fbpx

لا أشبه أمي

من المحتمل أن كل محاولاتي لإيجاد رابط بيني وبين أمي إنما هي طريقتي لكي أشعر أنني هنا -في البلاد الجديدة- واضحة الملامح، ولدي جذر مرئي
ــــــــ المـكـان
شيماء صالح
28 مارس 2024

يوميًا؛ ألتقط عشرات الصور لابنتي الرضيعة ذات الثلاث أشهر، محاولات دؤوبة للبحث عن شبه بيني وبينها.

أضع صوري بجانب صور ابنتي؛ هنا فمها مثلي.. عينها في هذه الصورة تشبه عيني.. لا، في هذه اللقطة عينها لا تماثلني.. هنا أنفها مثلي لا مثل أبيها.. اليوم هي نسختي، أمس لم تكن. كل يوم أنا في حال، دوامة من الصور والمقارنات والمشاعر تعتريني منذ ولادة ابنتي.

مقارنات تذكرني بمحاولاتي الفاشلة في إيجاد شبه بيني وبين أمي، كنت أنظر لأمي وانظر لنفسي في المرآة، أدقق في وجهي علني أجد ملمحًا أو نظرةً أو حتى ابتسامةً لها .

أنا لا اشبه امي ولا أشبه أبي، أنا نتاج تزاوج جينات أمي ابنة “المنصورة” في دلتا مصر شمالًا وجينات أبي النوبي من الجنوب، لطالما شعرت أني في الوسط، لست من هنا ولست من هناك.  

منذ صغري وأنا أنظر لأمي بإعجاب، هي سيدة جميلة رومانسية خفيفة الظل وقوية، خفق قلبها لفتى أسمر قابلته صدفة يومًا ما، تتبعت دقات قلبها وتمسكت بمشاعرها أمام رفض عائلتها له، كانت فتاة عنيدة تفعل ما تريده حتى لو كان ثمن ذلك ضرب مبرح من أخيها  الأكبر حتى تعود عما تريد، في النهاية رضخت عائلتها لحبها وتزوجت أبي.  

 تركت أمي مدينتها وذهبت مع أبي إلى قريته النوبية في الجنوب، واجهت أمي الكثير من الصعاب والتحديات في مكانها الجديد، فلم يكن أمرًا سهلًا أن يتزوج نوبي من خارج أهل النوبة، استطاعت بقوتها وعلاقة الحب التي جمعتها بأبي أن تتغلب على اختلاف العادات والتقاليد وعلى صعوبة اللغة النوبية وتعلمتها. 

عندما أنظر إلى حياتي أجدني على غير قصد الوحيدة من أبناء امي التي عاشت حياة تقارب حياتها، وكأن الأقدار حققت  بشكل ما رغبتي الدفينة في التشبه بأمي، فأنا ابنة الجنوب تربيةً ونشأةً أحببت وتزوجت من الاسكندرية شمال البلاد، انتقلت مع زوجي إلى فرنسا وواجهت نفس تحدي أمي، اختلاف العادات والتقاليد واللغة.

كنت أصغر اخوتي الستة، عندما ولدت كان أبي في منتصف الخمسين من عمره، جئت عندما فرغ من طاقة الأبوة بحكم السن، لذلك لم يكن له تواجد يذكر في حياتي، بخلاف أمي الحاضرة دائمًا والواعية بكل تفاصيل حياتي، حضور قوي جعلني أقع تحت تأثيرها وأعجب بها، مع الوقت تحول هذا الإعجاب إلى رغبة ملحة في إيجاد تشابه بيني وبينها، هي نفس رغبتي القوية في أن تكون ابنتي نسخة مني.

 لم يكن لدي هذا الشعور مع ابني البكري.. لا أعلم هل للأمر علاقة بشعوري أن الولد ظل أبيه؟

 مع ابنتي الوضع مختلف. أتذكر اليوم الذي علمت فيه أنني حامل في بنت، كنت تقريبًا أرقص في الشارع من الفرحة، أتذكر مكالماتي الطويلة مع أختي وتمنياتي أن تنجح  ابنتي فيما فشلت فيه وأن تحمل ملامح من أمي، أو على الأقل تشبهني.

كل مرة فشلت في إيجاد شبه بيني وبين أمي كان يتملكني شعور بإفتقاد شئ ما، وأن شكلي باهت شفاف وأن ملامح وجهي غير مرئية. وأني لست جميلة، كان لديّ اعتقاد أن القدر أتاح لي أن أكون متفوقة دراسيًا كتعويض عن عدم شبهي بأمي الجميلة، لازمني هذا الشعور طوال حياتي حتى  تخلصت منه وأنا في الجامعة، عندما  قررت أن أعزز ثقتي في نفسي وفي شكلي حتى لو لم أكن شبيهة أمي .

كنت دائمًا أتساءل لماذا تتملكني الغيرة عندنا أرى أم وابنتها في الشارع وهما طبق الأصل، ولماذا أبحث عن أشياء تشبهني بأمي أو أن أجد شبهًا بيني وبين ابنتي.

أتذكر ثاني يوم ولادة ابنتي عندما وجدت أصابع قدميها نسخة من أصابع قدمي فلتت مني ضحكة من القلب، ضحكة بطعم الانتصار، كنت في قمة سعادتي، نفس السعادة التي شعرت بها بعد وفاة امي بشهور وأنا أقف أمام المرآة ورأيت نظرتي تشبه نظرة امي، في هذا اليوم شعرت أخيرًا أنني أمسكت بأمي، أمسكت بشيء ما لها داخلي.

من المحتمل أن كل محاولاتي لإيجاد رابط بيني وبين أمي إنما هي طريقتي لكي أشعر أنني هنا -في البلاد الجديدة- واضحة الملامح، ولدي جذر مرئي.

فكرة انتماءنا إلى شخص ما أو انتماء شخص ما لنا تجعلنا أكثر ثباتا، أكثر حضورًا، قوة. أن يكون لنا امتداد أو نتحول نحن إلى امتداد، شيء يمسك بنا ونمسك به يؤكد على أننا لسنا وحيدين علي هذه الارض.