fbpx

كيف الحال في توجة؟.. نحاول إطفاء النار

بعد أيام من اشتعال نيران الغابات في منطقة القبائل، شرق الجزائر العاصمة، سافرت هاجر إلى بلدية توجة وتابعت تصدي سكان القرى للنار
ــــــــ المـكـان
هاجر وسلاتي
26 أغسطس 2021

12 أغسطس/أوت، رابع يوم للنيران التي اشتعلت في منطقة القبائل، سافرت من بيتي في مدينة الجزائر نحو بلدية توجة (230 كلم شرق العاصمة) في جبال ولاية بجاية. كانت الحرائق الكبرى على الناحية الثانية من الجبال، في ولاية تيزي وزو، لكن النيران كانت قد انتشرت في كل المنطقة..

بشر وحيوانات يتعلّقون بقشّة

كنا محاطين بالنيران والغابة الضخمة التي تتآكل أطرافٌ منها، خلال عبورنا بقرية سليم عند مفترق الطرق. خصوصية هذه المنطقة من جبال بجاية هي تلك الأراضي الصالحة للزراعة والتي تحيط بجانبي الطريق، بعضهم يزرعها زيتوناً في حين يوزّع عليها آخرون خلايا النحل.

انطلقت النيران منذ يومين في بجاية، والتهمت الغطاء النباتي بسرعة مخيفة، على طول الطريق وجدنا شباباً يراقبون الجبال التي تشعر من نظراتهم أنهم ينتمون إليها. يحاولون ترصّد أمكنة الحرائق، ومن دون كلمة يصعدون فوق دراجاتهم النارية وينطلقون نحو النيران.

كلما أتقدم في الطريق الجبلية أكتشف أنها خط الدفاع، في آخرها توجد قرية تاردم، وعلى كل هؤلاء الرجال أن يمنعوا وصول النار إلى القرية. لا أثر لأفراد الحماية المدنية تقريباً، كل الوحدات حُوِّلت إلى تيزي وزو. في حين أن السكان وضعوا كل صهاريج المياه في المنطقة تحت التصرّف، بل حتى قارورات المياه استُعمِلت في إطفاء النيران الصغيرة وسط الأحراش حيث يصعب دخول الدلاء.

بعضهم استبقوا النار، وارتدوا قمصان بأكمام طويلة ونظارات واقية وكمامات. آخرون كانوا بقمصان صيفية، مزقوها ولبسوها مثل أقنعة الثوار في تشياباس.

أشاهد سرباً من السنونوات فوق الدخان، أشعر أنها أضاعت البوصلة. لازالت النيران بعيدة عن القرى في اليوم الأول لي، والثالث لاشتعالها في كل المنطقة. بعد يومين أو ثلاثة، سيصبح أهل قرية تاردم مهددين، حقول الزيتون حولهم أكلتها النيران، أرى شاباً مصاباً: ساقه وظهره محروقان. يهرع به رفاقه إلى مصحة جوارية.

تطير النحلات الهاربة من الدخان في كل اتجاه، قطع بعض مربي النحل زجاجات مياه بلاستيكية ووضعوا فيها عصائر ومشروبات غازية مع قليل من التبن، حتى تلجأ إليها النحلات المذعورات.. تتعلّق في آخر قشّة وتشرب المحلول السكري.

يُشير أحد فلاحي قرية تاردم إلى الطيور بيده: “سنونوات..” ثم يضيف: “حزن البعض قد يصنع فرحة البعض الآخر، السنونوات تتبع الدخان لأنه يطرد الحشرات، ما عليها سوى أن تفتح فمها وتتلّقى الحشرة”. لم تكن السنونوات ضائعة إذاً.

تتوقّف النار مع نهاية اليوم الأول ولكن من الجهة الأخرى للجبل لازال لهيبها قوياً.

مياه وقنابل تحت الأرض

ساهم الجفاف وعدم الاعتناء بالغابات بشكل كبير في تمدد ألسنة النيران واقترابها من أبواب القرى. في اليوم الثاني يعود الرجال إلى النار، من دون نوم، يتحدث كهلان أمامي عن جريمة مقتل الشاب جمال بن سماعين في الأربعاء ناث إيراثن، “الله يرحمه.. كارثة..” ثم يردّد: “كارثة.. كارثة.. والله ما فهمنا”.

في الأثناء كانت المساعدات من كل الولايات قد وصلت نحو القرى، خاصة الأكل والألبسة والأدوية. كل هؤلاء الشباب (ميكانيكي، أستاذ، طالب، تاجر..) وجدوا أنفسهم رغما عنهم جنودا يحاربون النار، معلقين في الجبال فوق الدخان يهرعون من قمة لأخرى بدراجاتهم النارية، وخلفهم شاحنات صهاريج المياه، في زمنٍ مسّ القلق المائي حتى عاصمة البلاد وصار السكان يعانون من انقطاعات متكرّرة منذ أشهر.

في تيزي وزو، لم تتوقف النيران. “طائرات كنادير التي أجّرتها الدولة لم تطر فعلاً فوق قمم جبال تيزي وزو، لأنها عالية ومتقاربة، وهذا فيه خطر على الطائرات”، يقول أحد الشيوخ الواقفين على طرف الطريق.

ينزل الشباب بقارورات المياه في أكثر الأحراش ضيقاً، والتي لا تصلها خراطيم المياه، وهم يصرخون “آويد آمان” (هاتوا الماء) أو “أولاش آمان” (لا يوجد ماء). وهكذا تحوّلت قارورات المياه التي جُلبت لإطفاء عطش جنود النار وسيلة لإطفاء هذه الأخيرة.

لا يمكن تنفس الهواء، الدخان يدخل العينين ثم الأنف، كل من يصعد يضيق نفسه، وكأنما يريد البعض محاربة الشر بالشر فيشعلون سيجارة.

تصل صهاريج جديدة، يوصلون الخراطيم الضيقة المخصصة لسقي المزارع. كل شيء هنا يتم تحويله لسلاح ضد النار، وعلى طول هذه الطريق يوجد آبار حفرها المزارعون بطريقة غير شرعية، وأكثرهم مجبرون على دفع مخالفات بعد متابعتهم من طرف محافظة الغابات؛ ورغم ذلك –وبعد خمسة أيام من النيران وعشرات الموتى- فإن الآبار غير الشرعية هي من اطفأت النيران.

في خضم الفوضى ظهر النظام. على طريق توجة، مروراً بقرية سليم، نصل إلى قرية تاردم، هنا تنتهي الطريق وعلى باب هذه القرية يجب أن تموت كل النيران. يجلس الرجال الأكبر سناً عند بناء غير مكتمل، فوق رأسهم خط كهرباء عالي التوتر. يطلب رجال الإطفاء منهم ألا يجلسوا تحت هذا الخطر، خوفاً من أن يضرب الصهريج المتدلي من مروحية الجيش الوطني خط الكهرباء.

يتابع الجميع حركة المروحية، ولكن من دون مرافقة الطيار البصرية للصهريج المتدلي، وبعد ساعتين من المحاولة، يعلق الصهريج في الأشجار وينفجر. بعدها تذهب المروحية ولا تعود أبداً. يواصل الناس محاربة النار.

في مقابل الشيوخ تحيط مقبرة بيضاء بالجبل مثل حزام، قبور بيضاء وحزينة في مواجهة دخان كثيف بين الأبيض والرمادي، يحجب السماء. النيران هنا، على باب القرية. لم يكن بوسع الرجال المصدومين سوى تأمل أي شكل ممكن أن تتخّذه النهاية.

أسفل الطريق، يقوم الرجال بين 17 و35 سنة بتشكيل سلسلة بشرية طويلة لتمرير دلاء الماء. يقفون أمام قطعة أرض مشتعلة، وحيث نلمح بقايا زراعة جففتها حرارة رصاصية منذ بداية الصيف. لم يبق للنيران سوى عشرة أمتار على السلسلة البشرية. وبين هذه الأخيرة والنار، يركض ثلاثة شباب بدلاء الماء بقدرة تحمّل لا يغذيها سوى الخوف على قريتهم.

يدخل الدخان الأفواه والأنوف. تطير النحلات في كل الاتجاهات، ماتت أغلبها في الدخان.

أولاش آمان“، يصرخ الشباب الواقفون في الخطوط الأولى. فرغت الصهاريج وقارورات المياه. لم تبق قطرة واحدة. تحفر الأيدي التراب بالقرب من المقبرة وتملأ الدلاء.

عن بُعد، يستبق آخرون وصول النار التي تبدو لنا لحظتها مثل حيوان كلّما حوصر وجد طريق هرب جديدة.. كأن بها روحًا تدفعها لمحاربة القرويين. تقترب النار من أبواب القرية، وتهاجم حاجز نباتات عوسج بعدما حاصرها الرجال بالمياه والتراب، تقترب منهم فتتعالى الصرخات: “فلنغادر، لا يمكننا فعل شيء”.

نعود لننزل إلى الطريق، عددنا أكثر من مائتين ربما، نجتمع لنُشاهد تقدم النار دون حيلة. يخرج القرويون. كلنا ننتظر وصول النار.

“انفجار قنابل من سنوات الإرهاب مغروسة هنا وهناك وسط الغابة، هو ما ساهم في التهاب النيران”، يقول أحد القرويين. أفكّر في الموضوع، قد يكون هذا أحد الأسباب.. لا أعرف، لكني رأيت بعض شباب القرية بمنعون رجال الإطفاء في الأيام الأخيرة من النزول إلى بعض الأحراش، لأن بها قنابل، ينزعون الخراطيم من أيديهم وينطلقون كالسّهم. يعرفون منطقتهم شبراً شبراً.

في انتظار الطائر المعدني العملاق

عند سفح الربوة اشتعل قنّ دجاج، ينزل الشباب الذين لم يناموا منذ خمسة أيام ولم يلتقطوا أنفاسهم حتى. يركضون لمساعدة مربي الدجاج في إطفاء النيران عبر مسرب ضيق ومائل لا يظهر لعابر الطريق الأجنبي. من موقعي في الطريق، أرى في الأسفل عشرات الصهاريج تشق طريقها نحو القرية.

في الأثناء، داخل القرية، يبدو أن الوقت قد توقف. الصمت سيّد المكان والكل يشاهد المصيبة قادمة. النساء والبنات والأولاد والشيوخ جالسون، ظهورهم إلى بيوتهم وعيونهم على الجبال المحترقة. قرية تاردم لها طابع فراديسي تستدعيه جهنم المشتعلة من حولها.

في القرية، لا توجد نحلة ولا سنونوة ولا رجل شاب. القرية مُعلّقة، قريبة من السماء، وهذه الأخيرة تُمطر رماداً. والطريق من بلدية توجة تنتهي هنا. يبتسم ماريو، رجل ثلاثيني، وهو يصعد إلى بيت العائلة، “كيف الحال؟” يقول لطفلين ركضا نحوه وهو يربّت على رأسيهما، أولاد أخته. يحيّي كل من يلتقيه في طريقه، ولكن لا أحد يسأل عن الحال “تحت”.

نسمع أعلى الطريق أصوات بنات من خلف حاجز الصبّار الهندي، ثم يظهرن وهن يحملن حقائب ثقيلة، تتحضر عائلتهن للهروب. يصل ماريو إلى بيته، ركبته مضمّدة وظهره مغطى بالكاد. أصابته الحروق منذ أيام. يدخل إلى بيته، تسأله جدّته بنظراتها. يحكي باقتضاب قبل أن يصمت. ترجع العجوز للجلوس على كرسيها وظهرها إلى الحائط. يهبط الليل دون أمل في وصول طائرة كنادير، سينتظر القرويون ليلة أخرى محاولين إطفاء النيران دون جدوى.

مع تنفّس صباح 15 أغسطس/أوت، يصل الطائر المعدني العملاق ببطن مملوءة بالمياه.. ويطفئ كل النيران المحيطة بالقرية..