خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

“كنّا بألف خير، وفجأة..!”

وَهْمٌ ثم مفاجأة ثم فاجعة. تلك هي الدوّامة التي يعيش داخلها اللبنانيون والتي قد تختصرها عبارة "كنا بألف خير وفجأة…!" والتي ببساطتها الظاهرية، تكشف تاريخاً اجتماعياً طويلاً من التضليل وواقعاً لبنانياً مريراً من الإنكار والفردية والتجريد من السياسة والنسيان
ــــــــ المـكـان
27 مارس 2026

في مقابلةٍ سريعة مع عابرة سبيل على كورنيش بيروت بداية الحرب الحالية، قالت السيّدة اللبنانية بتلقائيةٍ مذهلة تعليقاً على الأحداث: “كنّا بألف خير… وفجأة انقلبت الدني!”. هذه الجملة، على بساطتها وبراءتها كما توحي للوهلة الأولى، والتي تستدعي لاشعورياً واجب التعاطف مع قائلتها، تختزن في كلّ كلمةٍ منها مأساتنا الكبرى كشعب وكبلد. ولأنها تتكرّر على مسامعنا بشكلٍ مستفزّ عند كلّ مصيبة، بات من الضروري التوقّف عندها باستهجان. كنّا بألف خير؟ فعلاً؟ مَن المتكلّم؟ لمَن تعود نون الجماعة تلك؟ “بألف خير”؟ كيف؟ على أي أساس؟ من أين تأتي تلك الأوهام التي زُرعت لدى المواطن اللبناني بأن كل شيء “بألف خير” رغم المشاكل الغارق فيها حدّ العمى. كيف تنجح المنظومة الحاكمة في لبنان، كلّ مرّة، بخلق سردية تجعل الأزمات البنيوية تبدو أنها حالاتٍ خاصة منفصلة عابرة وتثبّتها من خلال أداءٍ لامبالي فيتبنّاها الناس من دون تردّد؟  

لا بدّ هذه المرّة، ونحن في خضمّ حربٍ تدميرية كبرى، من التوقّف عند هذه العبارة والتدقيق في كلّ كلمة فيها: كنّا – بألف خير – وفجأة – انقلبت الدني ــ علامة تعجّب. وأن نضعها في سياقها اللبناني الأصيل حيث نشأت وكبرت وباتت آفةً ومأساة. إذ كيف لجملةٍ تصف وضعاً نموذجياً من الرفاه و”الألف خير” أن تتكرّر بكلّ ثبات في بلدٍ يمضي من نكبة إلى نكبة أكبر منذ عشرات السنين؟ 

سمع جيلنا (في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر حالياً) تلك العبارة لأول مرّة من جيل أهالينا وهم يشيرون إلى الأوضاع العامة قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 “كنّا عايشين بألف خير وفجأة علقت الحرب!”، ثم مجدداً للإشارة إلى فترة “إعادة الإعمار” بعد انتهاء الحرب (1990) “كان البلد بألف خير في التسعينات، وفجأة رجّعوه لورا!”، والعبارة ذاتها تردّدت كثيراً لوصف الأوضاع قبل الانهيار المالي عام 2019 “كنّا بألف خير قبل ما تقرروا تنزلوا عالشارع!”، وها هي تُستخدم للإشارة إلى ما قبل لحظة إطلاق حزب الله للصواريخ الستّة في 2 مارس/آذار الماضي “كّنا بألف خير، وفجأة انقلبت الدني!”. 

هذه المقولة الشهيرة التي باتت على ما يبدو جزءاً من تاريخنا المحكي تتضمّن عنصرين ثابتين: الأول، وَهْم أن الوضع كان بألف خير قبل حصول الواقعة والثاني هو عنصر المفاجأة الدائمة بما آلت إليه الأمور. وَهْمٌ ثم مفاجأة ثم فاجعة. تلك هي الدوّامة التي يعيش داخلها اللبنانيون والتي قد تختصرها عبارة “كنا بألف خير وفجأة…!” والتي ببساطتها الظاهرية، تكشف تاريخاً اجتماعياً طويلاً من التضليل وواقعاً لبنانياً مريراً من الإنكار والفردية والتجريد من السياسة والنسيان.  

 كمَن كذب الكذبة وصدّقها لعقود وأجيال حتى باتت سردية وطنية أسطورية تتناقلها الألسن ولا أحد يراها.

مأساتنا تقول إنه بعد كلّ حرب أو أزمة يستعجل اللبنانيون الانتقال إلى الحياة اليومية من دون التوقّف لحظة للتحديق في ما جرى والتفكير مليّاً بالخطوات التالية. كلٌّ يطوي صفحته على طريقته من دون نقاش عميق طويل ومؤسس لمرحلة جديدة. كلّ جماعة طائفية تعمّم سرديتها الخاصة للأحداث على رعاياها وفي مناطقها وتبقى حبيستها وتورثها للأجيال المتعاقبة. 

“تاريخنا مش معقول، بيضلّ يعيد نفسه، بس لأيمتى بدّه يضلّ يعيد نفسه؟ (…) يمكن تاريخنا مقاصَص عاطيينه جملة يكتبها 100 مرّة هيي ذاتها (…) وقال اللبنانيي عندهن ميزة مهمّة كتير إنهم بينسوا، كلّ مرّة بينسوا، والتاريخ شو بدّه يعمل إذا هنّي نسيوا؟ التاريخ بيرجع بيعيد نفسه”. 

في هذا المقطع المختصر من إحدى حلقات برنامج زياد الرحباني الإذاعي عام 1976، يتحدّث زياد، قبل 50 عاماً عن آفة “النسيان” عند اللبنانيين وكيف أننا نسمح للأحداث أن تتكرر وأن يعيد تاريخنا نفسه مرّة بعد مرّة بعد مرّة من دون القدرة على تحويل مساره ووقف التكرار. ويشير زياد إلى الجهود التي تُبذل باستمرار من قبل الممسكين بالسلطة للحؤول دون اجتماع الناس والتفافهم حول قضايا موحدة تخصّهم فيثوروا ويكسروا دوّامة التكرار تلك.

حاول زياد، بطريقتة المباشرة والفجّة وصف مأساتنا التي لا نراها ولا نريد الاعتراف بها حتى يومنا. ومأساتنا تقول إنه بعد كلّ حرب أو أزمة يستعجل اللبنانيون الانتقال إلى الحياة اليومية من دون التوقّف لحظة للتحديق في ما جرى والتفكير مليّاً بالخطوات التالية. كلٌّ يطوي صفحته على طريقته من دون نقاش عميق طويل ومؤسس لمرحلة جديدة. كلّ جماعة طائفية تعمّم سرديتها الخاصة للأحداث على رعاياها وفي مناطقها وتبقى حبيستها وتورثها للأجيال المتعاقبة. 

هكذا، يتمّ احتواء الذاكرة الجماعية وتفريغها، ليتكرر السيناريو نفسه باللاعبين أنفسهم: تتراكم الأزمة البنيوية، يتمّ تجاهلها أو مواكبتها بخطابات جزئية، يحدث الانفجار، يتمّ الانتقال بسرعة إلى مرحلة جديدة دون مراجعة عميقة، يُعاد إنتاج الظروف ذاتها، تندلع أزمة جديدة… وهكذا. 

ولتجميل هذا الواقع المرير ابتُدعت أساطير و”ميزات” جعلت اللبنانيين يتباهون بكونهم وقود لإعادة إنتاج النكبات. أسطورة “الشعب الذي لا يموت” وبالتالي “ميزة” الصمود الأزلي. أُجبر اللبنانيون جيلاً بعد جيل على تعلّم أساليب التعايش مع الأزمات ومع أوضاعٍ حياتية صعبة وغير مستقرّة، وجدوا طرقاً للاستمرار وابتكروا حلولاً فردية، فتكيّفوا مع الحروب ومع غياب السيادة وغياب الخدمات الأساسية ومع سرقة أموالهم ومع أغلى مستوى معيشة ومع الهجرة… لكنهم لم يدركوا بعد أن التكيّف ليس تعافياً. وأن احتفال بعض اللبنانيين بصخب بينما البعض الآخر يموت على بعد كيلومترات قليلة ليس شكلاً من أشكال حبّ الحياة. فالتكيّف يعني إيجاد طرقٍ للعيش داخل الأزمة، بينما التعافي يعني معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية “من لغاليغها”. وفي غياب دولةٍ قوية وضعف النقاش السياسي الفعلي حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية البديلة، تحوّل التكيّف إلى نمط حياة دائم. هكذا لا تُحل الأزمات بل يتمّ الاعتياد عليها، ولا يتعافى المجتمع بل يتعلّم فقط كيف يعيش داخل الانهيار.

وصمودنا لم يمنع الانهيار، والتكيّف كان دائماً آلية بقاءٍ مؤقتة أجّلت عملية التعافي الحقيقية وأبقت على الأسباب البنيوية للأزمات: النظام السياسي الطائفي، الاقتصاد الريعي، انعدام الخدمات العامة، الفساد، الاحتلال الإسرائيلي…

كنّا ــ بألف خير

بالعودة إلى جملتنا الشهيرة، “كنّا بألف خير وفجأة..!”، لا تغرّكم الصفة الجامعة في بداية العبارة، “كنّا”. فهي لم تعبّر يوماً عن معظم أبناء الشعب اللبناني ولا حتى عن عيّنةٍ صادقة من مختلف أطيافه وطبقاته. هي في الأغلب تمثّل أبناء طبقة وسطى مرفّهة  أو بورجوازية من الذين يريد الإعلام التركيز على ما يقولون ويثبته كسردية تاريخية. 

“كنّا بألف خير قبل الحرب الأهلية” (أي قبل الـ 1975)، هي مجرد أوهام صادرة عن  مجموعات لم ترَ ولم ترد أن ترى خطورة الفوارق الطبقية – الطائفية الحادّة التي كانت تقسم المجتمع اللبناني حينها، ولم ترد أن تعترف بحرمان الدولة كل المناطق الطرفية من الخدمات الأساسية ومركزتها في بيروت حصراً، ولا قيام الطبقة السياسية والمصرفية بإدارة اقتصاد البلد باعتباره خزنة تحويلات مصرفية ومركزٍ سياحي للمنطقة لا غير… لم يكن البلد بخير قبل الحرب الأهلية. وسردية “العصر الذهبي” للبنان في تلك الفترة تضليلية وتتجاهل كلّياً أوضاع المزارعين والعمّال المتردّية والتظاهرات النقابية والطلابية التي قُمعت بوحشية خلال الخمسينيات والستينيات، كما تتجاهل صرخات عمّال المصانع المضربين (أبرزها إضراب عام 1946 في “إدارة حصر التبغ” وإضراب عمّال مصنع غندور عام 1972 وغيرها) وفقر المزارعين المتفاقم واستعبادهم من قبل الاقطاعيين. 

تلك السردية ذاتها أغفلت عمداً أن البلد السياحي الذي تسوّق له كقبلةٍ لزوّار المنطقة والعالم لا يمتلك طاقةً كهربائية تكفي لإنارة مدنه بشكل دائم ولا شبكات صرف صحّي لجميع أحياء عاصمته، كما أسقطت من الصورة عن قصد الانتهاكات الاسرائيلية المتكرّرة على الحدود واستهداف المواطنين وصولاً إلى شنّ اسرائيل غارة على مطار بيروت وتدمير 13 طائرة مدنية فيه عام 1968. تجاهلت المنظومة الحاكمة الواقع اللبناني المتردّي الخطير وانشغلت بتصميم إعلانات شركة “طيران الشرق الأوسط” التي ترحّب بالمتزلّجين وبروّاد البحر ولاعبي القمار من السيّاح والمصطافين.

وعندما تشكّلت كل الظروف السياسية الخارجية المؤاتية لحربٍ كبيرة تريدها إسرائيل في لبنان، وجدت ساحةً مفكّكة واقتصاداً هشّاً ومجتمعات فقيرة مثالية لها، فاستفاق أثرياء لبنان يوم 13 نيسان/إبريل 1975 على “حادثة بوسطة عين الرمانة” وتفاجئوا بأنّ البلد لم يكن بألف بخير من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه! 

لم نكن بألف خير في التسعينات ولا في بداية الألفية ولا بعد انتهاء الهيمنة السورية على لبنان عام 2005. رغم ذلك تصرّ السردية العامة التضليلية على لسان المنتفعين نفسهم على أنها كانت فترة هدوء ورخاء وازدهار

بعد الحرب، انتقلت سردية تلك الطبقة السياسية برؤوسها وأذرعتها القديمة ذاتها إلى التهليل للتسعينيات كفترة هدوء وسلام وإعادة إعمار. بينما كانت تلك الفترة في الواقع، المرحلة التي بنت الأسس الاقتصادية والسياسية لكافة الأزمات الاجتماعية والمعيشية اللاحقة. إذ فُتح البلد المنكوب للخصخصة وكفّ يد الدولة ونهب الثروات وتعزيز الفساد بقيادة تحالف السياسيين والمصرفيين وبإشراف وتحكّم من قبل النظام السوري “الوصي” على لبنان حينها. 

لم يجرِ أيّ نقاش عام حول السياسات الاقتصادية والدروس المستفادة من حرب العشرين سنة. المناطق المهمّشة ظلّت مهمّشة والفروقات الإنمائية ازدادت تباعداً ومركزية بيروت تعاظمت أكثر فأكثر ورؤساء مافيات الحرب باتوا نواباً ووزراء. وخلال أقلّ من عشر سنوات (من 1990 إلى 1998) بلغ الدين العام أكثر من 20 مليار دولار أميركي أي أنّ حجمه تخطّى حجم الناتج المحلّي! أما إسرائيل فكانت تحتلّ نحو 10% من مساحة لبنان ويرزح نحو 150 ألف شخص تحت الاحتلال في ظل مجازر مستمرة، قطاع الصناعة اندثر والزراعة تدهورت بشكل كبير ورواتب الموظفين لم تعد تساوي شيئاً، الكهرباء (ما زالت) مقطوعة، والمياه أيضاً. 

لا يهمّ! قالت المنظومة الحاكمة للمواطنين حينها أيضاً، فمع استفحال الاقتصاد الريعي بعد الحرب، وخصوصًا في مرحلة حكم رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري ( 1992-1998 و 2000-2004)، أصبح لبنان اقتصاداً موجّهًا نحو الاستهلاك والخدمات المالية، فأعطت الرأسمالية الاستهلاكية الناس أدوات النجاة الفردية: القدرة على شراء الأمان الشخصي أو الهجرة أو الترفيه أو التعليم أو التحويلات المالية من الخارج بدلاً من الاعتماد على الدولة ومؤسسات عامة قوية تبني نظام حماية اجتماعية شامل لكل المواطنين.

“كنّا بألف خير” إذاً ليست إلا نتيجة مضلّلة لصمودٍ فردي شكّل بديلاً مؤقتاً عن السياسة الجماعية التي يمكن أن تغيّر الواقع فعلياً.

لم نكن بألف خير في التسعينات ولا في بداية الألفية ولا بعد انتهاء الهيمنة السورية على لبنان عام 2005. رغم ذلك تصرّ السردية العامة التضليلية على لسان المنتفعين نفسهم على أنها كانت فترة هدوء ورخاء وازدهار. فمثلاً، في عدوان تموز/يوليو 2006 ثم لاحقاً في ذروة الأزمة الاقتصادية عام 2019 علت أصوات هؤلاء للقول إن “الحرب ضد اسرائيل ستدمّر كل إنجازات التسعينات وتعيد البلد إلى الوراء” وأن العناوين التي طرحها المنتفضون على الأزمة المعيشية في عام 2019 تريد “تدمير النموذج الاقتصادي الناجح الذي سمح لنا بالاستقرار الاقتصادي والمالي منذ التسعينيات”. 

والمفارقة أن تلك السردية ظلّت تتكرر حتى بعدما انهار النظام الاقتصادي الذي كانت هي جزءاً أساسياً من تجميله وبقائه. في 2018 – 2019 انهارت السياسات المصرفية التي بنت الفقاعة التي عشنا فيها لعقود وانهار النظام الاقتصادي الذي كان قائماً على قطاعات خدماتية غير منتجة وانهارت الطبقة العاملة… مات العرّاب الاقتصادي لعبارة “كنّا بألف خير” وبقيت السردية. معظم الخطاب الإعلامي (الموالي للمنظومة الحاكمة) يشير إلى انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر 2019 كالتاريخ الذي بدأت من عنده الأزمة المالية! جاءت التظاهرات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب رفضاً للوضع المعيشي البائس لتشوّش على نغمة الـ”بألف خير” فرفضتها المنظومة وألصقت بها تهمة التسبّب في انهيار البلد. 

هذا الأداء يشبه تماماً السردية التي تؤرّخ كلّ مرّة للاعتداءات الاسرائيلية على لبنان رابطةً إياها بحادثة آنية معيّنة، لا ترى في الكيان الصهيوني تهديداً دائماً وتاريخاً توسّعياً طويلاً. وآخر خطاب ترويجي لها قام على أن الحرب مع إسرائيل بدأت منذ “حرب الإسناد” التي شنّها “حزب الله” في 2023: “لو ما تدخّل الحزب وقتها كانت إسرائيل ناسيتنا وكنّا بألف خير”. وهذه فكرة حتى الإسرائيليين يرفضونها، إذ لا يترددون بالإعلان عن مطامعهم الدائمة قولاً وفعلاً في أرض الجنوب والبقاع ومياهنا وبحرنا وثرواتنا. 

لم نكن بألف خير قبل فتح جبهة الإسناد. نهبت اسرائيل غازنا البحري، وعملت ليل نهار على خرق مجتمعاتنا، ونفّذت الاغتيالات، خنقت الجيش الوطني ومنعت عنه أي سلاح نوعي قادر على الردع، وبقيت متربّصة على الحدود يدها على الزناد وعينها على أهدافها الحيوية وأطماعها الدائمة في أراضينا.

نفس المنطق ظهر بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والإتيان برئيس جمهورية جديد ورئيس حكومة وتعيين مجلس وزراء كانت مهمّتهم منذ اليوم الأول كما أظهر أداؤهم، مهادنة الاحتلال سعياً للوصول إلى اتفاق طويل الأمد معه. وقد ترافق ذلك مع تثبيت سردية تقول إن البلد بألف خير، ورئيس الجمهورية يرعى المهرجانات السياحية ورئيس الحكومة يحضر الاحتفالات ويستمتع بحفلات الصيف واستقبال الفنّانين في مكتبه… خلال عامٍ كامل خلت الخطابات الرسمية من  أي إشارة جدّية إلى وجود الاحتلال الإسرائيلي وضرورة مواجهته كدولة وكأولوية سياسية وعسكرية. كما أن أداء الجهات المعنيّة من وزارات ومسؤولين بكافة أطيافهم كان يوحي بأنهم منفصلون كلّياً عن الواقع، إذ لا خطة إعادة إعمار فُعّلت ولا خطة لاحتواء الناس التي يمنعها الجيش الاسرائيلي من العودة  إلى قراها ومنازلها وحياتها، لا نقاشات طارئة حول استراتيجية دفاع وطنية بل تعهّدات متكرّرة بأن تقوم الدولة اللبنانية بكلّ ما يُطلب منها حفاظاً على أمن اسرائيل وسلامتها… طوال عام 2025 تصرّف البلد حكّاماً ومواطنين (باستثناء معظم الجنوبيين وأهل البقاع) وكأنّ شيئاً لم يكن وكأنّ الجنوب بأهله وأرضه ليس جزءاً من لبنان، ولا هو حتى أولوية في خطط الطوارئ. فغضّينا النظر عن  أكثر من 90 ألف نازح لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وعن أكثر من 5 آلاف خرق برّي وجوّي اسرائيلي، وأكثر من 300 شهيد و600 جريح حتى شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أي خلال سنة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار والاحتفال بسردية أن “لبنان بألف خير”. 

لا، لم نكن بخير قبل إطلاق “حزب الله” صواريخه الستّة في الثاني من آذار/مارس 2026، فالعدو كان هناك في أرضنا وسمائنا يستبيح كلّ شيء وينفذ مخططاته في ظلّ تجاهل السلطة وأمام أعيننا جميعاً.

وفجأة – انقلبت الدني!

عنصر المفاجأة عند معظم اللبنانيين نابع من انغلاقهم على بعضهم وعلى أي مساحة خارج “منطقتهم الآمنة المريحة”، أي الجماعة الطائفية والطبقة الاجتماعية والخطاب الذي يردد ما تحبّ كلّ جماعة أن تسمعه فقط. فالأحداث تدور انطلاقاً من أحوالهم ومصالحهم وحدود عائلية طائفية ضيّقة، لا يريدون أن يجمعهم أي شيء بالآخرين ــ الذين يسكنون آخر الشارع ــ ولا يرون في ذلك عائقاً أساسياً لبناء أي مشروع جامع تمهيداً لبناء دولة. على العكس، هم مرتاحون وسط العشيرة حتى لو أن عشيرتهم هي التي نهبتهم. ونتائج جولات الانتخابات النيابية التي أبقت على زعماء الطوائف والحرب والفساد في الحكم منذ 30 عاماً، خير دليل على ذلك. 

لم ينجح اللبنانيون بتخطّي حواجز الطائفية والمناطقية التي كانت يجب أن تسقط مع انتهاء الاقتتال الداخلي. قبل أيامٍ فقط، وفي خضم حرب إقليمية وعدوان اسرائيلي ضارٍ على لبنان، خرج خطاب الفتنة والحرب الأهلية والدعوة إلى التسلّح لمواجهة مشروع إقامة مركز لإيواء النازحين في منطقة الكرنتينا المحسوبة على طائفة معيّنة. الدستور اللبناني يقول إن الأراضي اللبنانية هي “أرض واحدة لكلّ اللبنانيين”، لكن الواقع تتحكّم فيه ذاكرة حربٍ لم تشفَ وأحقاد طائفية وعنصرية تتوحّش كلّما اشتدّت الأزمات. حتى أن فكرة مقاومة اسرائيل اختُزلت مع الوقت بمذهبٍ طائفي واحد وقد ساهم “حزب الله” إلى حدّ كبير بتحجيم المقاومة كواجب وطني جامع وجعلها محصورةً ضمن عقيدة طائفية ضيّقة وضمن بيئة معزولة ترفض الانفتاح على الآخرين.  

بقي الانقسام الداخلي بين اللبنانيين وعززه أداء سلطة الحرب التي استمرّت في الحكم، وإضعاف المجال العام وتشويهه بسبب سيطرة القوى السياسية والطائفية على الإعلام وارتباط جزء كبير من مؤسساته بالقطاع المصرفي وبسبب القضاء على أي مؤسسة وطنية عابرة لتلك الحدود التقسيمية (النقابات العمّالية، الجامعة الوطنية، الإعلام الوطني…). 

وفي عزّ الحاجة إلى التشارك في النقاش السياسي والقرارات الوطنية بعد كلّ أزمة، عُزل المواطنون وحُصرت القرارات بيد فئةٍ صغيرة متربّصة بالسلطة والمال، أُخرج الاقتصاد من النقاش السياسي وأصبح مجالاً تقنياً تديره المصارف، والأحزاب الطائفية حوّلت السياسة إلى صراع هويات لا صراع برامج ومشاريع، والإعلام أعاد إنتاج خطاب النخب الاقتصادية والسياسية. 

لم تنشأ علاقات سويّة طبيعية بين المناطق اللبنانية رغم قربها الجغرافي وتداخلها الديموغرافي، كما سعت المنظومة الحاكمة إلى الإبقاء على الحواجز النفسية والعملية بين مناطق تقاسم النفوذ ضماناً لاستمرار نفوذها. فغاب الخطاب الوطني الجامع ونُسفت كلّ أدوات المؤسسات العابرة للمناطق والطوائف وبقي الشعار ثابتاً “نحن بألف خير… إلى حين وقوع كارثة جديدة”

وكانت النتيجة أن نُزع التسييس من الحياة العامة وغاب النقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية/البديلة منذ انتهاء الحرب الأهلية. فتفاجأ اللبنانيون بفشل زعمائهم (كل مرّة) وبعمق أزماتهم (كل مرّة)، وتفاجئوا بجيرانهم المواطنين في المناطق الأخرى الذين يعانون من نفس المشاكل والأزمات (كل مرّة). 

لمَ هذا الكمّ من المفاجآت الفادحة في بلدٍ صغير يمكن وصفه بالقرية الكبيرة؟ لأنه وفق القاعدة التقسيمية التاريخية للبلد، أهل الجنوب مسؤولون وحدهم عن مشاكلهم “يصطفلوا مع الاحتلال”، وما يحصل في طرابلس يبقى في طرابلس “الكوكب المخيف الذي لا يشبهنا بشيء”، عكار والبقاع “مجاهل” لا تهمّ أحداً أصلاً، وجبل الدروز للدروز “الذين لا نعرفهم ولا يعرفوننا”… 

لم تنشأ علاقات سويّة طبيعية بين المناطق اللبنانية رغم قربها الجغرافي وتداخلها الديموغرافي، كما سعت المنظومة الحاكمة إلى الإبقاء على الحواجز النفسية والعملية بين مناطق تقاسم النفوذ ضماناً لاستمرار نفوذها. فغاب الخطاب الوطني الجامع ونُسفت كلّ أدوات المؤسسات العابرة للمناطق والطوائف وبقي الشعار ثابتاً “نحن بألف خير… إلى حين وقوع كارثة جديدة”. 

عابرة السبيل على كورنيش بيروت، من سكّان العاصمة، تفاجأت بأن البلد ليس بألف خير صباح 2 آذار/مارس، رغم أنه منذ عام 2023 إسرائيل تقصف الجنوب بشكل يومي وتغتال الناس في أي بقعة كانوا وتحتلّ أراضٍ لبنانية، والمسيّرات الاسرائيلية تزنّ باستمرار فوق رؤوس أهل بيروت وتنفّذ ضربات متفرّقة. و”الدني كانت مقلوبة” فعلياً خلال السنوات الثلاث الماضية أقلّه، ولم تتدهور فجأة قبل أيام قليلة، لكن مَن أمّنوا نجاةً فردية صغيرة على مقاسهم قرّروا، مرّة جديدة، أن لا يروا أي شيء آخر حتى لو كان بحجم طائرة اسرائيلية فوق رؤوسهم، وساعدهم على ذلك أداءٌ رسمي لامبالي.

لم نكن بألف خير قبل الثاني من آذار/مارس ولم تنقلب الدنيا فجأة في صباح ذلك اليوم، عشرات القرى في محافظتي الجنوب والبقاع مدمّرة وأهلها لم يتمكّنوا من العودة إليها، أموال الناس ما زالت منهوبة من قبل المصارف، الوضع المعيشي من سيء إلى أسوأ، الفقر طال 44% من السكان، نحو نصف مليون لبناني غادروا البلد بين 2020 و2025 بينهم 220 ألف في عام 2025 وحدها… 

ربما لا تكمن خصوصية لبنان في كثرة أزماته، بل في قدرته المدهشة على التعايش مع مقدّمات الكارثة. فالأزمات هنا لا تبدأ عندما تنفجر، بل عندما يتوقف المجتمع عن النظر إليها وهي تتشكّل. 

أما سردية التكيّف مع الأزمات فلها خلاصة لا يُراد لها أن تُذاع خصوصاً الآن، وتقول إنه طوال 22 سنة من احتلال العدو الإسرائيلي لجنوب لبنان (1978-2000) لم يتأقلم أهل الجنوب مع الاحتلال، بل استدعوا كافة الطرق والأساليب ليقاوموه. والمقاومة لم تكن يوماً شكلاً من أشكال التكيّف بل هي المسار الطبيعي الوحيد للتعافي.