مع استلام بشار الأسد السلطة في سوريا في تموز (يوليو) العام ألفين، تناقل السوريون أنباءً عن اندلاع اشتباكات عنيفة في مدينة السويداء إثر مقتل مزارع “درزي” على يد بعض أبناء العشائر البدوية دون ذكر الأسباب. تطورت الاشتباكات إلى معارك أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، وقتها تدخلت أجهزة الدولة السورية ووصلت دباباتها إلى مشفى السويداء الوطني متسببةً بمقتل واحد وعشرين شخصاً من الدروز والبدو.
في سنوات “الربيع السوري” (بعد 2011)، تجددت تلك المعارك عدة مرات بتفسيرات مختلفة، حيث اتُّهمت دمشق آنذاك بأنها وراء افتعال المعارك بهدف جر السويداء إلى صفها في معركة السلطة ضد السوريين. في مرات تالية اتَّهمت دمشق “تيارات معيّنة” في السويداء (لم تسمّها درزية) بأنها السبب والهدف التمهيد لـ “انفصال السويداء” عن سوريا، ومرة ثالثة ظهرت تلك المعارك والمناوشات على أنها سياق طبيعي لعلاقات متوترة منذ قرون بين البدو وسكان السويداء.
لم تكن هذه الأمثلة وحدها ما سجله التاريخ عن علاقة البدو والدروز في الجنوب السوري، فهناك عشرات غيرها، ولكن الثابت أنّ غالبية تلك المناوشات والمعارك كانت تبدأ وتنتهي “بأرضها”: بكل بساطة يتدخل عقلاء الطرفين ويحلوّن المشكلة، وبعد تبويس “الشوارب” يولمون وتدفع ديات القتلى ويعاود الناس حياتهم الطبيعية بعد وقت كاف لترميم الخسائر. في مرات كثيرة، خارج وجود السلطة أو تدخلها كانت أجهزة الدولة ـ الشرطة بالدرجة الأولى ـ تتدخل لفض النزاع. كان يمكن ببساطة لرئيس مخفر أن يحّل مشكلة كأداء وتنتهي من فورها في أرضها.
رغم كل هاتيك المعارك التي هي جزء طبيعي من سياق العلاقات البدوية ـ الدرزية في المنطقة إلا أن التوزع السكاني ـ العشائري والجغرافي والديموغرافي لكلا الفريقين لم يتغير طيلة ما يقرب من ثلاثة قرون من التعايش بينهما بما في ذلك نجاحهم معاً في تفادي أثر الأحداث الدامية في سوريا العقد الأخير بشكل مقبول، وإن تراجعت العلاقات الاجتماعية نسبياً كغيرها من علاقات النسيج السوري بين بعضه بعضا. التراكمات التي حدثت منذ سقوط النظام حتى العاشر من تموز (يوليو) انفجرت بشكل متوقع وإلى غير رجعة اعتباراً من الحادي عشر من تموز.
التغيير الصاعق
بين الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024 حتى عشرة تموز (يوليو) 2025 حدثت مئات الاستفزازات من عناصر منتمية إلى أجهزة السلطة الانتقالية ضد سوريين آخرين في عموم سوريا بمن فيهم أفراد من الجماعة الدرزية في جرمانا وصحنايا قرب دمشق. في السياق نفسه، أقامت السلطة الجديدة حاجزاً أمنياً تابعاً للأمن العام في منطقة “المسيلمة” القريب من السويداء على طريق دمشق ـ السويداء مؤلفاً من عناصر من البدو بشكل رئيسي.
وكما حدث في الساحل السوري تحوّل الحاجز إلى مكان للإساءات الطائفية والسلب والنهب وسرقة المال من مستخدمي ذلك الطريق، إضافة إلى اتهامات بشراكة الحاجز مع مجموعات مسلحة تقوم بعمليات الخطف والسرقة في المنطقة. توثّق صفحات على التواصل الاجتماعي مقتل لا يقل عن ثلاثين شخصاً ضحايا الانفلات الأمني وضعف قدرة السلطة على ضبط الأمن في تلك المنطقة. وتبعاً لناشطين من السويداء جرى إبلاغ السلطة بدمشق أكثر من مرة بضرورة ضبط هذا الواقع الأمني وردت السلطة أنه ليس لديها عناصر كافية لذلك تعتمد على أبناء البدو وأبناء درعا في تأمين الطريق.
في صباح يوم 11 تموز (يوليو) هاجم مسلحون بدو شاحنة خضار على طريق دمشق – السويداء، واعتدوا على سائقها الدرزي وسرقوا الشاحنة. وعلى ما يبدو أن مسلحي البدو، وبناء على رغبة مشغّليهم، لم يقتلوا السائق كما فعلوا في مرات سابقة بل نقلوه إلى مسافة قريبة من السويداء وتركوه، فقد كان مطلوباً أن يصل السائق حياً للسويداء ويقوم بإبلاغ أهله بما حصل لتقوم القيامة بعدها.
فيما مضى لم يكن لمثل هذه الحادثة أن تتسبب بكل ما لحقها من سلسلة عمليات ثأرية بدأت بعمليات خطف متبادلة ثم تطورت إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط عدة مئات القتلى والجرحى من الطرفين. كان من الممكن تدخل عقلاء من الطرفين لرأب الصدع ولكن كان مقصوداً أن تترك الأمور للجهّال (كما هو التعبير الدرزي) لتتفاقم الأمور ويطلب تدخل قوات أمن الحكومة الانتقالية ثم يطلق نداء “الفزعة” لتجميع مقاتلي العشائر ضد مدينة ومقاتلي السويداء.
بعد عشرة أيام على الحادثة شاهد السوريون مجازراً مروّعة في مدينة السويداء وقراها بعد تدخّل قوات الحكومة الانتقالية السورية و”فزعة العشائر” لدعم “البدو” بشكل معلن، في وقت ادّعت فيه الحكومة أنها قدمت لفض النزاع بين قوات درزية مسلحة وأخرى بدوية مسلحة، وللمرة الأولى في تاريخ العلاقة بين الطرفين (الدروز والبدو) شهدنا صباح الإثنين 21 تموز (يوليو)، توافد الحافلات إلى مدينة السويداء لبدء “تأمين خروج” عائلات البدو، باتجاه مراكز إيواء في درعا ودمشق بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري.
وفق محافظ درعا أنور الزعبي، فإن عدد نازحي العشائر البدوية المقيمة في محيط السويداء (حتى 21 تموز) بلغ نحو 35 ألف شخص. وبالمقابل تعرضت 37 قرية درزية من قرى ريف السويداء الغربي بعدد سكان حوالي 200 ألف إلى عمليات حرق وقتل وتهجير مع تخريب فظيع للبنى التحتية بما في ذلك تدمير آبار المياه مع بدء حصار السويداء من قبل سلطات دمشق الجديدة، إضافة إلى نهب المنازل وحرق السيارات ومدخرات الأهالي من مال وذهب. وهذه العمليات جرت قبل نقل البدو من داخل المحافظة إلى خارجها.
وفق الأرقام الأممية فإن 192 ألف شخص من البدو والدروز نزحوا من أماكن سكنهم. سجّلت حالات نزوح سكان القرى والبدو ثاني حالة نزوح جماعية في عهد النظام الجديد بعد نزوح سكان ثلاثين قرية “علوية” في ريفي حمص الغربي (مثل معان، الشيحة، الشيخ علي كاسون، الخ) وحماة الغربي (قرى العزيزة وأرزة) واستيطان عائلات مقاتلين تابعين للسلطة الانتقالية فيها. طال النزوح هذه المرة شرائح ومجتمعات سورية جديدة لم تعان منه خلال فترة النزاع السوري – السوري فيما يظهر وكأنه نوع من الانتقام المقصود.
من جانبها، حمّلت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الانتقالية السورية مسؤولية التهجير القسري للبدو في السويداء إلى قوات “خارجة عن القانون” (قوات المجلس العسكري في السويداء) قائلةً إنّ مشايخ الطائفة الدرزية في سوريا دعوا في بياناتهم إلى إفراغ القرى البدوية من سكانها. وتقول الرواية الرسمية لحكومة المرحلة الانتقالية بتاريخ 18 تموز (يوليو) 2025 على لسان قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي: “توصلنا لاتفاق يقضي بإخراج جميع المدنيين الراغبين في مغادرة السويداء ونؤكد التزامنا الكامل بتأمين خروج جميع الراغبين بمغادرة السويداء، وثالثاً، سنوفر إمكانية الدخول إلى السويداء للراغبين بذلك”.
لم يذكر الدالاتي مع من تم هذا الاتفاق وأين وكيف. ولكن نستنتج من كلامه أنّ “المدنيين خرجوا برغبتهم”. وفسّر المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أسباب خروج البدو بقوله: “إنّ إجلاء المدنيين من السويداء كان نتيجة تعنت المجموعات الخارجة عن القانون ورفضها تسليم السلاح، أما عودة المدنيين إلى منازلهم وقراهم فستتم بعد تطهير المحافظة من تلك المجموعات” ويضيف إنّ “هناك جهود كبيرة من الحكومة والجهات الدولية لإعادة إعمار ما تضرر في ريف السويداء” دون أن يكون هناك شيء من هذا.
بالمقابل فإن مصادر محلية في السويداء تؤكد أنّ الاتفاق وقّع في الأردن بين سلطة دمشق الحالية وأطراف أخرى منها “إسرائيل” فرض فيها موقعو الاتفاق إخراج البدو من السويداء وأطرافها رغم معارضة المجتمع المحلي لذلك والتزامه ببقاء من يرغب منهم. يأتي الموقف رغم أنّ شرارة ما حصل من دوامة عنف في المنطقة سببها “هجوم منظم” من قِبل مجموعات بدوية مسلّحة استهدفت عدداً من بلدات المحافظة وفق روايات متعددة تؤكد “دخول هذه المجموعات برفقة عناصر أمن وتوغلهم في الأحياء بحجة فرض الأمن، لكن ما حدث فعلياً هو عمليات نهب وسرقة وقتل” ولهذا رُفض بقائها في السويداء. ووفقاً لمصادر محلية أيضاً، فإنّ تعميم الشيخ حكمت الهجري كان مفاده أنّ “البدو والعشائر هم أهلنا، ويمنع المساس بهم، كما يجب حمايتهم”، مضيفةً أنّ مشايخ العقل الدروز أعلنوا تبرؤهم ممن يعتدي على البدو خاصة للعائلات التي استجارت بالفصائل المحلية الدرزية خلال الاشتباكات.
تشير هذه التطورات إلى ما هو أبعد من تهجير بضعة آلاف من السوريين المتعايشين مع بعض منذ قرون، وبالدرجة الأولى إلى تطورات حدّية في العلاقات بينهم تجعل من العودة لمرحلة التعايش السابقة من باب المستحيل، بالنظر إلى أنّ الاشتغال العسكري لسلطة دمشق والعامل الإقليمي خرّبا جزءاً كبيراً من التاريخ المشترك للجماعتين ربما إلى غير رجعة، بما يشي بمرحلة جديدة وديموغرافيا جديدة تعيد رسم خرائط الجنوب السوري ومعها سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد.
مختصر علاقة البدو والدروز في أربعة قرون
ينتمي البدو في السويداء ومحيطها إلى طيف واسع من القبائل العربية المنتشرة في بلاد الشام والعراق والخليج العربي. تسمّى عشائر المحافظة بـ “عربان الجبل” وتصنّف حسب كتاب “عشائر الشام” لأحمد وصفي زكريا (الطبعة الأولى 1947) (ص 413، دار الفكر 1983) حسب عددها إلى المساعيد والحسن والشرافات والعظامات والشنابلة والجوابرة والربيدات والغانم والحواسن، يتوزعون جغرافياً على أطراف مدينة السويداء الشمالية والشرقية في مناطق “الحروبة ورجم الزيتون” وداخل مدينة السويداء في حي “المقوس”، وهناك انتشار لهم في بلدات “عرّة” و”الكفر” جنوب غرب السويداء يتشاركون الحياة مع الأغلبية الدرزية فيها.
إجمالي عدد سكان السويداء اليوم 550 ألف والبدو 35-40 ألف نسمة (لا مصدر رسمي) ويقيم البدو في حارات أو أحياء على أطراف التجمعات السكانية الدرزية وليس لديهم قرى خاصة بهم، ويعود هذا إلى سياسة توطين البدو التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين وبشكل خاص بعد الإصلاح الزراعي 1963. عمل البدو دائماً في رعي قطعان الغنم والماعز للملّاك الدروز وغيرهم ونشأت بذلك علاقة نفعية بين الطرفين.
يعود انتشار (وليس استيطان) البدو هناك وفق “زكريا” إلى القرن العاشر الميلادي، وربما إلى أزمنة أقدم بحكم كون هذا النوع من التحرك مرتبط بانتشار النمط القبلي بكثافة، ويشير الباحث السوري “مؤنس بخاري” إلى أنّ جبل حوران حمل في حقبة من الحقب اسم جبل “بني هلال” نسبة إلى القبائل العربية التي استوطنته عبر التاريخ، وهذه القبائل الظاعنة (المتنقلة) تتبعت أنماط الرعي الموسمي المتوائمة مع البيئة المحلية. سُميت هذه المنطقة “جبل حوران” طوال ألف وخمسمائة عام حتى العام 1921 حين وقعت اتفاقية “أبو فخر – دوكيه” التي ثبتت اسم “جبل الدروز” على الخرائط بدلاً من “جبل حوران” (وفق الصديق ابن مدينة السويداء مؤنس حامد). وهناك أسماء أخرى مثل “جبل باشان” و”جبل الريّان”.
حدثت هجرات الدروز إلى جبل حوران بدءاً من القرن الحادي عشر الميلادي (بعد انهيار الدولة الفاطمية)، ولكنها زادت بعد حملات كسروان (1298-1307) من جبل لبنان باتجاه السويداء. تبعت تلك الهجرات موجةٌ أخرى أكبر حجماً العام 1711 ميلادي وما بعده، وذلك على خلفية الصراع في جبل لبنان بين الدروز اليمانيين والقيسيين “الأمراء الشهابيون” الذين حققوا الغلبة في ذلك الصراع. أسّست الهجرة الثانية الوجود الدرزي الدائم في جبل حوران وأدّت لنقل لقب “جبل الدروز” من لبنان إلى حوران، مما يشير إلى حجم تلك الهجرة وأثرها. في وقت لاحق أدّت المواجهات بين الموارنة والدروز 1840-1860م إلى هجرة جديدة نحو جبل حوران.
عندما وصل الدروز إلى جبل حوران كان عدد السكان المقيمين هناك ضئيلاً، وبحكم كونه منطقة استيطان قديمة (رومانية وبيزنطية) كان مليئاً بالقرى الفارغة. ووفق زكريا، فإن قبيلة “الصلوت” كانت الوحيدة “شبه المستقرّة” في منطقة اللّجاة البركانية، وبقيت في المنطقة طوال السنة في حين القبائل الأخرى تنقّلت موسميّاً حَسَبَ توفّر المراعي والمياه.
يقول الباحث مؤنس البخاري إنّ تحالفاً من قبائل “عنزة”، خاصّة قبيلة ولد علي، وصلت جبل حوران أوائل القرن الثامن عشر، ولحقتها قبيلة الرولة أواخر القرن نفسه وأصبحت أكبر قبيلة ظاعنة في الشام. أي بالتزامن مع الانتقال الدرزي إلى تلك المنطقة تقريباً (بعد 1711 معركة عين دارة) وهو ما سوف يسجّل بدء المعارك بين الدروز المزارعين والبدو الظعن بالتحديد.
استفاد المزارعون الدروز من نظام الأراضي الميري العثماني الذي يسمح للأفراد بالحصول على الأراضي غير المزروعة عبر تشجيرها وزراعتها ودفع ضرائبها، وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر سيطرت عشيرة آل الأطرش تدريجيّاً على 18 قرية من أصل 62 قرية درزية، حسب البخاري، بنفس الوقت استفادت السلطنة العثمانية من المقاتلين الدروز في حماية طريق الحج من غزوات البدو المتكررة على محمل الحجيج الذي كان أحد أهم علامات سيادة وسلطة الدولة العثمانية ودورها في عالم الإسلام.
في القرن العشرين، أدّى التوسع السكاني في مدينة السويداء والهجرة الدرزية من فلسطين بعد تقسيمها العام 1948 ثم الهجرة من لبنان بعد بدء الحرب الأهلية العام 1975 إلى دفع مزيد من العشائر للهجرة نحو المناطق المجاورة مثل البادية الأردنية أو ريف دمشق ودرعا ودفع عدد من المقيمين هناك من المزارعين والبدو للانتقال خارج المنطقة (عائلة المفعلاني في درعا وأصلها من قرية مفعلة في السويداء الآن، آل العاسمي في داعل من قرية عاسم)، ولكن هذا الانتقال العشائري كان يجري ببطء دون دفع المجتمعات المحلية إذ بقي في المدينة أحياء كاملة من البدو وبالمثل على الأطراف.
الميثاقيات ودورها الحاسم
إنّ كون غالبية الدروز مزارعين وقسم منهم مُلاّك أغنام، أدّى لنشوء مشاكل مع الجيران البدو حول الرعي وحق استخدام الأراضي والاستفادة منها. هذه الخلافات المتوقعة والطبيعية تركت أثراً على العلاقة التي جمعت الطرفين ضمن حيّز جغرافي واحد ولكنها مع الوقت وتدخل العقلاء وجدت لها صيغاً تنظيمية متفق عليها بين الطرفين وباتت بحكم القانون اللامرئي الذي يتعامل به الجميع ويعتبره أساس العلاقة. تجلّت هذه الصيغ فيما سُمّي “الميثاقيّات”.
لم تكن هذه الميثاقيات مكتوبة بل استندت إلى منطق “العُرف” الذي هو بمثابة قانون يمتلك صلاحية الإجبار والتنفيذ. يوضح ماكس فون أوبنهايم في كتابه “البدو” “Die Beduinen” (الجزء الرابع) أن هذه الميثاقيات ترتكز على ثلاثة أسس رئيسية: احترام القسم، الضيافة، وحق اللجوء، حيث تمنع هذه الميثاقيات انتهاك الدم بسرعة وتخلق فرصاً للصلح والتهدئة عبر وساطات محلية تتحرك بالسرعة القصوى لرأب الصدع ومنع حدوث المعارك بين الطرفين. وفيما لو حدثت المعارك فإنّ الميثاقيات تتحرّك عبر فواعلها الاجتماعية والمجتمعية ممثلةً بشيوخ القبائل والعشائر وقادة دينيين ومجتمعيين معروفين لرأب الصدع بأسرع وقت ممكن. توضح قراءة سريعة في نتائج المعارك السابقة بين البدو والدروز عبر ثلاثة قرون من التجاور أنّ عدد الضحايا نادراً ما تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
تطورت هذه الميثاقيات بهدوء وتراكم تاريخي ساعده أنّ كلا الطرفين ينتميان إلى عشائر عربية تمتلك نفس البنى الاجتماعية والتقاليد اليومية والاحتفالات الموسمية، ويذهب بعضهم لتأكيد أنّ رقصة “الجوفيّة” المعروفة في السويداء ذات أصل بدوي. وبالمثل فإن عادات إكرام الضيف والقِرى واللجوء ـ وهي من العلامات الأساسيّة لتلك الجماعات ـ متطابقة بين الجماعتين ومثلها تربية الأحصنة والأغنام والتبادل السلعي.
لم تستطع هذه الميثاقيات أن ترتقي بالعلاقة بين الطرفين إلى مرحلة الاندماج بحكم اختلاف نمطي العيش بين الزراعي والرعوي إضافة للفوارق الدينية والاجتماعية. ولكنها أتاحت تجاوز الفروقات نحو تشكيل تحالفات مؤقتة بطبعها ولكنها فتحت الباب نحو مزيد من التماسك بين جماعتين متجاورتين.
من الأمثلة البارزة على قوة هذه الأعراف وأهميتها في التعايش وتحويل التحالفات، تمرد الدروز في جبل حوران العام 1909 ضد الدولة العثمانية المعروف باسم “انتفاضة العوام”. في تلك المرحلة، انضم مقاتلون من عشيرة الحسن البدوية بقيادة عقيدهم المغوار “درزي المطلق” (لاحظوا الاسم) إلى جانب الدروز وقائدهم “ذوقان الأطرش” ضدّ المحاولات العثمانية لفرض التجنيد الإجباري والضرائب (من كتاب وصفي زكريا). هذا التحالف القبلي الميداني شكّل مقاومة محلية موحدة، معبّراً عن لحظة نادرة لتضامن السكان الأصليين رغم خلافاتهم وتباين مصالحهم. نجحت هذه الشراكة بفضل ميثاقيات الضيافة والمصالح المشتركة وسمحت بتجاوز الخلافات العادية.
زعزعة التفاهمات التقليدية
مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أخذت السلطة الجديدة في سوريا توجهاً جديداً أحادي اللون، تهيمن عليه تيارات سلفية جهادية تدير آذاناً صمّاء لأي مشروع وطني جامع يأخذ بالحسبان تعددية المجتمع السوري وحيويته وتنوعه وتاريخه. بالمثل لم تعِ السلطة الجديدة – أو لم تدرك أو تقصّدت؟ – خصوصية العلاقات التي تربط بين الجماعات السورية، المجتمعية والدينية، فتعاملت مع الجميع إلا مناصريها (للآن) عبر خطاب استعلائي (أموي مزيف) يقصي الجميع تقريباً من المشاركة في بناء الدولة الجديدة.
مفهوم الخصوصية المقصود هنا، هو بقاء أنواع من العلاقات الاجتماعية من مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، مثل الميثاقيات والعُرف والديّة وغيرها على قيد الحياة في مسار العلاقات بين الجماعات السورية، وهي أنواع اعتمدها النظام السوري السابق في بناء تفاهماته وعلاقاته مع الجماعات السورية واستفاد منها في حل (واختلاق) مشاكل حسب مصالحه ورؤاه. بنفس الوقت اعتبر المشرّع القانوني السوري هذه المنظومات جزءاً من منظومة التقاضي المجتمعية وقبل بها كشكل من أشكال العدالة بين الأفراد والجماعات نشأت عبر تراكم تاريخي، وليس من ضرورة قانونية، في ظل احتمال الاستفادة منها دائماً في إحلال السلم الأهلي أو غيره.
عدم وعي السلطة الجديدة لخصوصيات هذه العلاقات أفرز خلال قرابة العام من الحكم الإشكالي لهيئة تحرير الشام، حالة خوف مشروع لدى السوريين، فهذه السلطة المنتشية بالنصر هي بوضوح شديد من بدأ حديث ومعارك “الأكثرية والأقليات” و”الأمويّة” و”دمشق لنا إلى يوم القيامة”، في الإعلام كما في التعامل مع الدولة نفسها ومع السوريين.
وإذا كان صحيحاً أن المجتمعات السورية تختزن كثيراً من عناصر الضدّية تجاه الآخر السوري أياً كان هذا الآخر، وتختزن جميعها مسيرة وجع وتهجير وتدمير استمرت أربعة عشر عاماً في ظل نظام الأسد، فإن السلطة نفسها بانحيازها إلى طرف في هذه اللعبة وتجاهلها منطق الدولة ومنطق العدالة الانتقالية ومنطق القانون ساهمت في تعزيز هذا الشقاق المجتمعي الكارثي على السوريين.
جاءت مأساة الساحل السوري لتعزز مخاوف الأقليات السورية الأخرى، ولم يكن ممكناً عند الدروز إغماض العين عن مأساة الساحل في آذار (مارس) الماضي وتصرفات السلطة اللاحقة لها من تجاهل الوضع الإنساني الكارثي المستمر في تلك المنطقة حتى اللحظة. وإذا كان من المطلوب والمحق تسليم أي سلاح خارج منظومة الدولة للدولة نفسها فلماذا كان لدى البدو الذين هاجموا السويداء طيران مسيّر إضافة إلى أنواع مختلفة من السلاح المتوسط؟ بالضرورة هذا لا يعني الدفاع عن امتلاك أهل السويداء ولا غيرهم للسلاح خارج منظومة الدولة المفترضة ولكن المسألة هنا لا ترتبط بالسلاح فقط بل بما قبل السلاح: الثقة بالدولة الجديدة.
محطة العنف الأولى في الساحل السوري لحقتها محطة ثانية في السويداء راح ضحيتها مئات من الأشخاص من الدروز والبدو في عمليات عنف متبادل (حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن هناك 804 من الضحايا من الدروز والبدو و900 جريح). يمكن القول بثقة أنّ السلطة الجديدة ساهمت فيها عبر اصطفافها مع العشائر ضد “بعض الدروز” الذين اتهمتهم بالتعامل مع العدو “الصهيوني” والسعي لتقسيم سوريا أو فدرلتها، في وقت تتجاهل فيه السلطة ضرورات الحوار الوطني ومتطلبات الداخل السوري في كثير من نواحيه بما فيها تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية على ضحايا الحقبة الأسدية وتنتقل فوق أساطيح العامل الخارجي غير المتفق عليه وطنياً هو الآخر.
تفكيك العلاقة بين الدروز والبدو
على خلاف موقف السويداء المدني الداعم للحراك السوري كان موقف جماعات مختلفة من العشائر السورية مؤيداً للتوجهات الإسلامية الجهادية وبضمنها الانتماء والقتال مع الجماعات المسلحة بما فيها تنظيم داعش. لم يخل أمر العشائر أيضاً من تأييد للسلطة الحاكمة وقتها في سوريا لا بل إنّ ثمة وثائق مختلفة تلحظ وجود “مبايعة بالدم” للرئيس الفار بشار الأسد.
تشير هذه التناقضات إلى أنّ دعم السلطة الجديدة للعشائر مبني على العصبية الدينية وليس على عصبية الدولة والثورة كما تسميها هذه السلطة. يوضح موقف السويداء الداعم بغالبيته للحراك المدني وجود فراغات واسعة في علاقة الطرفين بشأن شكل الدولة والحكم بعد سقوط نظام الأسد.
دفعت مواقف السلطة الجديدة المبنية على العنف الطائفي الممنهج الجماعات والمجتمعات الأخرى خارج الكتلة الدينية الكبرى (بالضرورة لا يمكن النظر إليها وكأنها كتلة واحدة متجانسة) إلى الحذر في التعاطي مع هذه السلطة بعد تجربة الساحل السوري المريرة. أدّى هذا إلى تراجع دور الميثاقيات التقليدية وأدوات الوساطة الوطنية التي كانت تضبط حدود النزاع بين السوريين ككل وبشكل خاص بين دروز وبدو السويداء.
بنفس الوقت، تسبب تحوّل النظام في دمشق إلى حكم سلفي جهادي ذي توجّه طائفي إلى إحداث تحوّلات عميقة في العلاقة بين الدروز والعشائر البدوية. ولم يكتف خطاب هذا النظام بتغذية خطاب طائفي رائج وخلق مناخ من التمييز بين السوريين، بل أعاد تشكيل العقل العشائري البدوي من نظام تقليدي متوازن تقوم علاقاته على أعراف وميثاقيات، إلى عقلية استعلائية ـ سلطوية ترتبط بسلطة مركزية تعزز هيمنتها عبر استغلال النفوذ الطائفي والسياسي.
أدّى هذا إلى دفع العشائر إلى التسلح والانخراط في منطق الاستقطابات العسكرية وانضم قسم منهم إلى جماعة الأمن العام الحكومية والفصائل، وهو ما زاد من معدلات التوتر وفقدان السيطرة على نزاعات قابلة للتهدئة بواسطة الأعراف القبلية التقليدية. تراجعت الميثاقيات التاريخية التي كانت تؤمن استقراراً نسبياً بين مكونات المنطقة، لتحل محلها ديناميكيات السلطة المركزية والقوى التي توظف العشائر في صراعاتها، مما زعزع فعلياً إمكانية العيش المشترك بين البدو والدروز.
العامل الإقليمي والإسرائيلي تحديداً
في هذا المناخ السياسي والأمني المتوتر داخل سوريا، يختلط الدور السياسي للحكومة الانتقالية بتدخلات خارجية مستفحلة، أبرزها التدخل الإسرائيلي الذي يمثل عاملاً إقليمياً رئيسياً يعقد الوضع في الجنوب السوري. من الواضح أنّ إسرائيل تراهن على تفكيك السلم الأهلي باعتباره استراتيجية أمنية لإضعاف الجنوب السوري واحتواء النزاعات والتهديدات المحتملة من الدولة السورية الجديدة، مما يؤدي إلى زيادة هشاشة الأمن الاجتماعي ويعقّد بشكل كبير إمكانيات إصلاح العلاقة بين الدروز والبدو.
من الواضح أن إسرائيل ترفض رفضاً قاطعاً وجود سلاح نوعي وسلطات عسكرية سورية قوية في الجنوب السوري، وفي كامل سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد. وترفض بنفس الوقت أية احتمالات لتهديد أمنها أو محاولة تحقيق توازن عسكري جديد قد يقلق سيطرتها على المنطقة الحدودية، خصوصاً في الجولان السوري المحتل وفي هذا الإطار تعتبر وجود البدو والعشائر ضمن قائمة التهديدات خاصة بعد “الفزعة” التي استجلبت مقاتلين عشائريين من مختلف أنحاء المنطقة الشامية والعراقية وحتى الخليجية.
ضمن هذه الرؤية الإسرائيلية شنت الأخيرة في 16 تموز (يوليو) 2025 ضربات جوية استهدفت مقر أركان الجيش السوري ووزارة الدفاع في محيط ساحة الأمويين كما قامت بشن هجمات ضد قوافل الأمن العام السوري وفصائل الجيش السوري الجديد إضافة إلى السلاح المتوسط والطيران المسيّر الذي بحوزة مجموعات العشائر المسلحة. لا يتعلّق هذا الإجرام فقط بتقويض قدرة الدولة السورية الجديدة على فرض سيطرتها العسكرية والأمنية في مناطقها الجنوبية بل بهدف أبعد: كسر الثقة المجتمعية بين الناس هناك إلى غير رجعة عبر دعم اسرائيل الضمني للجزء الدرزي في النزاعات، الأمر الذي يعمق الانقسامات الداخلية ويجعل مشاريع التعايش المشترك أكثر هشاشة وتعقيداً.
شراكة الحصان، شراكة الدم
في التاريخ التقليدي لمنطقة الجنوب السوري، كما يشير المؤرخ كمال الشوفاني نشأت بين الدروز والبدو علاقات اجتماعية واقتصادية تجاوزت الخلاف التقليدي بين “المزارعين” و”الرحّل” نحو توافقات سمحت بما هو أبعد من مجرد التبادل النفعي للمواد المنتجة لدى الطرفين. من هذه العلاقات ما يُعرف تاريخياً باسم “شراكة الحصان“.
في هذه الشراكة ينشأ اتفاق عرفي بين عشيرة بدوية وأخرى درزية أو أشخاص من الطرفين، يمنح بموجبه أحد الدروز نظيره البدوي ملكيةً شكلية لخيول عربية أصيلة، ويحتفظ الأخير بحق الانتفاع بها لفترة زمنية معينة قد تصل إلى عامين بهدف تربية الحصان على شروط البادية القاسية، وفي أحيان أخرى كانت شراكة الحصان بالعكس، البدوي يمنح خيله للدرزي لمدة معينة، لقاء منفعة معينة أو كدليل على تحالف العشيرتين.
تتجاوز المسألة هنا مسألة المنفعة المتبادلة بين طرفين متجاورين جغرافياً إلى تشكيل عقد ثقة شفهي غالباً بحضور شهود من الثقات المشهود لهم بحسن السيرة والحكمة، وفي أوقات أخرى سُجّل الاتفاق على ورق واحتفظ به لدى طرف ثالث، ومن النادر وفق ما هو مسجّل ومعروف لجوء أي من الطرفين في حال حصول خلاف إلى حله بالطرق العنفية. كان يكفي ببساطة حضور الشهود أو من بقي منهم للشهادة في المسألة الخلافية ويحل الإشكال في أرضه كما يقال.
تاريخياً، كانت هذه الأعراف القَبَلية هي النظام الحقيقي في المناطق الهشّة سياسياً ومؤسساتياً وقد ساهم هذا النظام بقوة في حماية متبادلة عقوداً طويلة كان يحدث اختراق لها لأسباب مختلفة ولكنها بحكم تدخل الفواعل المجتمعية تتوقف عند حدها. لم يسجل التاريخ حرباً بين البدو والدروز ولا هجوماً من أحدهما على الآخر. ما جرى مؤخراً في المنطقة الجنوبية تجاوز كل المخاوف والمحاذير وكسر تقاليداً ثرية تحتاج وقتاً طويلاً للترميم، هذا في حال وجود من يعمل على ذلك الترميم.
ما نشهده اليوم في السويداء من تصاعد العنف وتدهور العلاقات بين الدروز والبدو، لم يعد مجرد منازعات محلية محدودة، بل هو مرآةً لفشلٍ أعمق في بناء الدولة والعدالة والمواطنة بعد انهيار النظام القديم. فالهيمنة الطائفية المعلنة، والممارسات الأمنية التي تُرتكب باسم القانون وخارجه، إلى جانب التدخلات الإقليمية المتشابكة، أطاحت بالأسس التي حملت على مدى قرون ميثاقيات التعايش والتفاهم، لترسم صورة جديدة مقلقة، تهدد نسيج مجتمع اعتاد أن يتماسك عبر آليات تقليدية راسخة في الاحترام والثقة.
هذا الواقع يشي بأن استعادة الأمن والاستقرار في الجنوب السوري مرهونٌ بفتح أفق تفاهمات وطنية شاملة، تقودها سلطة أو حكومة تضع ثِقلها في مؤتمر حوار حقيقي، لا في استعراض سطوتها على السوريين الآخرين. في الأحاديث الكثيرة التي أجريناها مع أفراد من البدو في الجنوب، ورغم ما طالهم من قتل وتهجير واحتراق بيوت، مازالوا يرددون بمرارة وصدق: “جماعتنا الدروز”، أما على الضفة الأخرى، فما زال الدروز متمسّكين بعاداتهم، وفنجان القهوة حاضر وساخن، حتى لو لم يُقدَّم بعد.