خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

طبقات العطش في تونس

تعمّق أزمة الماء في تونس مظاهر اللامساواة من أكثر من زاوية: بين الأغنياء والفقراء، بين الساحل والداخل، بين الشمال والجنوب، وبين الريف والمدينة. وعلى أساس هذه الفوارق تُرسم أولويات الدولة في التزويد والمراقبة والتدخل.
ــــــــ حالة أرض
11 فبراير 2026

 ما يزال التونسيون حتى اليوم يدفعون فاتورة السبعينات، حين وقعت الدولة في نشوة الانفتاح الليبرالي واتكأت في نهضتها السياحية والصناعية على استغلال مفرط للثروات المائية، تزامنًا مع تأسيس شركة «صوناد» عام 1968، فتحولت النهضة بمرور السنوات إلى فخٍ مائي، لتجد تونس نفسها منذ ثلاثين عامًا حبيسة قوائم تضم 27 دولة تعيش تحت وطأة «الضغط المائي»، حيث كميات المياه الجوفية المستخرجة تفوق قدرة هذه الموارد على التجدد.

تقاطعت خلال السنوات الماضية عوامل طبيعية وبشرية: تراجع كميات الأمطار، واهتراء منظومة استغلال وتوزيع المياه، إضافة إلى الفساد الإداري والسياسي، فحوّلت الماء إلى معضلة تهدد حياة الناس والاقتصاد والسلم الاجتماعي. ومع هيمنة منطق السوق ورأس المال، اختلطت الأوراق وأُعيد ترتيب أولويات التزويد بالماء وفق منطق العرض والطلب، إلى درجة أصبح فيها الحق الدستوري في الماء شعارًا يصطدم بواقع تتعدد فيه الأطراف المتحكمة، ويتراجع فيه دور القانون إلى أداة أخرى لترسيخ الهيمنة.

قبل كل شيء.. من يمتلك الماء؟

في الأحياء الشعبية، ينتشر منذ سنوات باعة الماء المتجولون بشاحنات تحمل صهاريج، يبيعون اللتر الواحد بنحو 200 مليم، أي حوالي خُمس سعر لتر المياه المعلّبة في المساحات التجارية. ويتفق كثير من التونسيين على أن جودة مياه الحنفية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تراجعت تدريجيًا خلال العقدين الأخيرين، لتصبح في نظرهم غير صالحة للشرب تقريبًا، أو «ثقيلة» على المعدة في أحسن الحالات، حتى في مناطق كانت تُعرف تاريخيًا بعذوبة مياهها. 

قبل أيام، أصدر المرصد التونسي للمياه تقريره السنوي لعام 2025، والذي يوثق وضع المياه بحسب تبليغات المواطنين. وقد سجل المرصد خلال عام واحد 3064 بلاغًا توزعت بين اضطرابات التزويد والانقطاعات، وسلامة الشبكة الوطنية، وجودة مياه الشرب، وهو الوضع الذي دفع المواطنين للاحتجاج، إذ سجل المرصد 170 تحركًا احتجاجيًا، وهو ما اعتبره مؤشر مباشر على تزايد الاحتقان الاجتماعي نتيجة عدم استقرار التزود بالماء.

دعم هذا التقييم تقرير المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في مياه الشرب والصرف الصحي خلال زيارته لتونس في يوليو/ تموز 2022، إذ أشار إلى تدهور المعايير بسبب تقادم شبكات التزويد. 

أما من حيث الكميات واستمرارية الخدمة، فقد أصبحت الانقطاعات المتكررة للمياه مشهدًا يوميًا في العديد من المحافظات، ليس في المناطق البعيدة فقط، بل حتى في الولايات القريبة من العاصمة مثل بن عروس، التي تسجل بانتظام إحدى أعلى نسب الانقطاع في البلاد.

هذا التدهور في الجودة والتوافر يدفع المستهلك التونسي إلى البحث بنفسه عن مصادر بديلة للماء الذي يشربه ويستعمله في الطبخ والتنظيف. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع استهلاك المياه المعلّبة من 87 لترًا للفرد سنة 2010 إلى 244 لتر سنة 2025، ، في حين لا يتجاوز المعدل العالمي 40 لترًا للفرد،  لتحتل تونس بذلك المرتبة الرابعة عالميًا في استهلاك المياه المعلّبة. هكذا تحوّل استهلاك المياه المعلّبة من عادة مرتبطة بالفئات الميسورة إلى جزء من السلوك اليومي لشرائح واسعة من السكان.

أمام الطلب المتزايد على المياه المعلّبة، تسارع القطاع الخاص إلى دخول هذا السوق، سواء لتلبية الاستهلاك الداخلي أو للتصدير نحو ليبيا. ارتفع عدد وحدات التعليب الخاصة (خطوط إنتاج وتعليب المياه التابعة لشركات خاصة) من 5 وحدات سنة 1985 إلى أكثر من 30 وحدة سنة 2020، بعد فتح المجال لخصخصة القطاع سنة 1989، حسب تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ووفق المعايير الدولية، لا ينبغي أن يتجاوز الإنفاق على مياه الشرب 3٪ من دخل الأسرة، لكن التقديرات في تونس تشير إلى أن العائلة المكوّنة من خمسة أفراد قد تنفق حتى 12٪ من دخلها على الماء، كما يقدّر رئيس المخبر بمركز بحوث وتكنولوجيا المياه د. حمزة الفيل.

ولا تنتشر في تونس ثقافة معالجة مياه الحنفية منزليًا كما هو الحال في بلدان عربية أخرى مثل مصر. ومع ارتفاع كلفة المياه المعلّبة، اتجهت الفئات ذات الدخل المحدود إلى بدائل أخرى، أهمها محلات تحلية مياه الحنفية، والشاحنات المتجولة التي يروّج أصحابها لمياه «عيون جبلية». ورغم إقبال جزء من المستهلكين على هذه الخيارات، فإنها تظل خارج أي إطار واضح للتنظيم والرقابة، وتُعَرض أحيانًا لحملات تشهير في تقارير تلفزيونية ترصد مخالفات صحية لدى بعض الباعة. في المقابل، يُطرح سؤال قلّما يُناقش جديًا: ماذا عن المخاطر المرتبطة بالمكوّنات الميكروبلاستيكية في المياه المعلّبة، خاصة عندما تُخزن القوارير لفترات طويلة تحت الشمس؟

الماء واحد، والمتدخّلون كثر

«معامل الماء هم اللي قضوا عمدًا على الصوناد»(١)، هكذا يلخص كمال، صاحب صهريج متنقل، رؤيته للوضع، متهمًا أصحاب رؤوس الأموال بالتسبب في تدهور جودة مياه الحنفية وافتعال الأعطاب في شبكة التوزيع. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من اختزاله في طرف واحد، بحكم تعدد الجهات المتدخلة في قطاع المياه.

قانونيًا، تتولى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مسؤولية الحفاظ على الموارد المائية واستغلالها وإيصال المياه الصالحة للشرب إلى المواطنين. لكن هذا الإطار الرسمي لا يغطي كامل التراب التونسي. ففي المناطق الريفية والمساحات الفلاحية السقوية، تتكفل «الجمعيات المائية» (GDA) بتزويد الأهالي بالماء، وهي هياكل محلية يشرف عليها متطوعون من السكان، مستفيدين من معرفتهم بعدد المتساكنين وخصوصيات كل منطقة. 

يبلغ عدد هذه الجمعيات حوالي 2500 جمعية، تعاني أغلبها من شلل شبه تام بسبب ديون متراكمة لدى شركة الكهرباء، ما دفع الدولة أكثر من مرة إلى التدخل لتسوية جزء من هذه الديون. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الجمعيات من حل محلي إلى عبء إضافي على الفلاحين وسكان الأرياف، ومصدر تذمر متزايد، كما سيظهر في الأمثلة اللاحقة.

يرى غالبية الخبراء البيئيين في تونس أن الحديث عن «مؤامرة» لدفع التونسيين إلى هجران مياه الحنفية مبالغ فيه، ويشيرون إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بعمر الشبكات. فبحسب المعايير الدولية، العمر الفني لمنظومات توزيع المياه يتراوح بين 20 و30 سنة، في حين يرجع تاريخ وضع قنوات توزيع الشركة الوطنية إلى ستينات القرن الماضي، أي مباشرة بعد الاستقلال، مع نسبة صيانة سنوية لا تتجاوز 1٪ من إجمالي شبكة التوزيع التي تمتد على نحو 48 ألف كيلومتر.

ومع إصرار الدولة على إدارة الشركة باعتبارها مرفقًا عموميًا سياديًا، فإن ضَعف الموارد المخصصة للصيانة والتجديد يؤدي سنة بعد أخرى إلى تدهور الخدمات. وبينما تروّج الحكومات لحملات التوعية بترشيد استهلاك الماء، تُهدر قرابة 40٪ من مياه السدود وقنوات التوزيع بسبب الأعطاب والتسربات، التي يتأخر إصلاحها نتيجة نقص المعدات والإمكانيات البشرية.

تُرجع السلطات الانقطاعات المتكررة إلى تراجع معدلات تساقط الأمطار ونقص امتلاء السدود، لكن خبراء عديدين يعتبرون هذا التفسير ناقصًا، ويربطون الأزمة بخيارات الدولة الاقتصادية وارتباطها بتوصيات المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك السياسات المتعلقة بإدارة الموارد المائية. من بين هؤلاء الخبير في المياه ناجح بوقرة، الذي يرى أن كثيرًا من المؤشرات حول نصيب الفرد من المياه «مُسيّسة» أو «مُوجهة»، وتُستخدم لتبرير مشاريع تمويل ضخمة لصالح شركات أجنبية في مجالات مثل الري الموضعي، والصرف الصحي الخطي، ومحطات التحلية، وهي مشاريع لا تحتوي على قيمة مضافة أو جدوى اقتصادية بل تمثل فقط فرصًا اقتصادية واستثمارية لشركات الدول المانحة للقروض.

قانون لصالح من؟

سُجّل خلال سنة 2024 نحو 2670 تبليغًا عن انقطاع المياه موزعة على مختلف محافظات البلاد، رقم يصعب استيعابه في بلد طالما قدّم نفسه كنموذج مبكر في المنطقة في مجال البنية التحتية وقنوات الماء والصرف الصحي. لكن هل اهتراء منظومة التوزيع وحدها كافية لتفسير هذه الأرقام؟

جزء من الإجابة يأتي من ولاية زغوان، المعروفة تاريخيًا كـ«عاصمة الماء»، حيث تنتصب أربع شركات كبرى لتعليب المياه: «برستين»، «كريستالين»، «أكوالين»، وآخرها «فيفيان» التي حصلت على ترخيص من ديوان المياه المعدنية سنة 2017، في سياق توسع ملحوظ في منح الرخص (10 رخص بين 2016 و2021). ترافق هذا التوسع مع شبهات فساد في منح رخص حفر الآبار العميقة ومدى احترامها لمعايير حوكمة الموارد. من بين هذه الحالات شركة «برستين»، التي تستغل بئرًا عميقة في المنطقة الأثرية الرومانية المعروفة بـ«معبد المياه»، غير بعيد عن مضخات الشركة الوطنية، وتستهدف إنتاج 8 آلاف قارورة في الساعة و40 مليون قارورة سنويًا. ويذكر رئيس مجمع التنمية الفلاحية عبد الوهاب البرقاوي أن مندوبية الفلاحة رفضت في البداية طلب أحد المستثمرين بسبب شح الموارد في المنطقة، قبل أن يحصل المستثمر نفسه لاحقًا على الرخصة بالوثائق ذاتها.

مع تزايد الضغط على المائدة المائية، بدأ سكان زغوان يحتجون للمطالبة بحقهم في الماء الصالح للشرب والحفاظ على زراعتهم العائلية غير الموجهة بالضرورة للربح. يؤكد الأهالي أن انقطاعات المياه تكثّفت بعد شهرين فقط من بدء نشاط شركة «برستين»، مكذّبين رواية الشركة الوطنية التي عزت الانقطاعات إلى «أشغال صيانة» لتغيير مضخة البئر العميقة بمعبد المياه.

ومع تجاهل السلطات لمطالبهم بوقف الاستغلال المفرط للآبار، وعدم حماية المبلّغين عن التجاوزات القانونية في عمق الحفر وحدود الاستغلال، لجأ الأهالي مرارًا إلى قطع الطرقات والاحتجاج الميداني. جوبهت هذه التحركات باتهامات بتعطيل المرفق العام والتشويش، وأُحيل عدد من الناشطين إلى السجون، مع وعود رسمية متكررة بحل الأزمة، كما حدث خلال احتجاجات يوليو/ تموز الأخيرة التي انتهت بتدخل أمني لإنهاء قطع الطريق الرئيسية.

الاحتجاج على السطو على الماء ليس جديدًا في زغوان؛ ولكنه ذاكرة حاضرة ممتدة منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين هبّ سكان المنطقة ضد مشروع أحمد باي لإعادة إحياء القنوات الرومانية «الحنايا» لنقل مياه «عين عيّاد» إلى العاصمة، وأجبروه في النهاية على التراجع عن المشروع، دفاعًا عن حصتهم من الماء.

مشهد مشابه يتكرر في منطقة الرويعي التابعة لمحافظة عين دراهم الحدودية مع الجزائر، حيث يرفع الأهالي منذ 2011 شعار «الماء مقابلنا والعطش قاتلنا». فعلى بعد ثلاثة كيلومترات فقط يقع سد بربرة الذي يغذي المدن الساحلية في الشرق، بينما يضطر سكان الرويعي إلى جلب الماء من أحد الأودية القريبة من الحدود الجزائرية، بسبب توقف الجمعية المائية المحلية عن العمل إثر تراكم ديونها لدى شركة الكهرباء والغاز.

أما أحدث موجات الاحتجاج حول الماء فتأتي من برڨو في محافظة سليانة، حيث حصل مستثمر على رخصة بحث وتنقيب عن المياه الجوفية تمهيدًا لإنشاء وحدة تعليب ثالثة في المنطقة، رغم أن مصنع المياه المعدنية «مالينا» القائم منذ 2005 تسبب، بحسب الأهالي، في نضوب عدد من الآبار والعيون الطبيعية. 

بدأ السكان بخطوات قانونية: توكيل عدل تنفيذ لمعاينة الأضرار على التربة والزراعات المحلية، ثم اللجوء إلى القضاء للطعن في الرخصة، لكن بعد فشل هذه المساعي خرجوا إلى الشارع. النتيجة كانت، مرة أخرى، اعتقالات ومحاكمات بتهم مثل «الاعتداء المدبر على حركة الجولان» و«الانضمام إلى جمع يهدف إلى تعطيل حرية العمل».

في كل هذه الحالات، يظهر أن الدولة تعتمد مقاربة مزدوجة في تطبيق القانون: فهي ترفض مطالب الفلاحين بحفر آبار عميقة بدعوى حماية المائدة المائية من الاستنزاف، لكنها في الوقت نفسه تمنح تراخيص لآبار عميقة تُستغل للمشاريع الاستثمارية ولخلق الأرباح. كما يتضح أن المعالجة الأمنية للاحتجاجات أصبحت القاعدة، مع قبول ضمني بحق التظاهر ما دام لا يغيّر شيئًا في موازين القوى.

العطش لا يأتي وحده

انتشرت خلال السنوات الأخيرة على مواقع التواصل موجة ساخرة بعد إطلاق شركة «ديليس»، التي دخلت سوق المياه المعدنية بقوة، منتوجًا جديدًا عبارة عن كأس ماء واحد معبّأ يحمل علامتها التجارية بسعر 350 مليم، ترافقه حملة إشهارية واسعة. رأى كثيرون في هذا المنتوج تجسيدًا لمفارقة قاسية في بلد ما زال فيه الناس يمرضون ويموتون بسبب أمراض مرتبطة بنقص الماء أو رداءة جودته.

في محافظة القيروان وحدها، رُصدت سنة 2017 حوالي 1372 إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي في مدارس لا يتوفر فيها ماء صالح للشرب. وتكرر السيناريو سنة 2021 بتسجيل 143 إصابة جديدة، في محافظة تضم 175 مدرسة ابتدائية غير مرتبطة بالشبكة العمومية من أصل 313 مدرسة.

هذا التراخي في حماية الأطفال من مخاطر المياه القادمة من صهاريج مجهولة المصدر، التي قد تتعرض للتلوث والحرارة والصدأ، يقابله في المدن الكبرى تشدد في مراقبة باعة المياه المتجولين وفرض خطايا مجحفة عليهم، مع تقارير إعلامية تحذر من التعامل معهم. 

غير أن منسق المرصد التونسي للمياه، علاء المرزوقي، أكد أن هذا القطاع بات واقعًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في الأحياء الشعبية، وأن الأفضل هو الاعتراف به وتنظيمه بدل الاكتفاء بالردع. يشير المرزوقي إلى أن القطاع يضم من جهة باعة حريصين يجلبون مياه الينابيع في صهاريج معدنية، ومن جهة أخرى شبكات تستغل ضعف الرقابة، مثل الشاحنات التي ضبطت وهي تنقل مياه حنفية من منطقة بني مطير (محافظة جندوبة) لبيعها في أحياء العاصمة على أنها«مياه عيون»، مستفيدة من سمعة عذوبة تلك المياه لقربها من أحد أكبر السدود في البلاد.

ويضرب المرزوقي مثالًا بتجربة تنظيم قطاع المياه المحلاة في الأردن، حيث أسهمت سياسة التقنين والرقابة في تحويله إلى قطاع يشغل عددًا كبيرًا من العمال، ويساعد الدولة على مواجهة بعض الإشكالات الاجتماعية والصحية المرتبطة بالماء.

تعمّق أزمة الماء في تونس مظاهر اللامساواة من أكثر من زاوية: بين الأغنياء والفقراء، بين الساحل والداخل، بين الشمال والجنوب، وبين الريف والمدينة. وعلى أساس هذه الفوارق تُرسم أولويات الدولة في التزويد والمراقبة والتدخل. في أعلى هرم التأثير نجد المؤسسات المانحة وشروطها، تليها الدولة الوطنية ورأس المال بما يملكانه من أدوات تشريع وقوة تنفيذ، بينما يبقى المواطن في أسفل السلم، يُعامل أساسًا كمستهلك لا كشريك في رسم السياسات.

ومع اتساع دائرة الاحتجاجات، من زغوان إلى برڨو مرورًا بقابس، حيث تتصاعد المطالب بإغلاق وحدات المجمع الكيميائي التي تستهلك كميات كبيرة من الماء لغسل الفوسفات الموجه للتصدير، تلوح في الأفق ملفات أخرى مرشحة لتعميق الصراع على الماء، مثل مشاريع الهيدروجين الأخضر التي تشترط توفير كميات ضخمة من المياه. 

في هذا السياق، يبدو أن معركة التونسيين من أجل ماء عادل ونظيف ليست مجرد صراع على مورد طبيعي، بل على شكل التنمية نفسه، ومن يملك حق تعريف المصلحة العامة.

(١)  SONEDE الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه