fbpx

عن الإعصار.. والرغبة في التذكر

في كل مرة تجري فيها مياه الوادي تختفي أشياء، وتظهر أشياء جديدة، تتغير معالم المكان، تحدث ارتفاعات جديدة وانخفاضات في تضاريسه..
ــــــــ المـكـان
كوثر الحارثي
12 نوفمبر 2021

عادة ما يظن الكثيرون أن الثبات سمة القرى، لكن التغيير المستمر هو الأساس في قريتي الصغيرة المحاطة بالجبال من كل الجهات، يتوسط قريتي واديان. في كل مرة تجري فيها مياه الوادي تختفي أشياء، وتظهر أشياء جديدة، تتغير معالم المكان، تحدث ارتفاعات جديدة وانخفاضات في تضاريسه.

تبعد قريتي عن مسقط حوالي ساعة بالسيارة، هي متوارية وسط الجبال. هنا تحدث المنخفضات الجوية والعواصف غالبًا في بداية الصيف ونهايته، أحدث ما مر علينا كان إعصار شاهين قبل أسابيع.

عادة ما تأتي العواصف مصحوبة بجريان المياه في الأودية والذي ينتج عنه تغييرات في المكان قد تكون طفيفة أو كبيرة. لا يُمكن أبدًا التنبؤ بمدى ارتفاع منسوب المياه، ولا بحجم التأثير القادم.

في العام الماضي استيقظ الناس على خبر اختفاء شجرة الغاف الكبيرة التي كانت تتوسط الوادي، والتي تعودت نساء قريتنا على التجمع حولها في وقت العصر، بعد يوم من الحادثة اعتاد الجميع على المشهد الجديد ونسوا أمر شجرة الغاف ولم يعودوا للحديث عنها.

في يوم آخر ارتفع منسوب المياه في الوادي، فدخلت إلى الضواحي، واستيقظنا صباحَا لنشاهد أبواب الضواحي جميعها مثنية من الأسفل بفعل قوة اندفاع المياه، كان شكلها يبعث على الدهشة لأنها اتاحت رؤية ما بداخل المزارع من خلال جزئها السفلي المثني. يومها كانت جارتنا تبكي لأن جميع نعجاتها قد نفقت. بعد أسبوع غيّر المزارعون أبواب مزارعهم وقررت جارتنا أن تربي الأبقار عوضًا عن الأغنام.

في كل سنة تحدث تغييرات في تضاريس الوادي، قبل عامين ظهرت حفرة بعمق مترين، انتشر بعدها خبر يقول بأن الحفرة هي ثقب قديم من ثقوب فلج مندثر. بعد أشهر جرت المياه في الوادي ثانية وجرفت كمية من التربة لتطمر الحفرة, في تلك المرة ظهرت سبخة كبيرة أصبح الماء يتجمع فيها وقت هطول المطر ويبقى لعدة أيام، وجد الأطفال فيها مكانُا مثاليًا للسباحة واللعب.

التغييرات تطول المباني أيضًا، فقبل عدة سنوات اضطر جيراننا الهنود إلى تغيير مكان سكنهم بعد أن دخلت المياه إلى بيوتهم وأحدثت أضرارًا كبيرة. في البداية، افتقدنا صوت أغانيهم التي كانوا يغنونها كل مساء جمعة، ثم اعتدنا على أيام الجمعة التي تمضي بدون أغنيات.أصبحت البيوت الثلاثة بجانبنا بيوتًا مهجورة.

تأتي مياه الوادي بأشياء مثل ورقة دفتر مدرسي ذوبت المياه الحبر الذي كان عليها، أو قطعة حلوى، حجرة ملونة بألوان مشرقة، صندوق خشبي بال، ألعاب محطمة. وأنا في طفولتي نسجت الكثير من الحكايات حول كل غرض جديد يظهر.

التغييرات هنا لا تتوقف، أصبحت الأمطار الغزيرة أو الأعاصير أمورًا متوقعة ويُمكن التصدي لها، قد تحدث خسائر، يحزن الناس ليوم أو يومين، ثم يصلحون كل شيء وينسون بقلوب راضية.

أما أنا فبعد كل مرة تجري فيها مياه الوادي، أتمشى طويلًا وأحاول التقاط أكبر قدر من تفاصيل التغيير الجديد قبل أن يتلاشى، أرغب في لمس كل شيء والشعور به كجزء من قصتي في هذا المكان، أشعر بالغرابة وأحيانًا بالدهشة تجاه الأشكال الجديدة التي تظهر والتي تكون غريبة وغير متوقعة، وبالعجز أمام جثث الحيوانات النافقة.

أريد أن استمع واحتفظ بقصص جيراننا حول ما حصل لهم وقت الإعصار أو وقت ارتفاع منسوب المياه، عن سيناريو هروبهم من النافذة، وقصة إدخالهم نعاجهم إلى غرفة النوم الضيقة في الطابق الثاني، قصة بقرتهم التي جرفتها مياه الوادي ثم وجدها سكان قرية مجاورة تبعد ثلاثة كيلومترات، القصص التي سيتوقفون هم عن سردها بعد يوم أو يومين من حدوثها.