«هناك أطفال وُلدوا هنا، كبروا خلف هذه الأسوار، ولا يعرفون عن سنجار سوى اسمها».
لم تكن جملة «سيروان»، ونحن نسير في أزقة مخيم «مام رشان»، في دهوك مجرد جملة عابرة، حينها، توقفت طويلاً عند كلماته. أدركت الواقع الذي علق فيه هؤلاء الناس؛ فما كان يُفترض أن يكون مجرد «محطة نزوح طارئة»، استحال مع مرور السنوات وطنًا قسريًا وواقعًا قائمًا بذاته. هنا، وُلد ونشأ جيلٌ أيزيدي كامل داخل «حالة استثناء دائمة».
تعرّفت على سيروان داخل المخيم، وأصبح صديقي مع الوقت. هو أيزيدي من أهالي سنجار يعيش هنا منذ سنوات. برفقته بدأت أرى المكان من الداخل، لا كمصوّر فقط، بل كشاهد يحاول الفهم. يعرّفني على الناس، وعلى تفاصيل حياتهم اليومية، ويفتح لي أبواب هذا العالم المغلق، حيث تتحوّل الأيام إلى انتظار طويل، ويصعب التمييز بين المؤقت والدائم.
كنتُ أقف في المخيم بانتظار فريق التصوير حين خرجت امرأة من كرفانها تحمل كيس نفايات. توجهت نحو الحاوية الكبيرة، وجدتها ممتلئة تمامًا، عادت بصمت، أخرجت مكنستها، وبدأت تجمع القمامة المتراكمة حول الحاوية، ثم عادت إلى داخل كرفان من دون أن ينتبه إليها أحد.
بدا وكأن المشهد تجسيدًاً لمعنى الحياة هنا. الاعتناء بالمكان -مهما كان مؤقتًا وقاسيًا- هو المحاولة الأخيرة للحفاظ على الكرامة وسط انتظار لا ينتهي.
حضرتُ إلى هنا في البداية للعمل على تصوير فيلم وثائقي عن فريق كرة قدم يضم لاعبات نازحات من سنجار بعد اجتياح تنظيم داعش للمدينة عام 2014. لكن وجودي لم يبقَ محصورًا في إطار العمل. مع الوقت، أصبحت الكاميرا وسيلة لفهم المكان والزمن الذي استقرّ فيه، ومحاولة الاقتراب من حياة تتشكّل داخل هذا الواقع، ومن أثر الغياب المستمر عن المدينة.
يعيش هنا اليوم آلاف الأشخاص. كثير من الأطفال الذين وُلدوا في السنوات الأولى للنزوح أصبحوا في الحادية عشرة من عمرهم، من دون أن يروا سنجار يومًا. يعرفونها فقط كاسم يتكرر في أحاديث الكبار، أو كمدينة مؤجلة، حاضرة في الكلام وغائبة عن التجربة.
منذ عام 2014، تعرّض الأيزيديون لاضطهاد قاسٍ شمل القتل والخطف والتهجير القسري. هذا الماضي القريب ما زال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، في الصمت، وفي نظرات الناس، وفي محاولاتهم الاستمرار رغم كل شيء.
الحياة هنا تفتقر إلى أبسط مقوماتها. التعليم محدود، الخدمات ضعيفة، والبنية التحتية شبه غائبة. ورغم مرور سنوات طويلة، ما زال المكان يُدار بوصفه حالة مؤقتة، بينما الواقع يشير إلى العكس. في المقابل، لا تمثل العودة إلى سنجار خيارًا متاحًا للجميع، فيبقى البقاء هنا، بكل قسوته، الخيار الأقل قسوة.
اليوم، تتشكّل في هذا المكان ذاكرة جديدة. ذاكرة لا تقوم على التجربة المباشرة للمدينة، بل على الغياب عنها. ذاكرة جيل يعيش في مكان لم يُفترض أن يكون سوى محطة عابرة، لكنه تحوّل إلى واقع طويل الأمد، معلّق بين ما فُقد، وما لم يتحقّق بعد.
وفي آخر حديث بيني وبين سيروان، قال:
«هالفترة إحنا مستائين. ما عدنا ثقة بأي أحد. الحكومات تتغيّر وإحنا بعدنا بالمخيم. اللي كانوا داعش اليوم مكرَّمين، وإحنا بعدنا ننتظر. أكو خوف… وأكو عدم استقرار، وكل شي معلّق.»