى المنطقة خلال الثمانينيات، طوّروا أساليب حديثة منها التنقيط بالقطارات التي تستهدف البقع المزروعة لا سواها، ما يقلّل الهدر. كان ذلك في أيام سابقة انتعش فيها إنتاج التمور في الولاية بأكملها، لتصل إلى 31% من نسبة إنتاج التمور في جنوبي شرق الجزائر.

من أين نأتي بالماء؟ لم يسأل المزارعون هذا السؤال مباشرة، لكنّهم منذ الجفاف الهائل الذي بدأ يمتصّ خضرة المنطقة شرعوا يبحثون عن الماء في كلّ مكان. أمامهم خيارات معدودة وشاقّة؛ تكلفة الآبار العميقة مثلًا باهظة الثمن، خصوصًا أنّ المياه لم تعد تظهر في المستويات الجوفية السطحية. ومن لا يمكنه ذلك، يلجأ إلى نقلات المياة التي تُكلّف الكثير من المال رغم أنّها ليست الخيار الأمثل للمساحات الزراعية الشاسعة. الحل الوحيد لمشكلة الجفاف هو أن تتولى الدولة حفر بئرين أو ثلاثة في المنطقة، خصوصًا أنّ المياه التي يصل عمقها إلى 15 أو 20 مترًا، تكون مشبعة بالملح وغير صالحة للاستهلاك أو لري بساتين النخيل.

التقيتُ فلاحين خمسينيين هناك، واعترف أحدهما بأنه يستخدم سرًّا قناة الصرف الصحي لكي يروي أشجار النخيل. بصرف النظر عن الضرر الذي يصيب الأشجار قبل البشر، إلّا أنه حل يعكس يأس أبناء ليوة من رؤية الأشجار تتهاوى أمام أعينهم، فقد راجت هذه الوسيلة في بساتين النخيل جنوبي شرق الجزائر كطريقة وحيدة لمواجهة القحط واليأس.

دوام مستجدّ في المقهى

خلال موسم الجني في العادة لن تجد مزارعًا مكتوف الأيدي، بيد أنّهم، اليوم لا يتردّدون في إطالة الجلوس في المقاهي، يحدّقون بحسرة بمساحات النخيل الجافّة الممتدّة أمامهم، ويتذمّرون من خسارتهم لمصدر رزقهم شبه الوحيد. لقد لاحظتُ أنّ كل عائلة بات لديها شخصًا أو اثنين بلا عمل. بحثت عن شبان كنت أعرفهم في ليوة، لكن لم يعد لهم وجود فيها.. غادر كل منهم إلى وجهةٍ مختلفة، بعيدة ربّما، سعيًا وراء فرص عمل مضمونة. التقيت الشاب “العرافي”، وهو أحد اقربائي، الذي ورث اسم جدّه العرافي (كان من أكبر مالكي بساتين النخيل)، وأبدى إحباطه مرارًا بسبب ما آلت إليه الأوضاع في ليوة. لم يفوّت فرصة لسؤالي مرارًا عن كيفية الحصول على تأشيرة للسفر، والوثائق المطلوبة، والبلدان التي قد تقدّم له عملًا.

غادرت ليوة بعدها، من دون أن أحضر موسم الجني الذي لم يأتِ.