حتى لا يكبر عدوّي في داخلي

تملكني الخوف والغضب وفقدت جزءاً كبيراً من ارتباطي العاطفي بالوطن، ثم تملكني السخط وقاتلت بشراسة حتى لا أشبههم، أولئك الذين يباركون الموت من وراء شاشة الهاتف
ــــــــ المـكـان
22 يناير 2026

منذ ثماني سنوات استيقظ كل يوم في نفس الساعة، أفتح عينيّ وأقرأ الأخبار علّها تكون سعيدة، واليوم بعد مرور حوالي سنة على سقوط نظام الأسد، لم تتغير العناوين كثيراً بالنسبة لي، من أخبار الاعتقالات العشوائية وأصوات التعذيب في السجون واستحالة المعيشة إلى اختفاء الناس وقتلهم فرادى أو جماعات.

في وسط كل هذه الفوضى، كان خيار البقاء صعباً بالنسبة لي، ولكنه كان الخيار الوحيد المتوفر، أضف عليه شعوري بالارتباط بالأرض. كنت أقول دائماً قبل سقوط الأسد “لمين رح اترك البلد وسافر، مين رح يحرس هوية المكان إذا كلنا رحنا”. 

كنت وما زلت أشعر بالواجب تجاه الأرض، تجاه هويتي المسروقة مذ ولدت.

شعرت بالأمل للمرة الأولى يوم سقوط نظام الأسد،  أملٌ سكنني لساعاتٍ قليلة وبدأ بالزوال بعد أن مشيت في شوارع حيّنا البسيط، حي “الدعتور” المنشأ عشوائياً على أطراف مدينة اللاذقية. بدأت أشتّم رائحة الخوف التي تفوح من مسامات الناس في الشارع، خوفٌ من الآخر كان قد زرعه نظام الأسد فينا، استخدمه طوال سنوات الحرب لتوسيع الفجوة بيننا نحن أبناء الأرض الواحدة.

كان الخوف يومها غير مبرر بالنسبة لي، حتى بدأت أعمال عنفٍ انتقامية وطائفية أخذت طابع انتهاكاتٍ فردية هنا وهناك، لم تلبث أن تحولت لفعل جماعي في السادس من آذار/ مارس 2025، وقعت على إثره مجازر الساحل التي راح ضحيتها أكثر من 1500 شخص خلال ثلاثة أيام فقط.

في اليوم الأول كان حينا الدعتور من أوائل الأحياء المستهدفة.. قُتل اثنين من أقربائي وعدد من معارف العائلة وتملكني أشد الخوف على بيتنا المفتوح دائماً للغريب والقريب كقلب أمي وأبي، وصرت أتسائل: 

ماذا لو أطلقوا الرصاص من الباب الحديدي الذي يمكنك فتحه حتى من الخارج؟ 

ماذا لو نزلوا من السطح المفتوح على الصالون، المكان الذي تختبئ فيه عائلتي كلها إلا أنا؟

أنا التي كنت في الجهة الأخرى من البلاد، داخل بيتي في مدينة جرمانا في ريف دمشق أقرأ الأخبار طوال اثنين وسبعين ساعة، دون نوم، على اتصال مفتوح بشكل شبه دائم مع عائلتي التي لم تكفّ عن إعلامي بخبر موت أحد معارفنا.

تملكني الخوف والغضب وفقدت جزءاً كبيراً من ارتباطي العاطفي بالوطن، ثم تملكني السخط وقاتلت بشراسة حتى لا يكبر عدوي بداخلي، حتى لا أشبههم، أولئك الذين يباركون الموت من وراء شاشة الهاتف، قاتلت حتى لا يتملكني شعوري بالفقد ويحولني إلى آلة قتل مثلهم. 

بعد شهرٍ تقريباً في الوقت الذي بدأت فيه محاولة تجاوز الصدمة مما حدث في حينا ومناطق الساحل، تعرضت جرمانا لهجوم مجموعة من الفصائل والمدنيين المتشددين بعد انتشار مقطع صوتي غير موثق يتم فيه شتم النبي محمد بلهجة درزية .. “أيّ بلادٍ تلك التي يُقتل أبناؤها بسبب مقطع صوت على الواتساب؟”

سكنتني الحرب وتسللت إلى روحي، وصار الخوف على من أحب، ينهش بي في كل مرة أتصفح فيها الأخبار، وزادت رغبتي القديمة في الرحيل إلى بلد لا أفقد فيه جزءاً مني كل يوم، لا تتغير أخباره فجأة من “لا شيء يحصل الآن، هناك هدوء تام” إلى “هجموا بسواطيرهم وشتائمهم الطائفية وعيونهم التواقة إلى الدم” بغضون ساعات فقط.

لقد فقد الوطن معناه الحقيقي عندما أصبح موتنا سهل ومبرر وحتى مثير للضحك عند بعض الناس، الذين شاركونا بيوتنا وقلوبنا وحقدنا على النظام وحتى صمتنا الجبان الذي كنا نفهمه ونعرفه جميعنا.

لم يعد البلد وطناً لأغلبنا نحن الذين رفضنا أن يسيل دم أي طرف من الأطراف، الذين حاربنا بالحب والحياة كل فكرة متشددة قاتلة دُسّت لنا مع الهواء المليء برائحة الرصاص والموت والدم والدموع.