الوجوه ذاتها.. وقد تغيّرت

تفصل عشر سنوات أو يزيد بين صورتين التُقطتا في المكان نفسه تقريباً، لكنهما تنتميان إلى عالمين مختلفين. في الأولى، وجوه شابة لا تزال ملامحها طريّة محمّلة بأحلام عادية: دراسة، عمل، بيت، ومستقبل يمكن تخيّله. في الثانية، الوجوه ذاتها تغيّرت، لا لأن السنوات مرّت فحسب، بل لأن الحرب مرّت، وغيّرت كل شيء
ــــــــ العمل
3 فبراير 2026

في غوطة دمشق التي عُرفت يوماً بسلة دمشق الغذائية، لم تكن الحرب مجرد دمار في الحجر والشجر. كانت عملية اقتلاع لحيوات كاملة، ثم إجبارها على إعادة التشكل بمواد قاسية: الحصار، القصف، الاعتقال، التهجير، التخفّي، والانتظار الطويل. سقطت المهن كما سقطت البيوت، ولم يعد السؤال: ماذا تريد أن تكون؟ بل: كيف ستنجو؟

يحاول أبطال هذه القصص اليوم ترميم ما تبقّى من حياتهم، ينتظرون اكتمال ملامح سوريا التي يأملون فيها، يواصلون العمل، أيّ عمل، كفعل مقاومة صامت. هم لا يعرضون مقارنة بين ماضٍ وحاضر فحسب، بل شهادة على تحوّل النجاة نفسها إلى مهنة.

عبد الرحمن، عندما كان مساعد جرّاح في مستشفى دار الشفاء بحمورية، 18 تموز 2015 

عبد الرحمن، في محل نجارة المنيوم بحمورية، 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

عبد الرحمن، في محل نجارة المنيوم بحمورية، 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

عبد الرحمن، عندما كان مساعد جرّاح في مستشفى دار الشفاء بحمورية، 18 تموز/ يوليو 2015

جرّاح بلا شهادة

صيف 2015، في مستشفى “دار الشفاء” ببلدة حمورية بريف دمشق. كان عبد الرحمن ليلا (30 عاماً) يتنقل بين أسرّة الجرحى: يُثبّت أنبوب الأكسجين، يفحص الضمادات، يُعدّل جرعات المسكنات. خبرة ميدانية اكتسبها تحت القصف، بدأت من مشفى ميداني كان يعرف بـ “النقطة خمسين” حيث عمل مسعفاً، ثم تطورت على أيدي أطباء علّموه كيف يمسك المشرط كمساعد جرّاح، يساعد في العمليات الجراحية في زمن شحّ فيه الدواء والمختصون. لكن عام 2018 وضع حداً لهذا المسار.

بعد سقوط الغوطة الشرقية المحاصرة عام 2018، وقف سكانها أمام خيارين: حافلات التهجير إلى الشمال السوري، أو مراكز الإيواء في مناطق سيطرة النظام، حيث توجه القسم الأكبر منهم.

أراد عبد الرحمن الخروج شمالاً، لكنه علق وسط انتشار جنود النظام وآلياته بينما كان يحاول إيصال عائلته إلى “الممر الآمن” الذي فتحته القوات الروسية في حمورية. “تم احتجازي في مركز إيواء بمدينة عدرا لمدة 7 أشهر، وبعد الإفراج عني عدت إلى بلدتي وعملت مع والدي في نجارة الألمنيوم”.

بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حاول عبد الرحمن العودة للعمل بالمجال الطبي، لكنه لا يملك شهادة تؤهله لهذا العمل. “أملك خبرة كبيرة اكتسبتها على مدى سنوات، لكن مع الأسف لا قيمة لها الآن.. فوزارة الصحة لا تعترف بها”.

محمد نيسان على درّاجته بتاريخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في حمورية

محمد نيسان  في ورشة نجارة موبيليا بتاريخ 19 كانون أول/ ديسمبر 2025

محمد نيسان  في ورشة نجارة موبيليا بتاريخ 19 كانون أول/ ديسمبر 2025

محمد نيسان على درّاجته بتاريخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في حمورية

مقاتل سابقاً.. نجّار اليوم

في الخامسة عشرة من عمره، التقطت لمحمد نيسان صورة وهو يلهو بدراجته الهوائية. طفل لُقّب بـ”أبو أيمن إدارة”، يعمل مساعداً في الخدمات بمقر عسكري. لم يكن يعلم أن هذا العمل سيكون بداية رحلة تقوده إلى جبهات القتال، قبل أن ينتهي به المطاف في غياهب سجن صيدنايا لست سنوات.

خلال أيام الحصار المفروض على الغوطة الشرقية، اختار محمد الالتحاق بصفوف الجيش السوري الحر، وقاتل مع إحدى كتائبه على جبهات الغوطة.

بعد سقوط الغوطة الشرقية عام 2018، وصل محمد إلى مركز إيواء عدرا، لكنه اختفى بعدها في دهاليز سجون النظام لست سنوات: أربعة أشهر في سجن مطار المزة، شهر ونصف في فرع أمن الدولة، والباقي في صيدنايا، حيث بقي خلف أسوار السجن يتعرض لشتى أنواع التعذيب، حتى كُسرت أبوابه يوم سقوط النظام.

اليوم، يحاول محمد استعادة الاستقرار، ويبدو أنه بدأ يعثر عليه في ورشة لنجارة الموبيليا، المهنة التي تعلّمها صغيراً وعُرف بها أبناء الغوطة الشرقية. “لم أكن أتخيل أن أعود إليها بعد كل ما مررت به”، يقول، “لكنها أصبحت وسيلتي للعيش بأمان بعد سنوات طويلة من المعاناة”.

محمد حمدان في محل خراطة محركات بدوما بتاريخ 25 كانون أول/ ديسمبر 2025

محمد حمدان بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2016  في مزرعته في غوطة دمشق

محمد حمدان في محل خراطة محركات بدوما بتاريخ 25 كانون أول/ ديسمبر 2025

محمد حمدان بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2016  في مزرعته في غوطة دمشق

الأرض بيعت، المهنة بقيت 

في مزرعة هادئة ببلدة حمورية عام 2016، كان محمد حمدان يُعدّ إبريق شاي تحيط به أشجار المشمش والجوز. التقط له صديق صورة في تلك اللحظة، دون أن يخطر ببال أيٍّ منهما أن هذه الأرض ستباع يوماً لتأمين لقمة العيش.

خلال فترة الحرب والحصار المفروض على مناطق في الغوطة الشرقية، عمل محمد في خراطة محركات السيارات لمساعدة عائلته، ” اضطررنا لبيع الأرض، فقد كانت مصاريف الحياة اليومية لا ترحم، تماماً كالقصف الذي كان يطالنا كل يوم”.

بعد سقوط الغوطة بيد النظام عام 2018 توجّه محمد مع آلاف آخرين إلى “الممر الآمن” الذي فتحته القوات الروسية لترحيل السكّان، لكن المسار لم يكن آمناً. تجرّع محمد مرارة الاعتقال في الفرع 227، ثم في الأمن العسكري، قبل أن يُساق إلى الخدمة العسكرية في محافظة القنيطرة جنوبي البلاد.

“كانت عائلتي تعيش أسوأ أيامها”، يتذكر محمد، “أخي معتقل، وأنا عسكري، والبلدة مدمّرة بالكامل. توفي والدي بنوبة قلبية من شدة الحزن، فأصبحت المسؤولية على عاتقي وحدي”.

دفع محمد رشوة شهرية بقيمة ثلاثة ملايين ليرة سورية آنذاك مقابل “التفييش”، أي البقاء في إجازة شبه دائمة. استغل ذلك للعمل في المنطقة الصناعية بحوش بلاس، في المهنة نفسها التي تعلّمها تحت الحصار، واستمر في عمله حتى سقوط النظام.

اليوم محمد في الحادية والثلاثين من عمره، يملك محمد محله الخاص في دوما، يحمل خبرة 13 عاماً في خراطة المحركات. “خسرت تعليمي، لكنني كسبت مهنة لم أتخيّلها” ثم يضيف بنبرة واثقة: “لو لم أتعلّمها، لم أكن لأنجو”.

تم التقاط الصورة لياسر بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2015  في حمورية

ياسر في محل خراطة محركات بحمورية بتاريخ 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

ياسر في محل خراطة محركات بحمورية بتاريخ 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

تم التقاط الصورة لياسر بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2015  في حمورية

المحرّك عاد للدوران

يحاول ياسر العربيني استعادة تفاصيل صورة التُقطت قبل عشر سنوات، عثر عليها مصادفة ضمن مجموعة صور عشوائية لأشخاص آخرين.

يظن أنه التقطها بالقرب من محله الصغير لصيانة الإطارات، المهنة التي تعلّمها من شقيقه الذي قُتل في معركة الفوج 81 في بلدة المليحة بغوطة دمشق الشرقية عام 2013.

تنقّل ياسر بين الرباط مع شباب المنطقة على الجبهات والعمل في ورشته لإعالة أسرته المقيمة في حمورية. وبعد سقوط الغوطة عسكرياً عام 2018، اختار التهجير إلى الشمال السوري مع عائلته، رافضاً الذهاب إلى مراكز الإيواء في مناطق سيطرة النظام.

“عملت في المحكمة العسكرية بإدلب ضمن القوة التنفيذية لثلاث سنوات”، يقول ياسر، “لكن الوضع الاقتصادي صار صعباً، خاصة بعد أن أصبح عندي خمسة أولاد. هناك تركت العمل وبدأت أتعلم مهنة جديدة، خراطة المحركات، واستمريت فيها حتى سقوط النظام”.

قبل سبعة أشهر، عاد ياسر إلى حمورية ليبدأ فصلاً جديداً بالمهنة التي تعلّمها خلال التهجير. يعمل اليوم مسؤولاً في محل للخراطة، يتعرف على زبائنه الجدد، مؤمناً بأن “الوضع يتحسن شيئاً فشيئاً” مع كل محرك يعيد إحياءه.

تم التقاط الصور بتاريخ 1 كانون الأول/ ديسمبر 2012  في حمورية

الصورة في مكتب عقاري بتاريخ 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

تم التقاط الصور بتاريخ 1 كانون الأول/ ديسمبر 2012  في حمورية ||| الصورة في مكتب عقاري بتاريخ 18 كانون أول/ ديسمبر 2025

شريكان لا يفترقان

خلف جهاز لاسلكي في شقة صغيرة عام 2012، كان عبد الرحمن حسون وعبد الرحمن عيسى ينسّقان إيقاع الحياة في غوطة دمشق. عملا معاً في مركز الإشارة المنقسم إلى قسمين: المدني، المسؤول عن التواصل بين النقاط الطبية والمجالس المحلية، والعسكري، المختص بتخديم خطوط المواجهة وتحذير الأهالي من الغارات وإرشادهم بالتعليمات.

يقول حسون: “استمررت في هذا العمل من 2012 حتى 2016. ومع اشتداد وطأة الحصار، عملت في محل موبايلات لتأمين مصروف الحياة اليومي”. بينما عيسى استمر في المجال نفسه حتى 2018.

افترق الشابان في زحام “يوم القيامة” كما يصف عيسى يوم سقوط الغوطة الشرقية وتهجير سكانها عام 2018. تاه كل منهما في مسار مختلف، وصلا إلى مركز إيواء عدرا عبر “الممر الآمن” كل على حدة، دون أن يعرف أحدهما إلى أين ذهب الآخر أو ماذا قرر أن يفعل. 

يصف عيسى يوم التهجير: “حملت أطفالي ومشيت مع رتل من الناس لا يظهر أوله من آخره، أمي ما بعرف وينها، حسون ما بعرف وين راح، لكنني وجدته وجهاً لوجه في مركز الإيواء”.

غُيّب حسون أربعة أشهر في سجن مطار المزة، ثم عاش متخفياً في مدينة سقبا في ريف دمشق. أما عيسى، فاعتُقل ثمانية أشهر تنقل خلالها بين أكثر من فرع، ثم عاش خمس سنوات في مدينة التل في ريف دمشق، حاله حال عبد الرحمن الذي خاف العودة إلى البلدة بسبب العيون والجواسيس.

بعد سنوات من الانفصال، اجتمعا مجدداً وافتتحا مكتباً عقارياً في بلدة حمورية قبل خمسة أشهر. استُبدلت أجهزة الاتصال اللاسلكية التي كانت تنقل أوضاع الغوطة بهواتفهم المحمولة، يبحثون من خلالها عن شقة للإيجار هنا، وأرض للبيع هناك.