خطــ٣٠ // الصورة الأصلية: رندا شعث

فرضية صنع الله.. أو زجاجات الفودكا التي ما زالت مملوءة بالماء

الفن المستقل، كما أثبته صنع الله مبكرًا، يحمل طاقة هدامة تكمن في تقنياته لا في شعاراته؛ فهو لا يعلن انحيازًا مباشرًا، وإنما يختبر أشكالًا وأساليب تعيد تشكيل علاقتنا بالواقع
ــــــــ ماضي مستمر
23 أغسطس 2025

في نوفمبر من العام 2009، ذهبت مع صديقي وسيم المغربي إلى زيارة الأستاذ صنع الله إبراهيم في منزله. كانت الزيارة فكرة صديقي، الذي تعرفت عليه خلال الندوات الثقافية، وتشاركنا في حب الكتابة والاهتمام بعالمها وأعلامها. وكان وسيم قد أصدر مجموعته القصصية الأولى بالفعل. كنت أكتب القصة، ومهتمًا بالنقد الأدبي، ولم أنشر وقتها إلا قصة أو اثنتين في إحدى الجرائد.

لكني كنت قد قرأت عدة أعمال لصنع الله إبراهيم. واعتبرته كاتبي المفضل، ليس من جيل الستينيات فحسب، بل ومن كل الأجيال، السابقة واللاحقة.

كنا نحضر وقتها فعاليات ملتقى القاهرة الدولي الأول للقصة العربية القصيرة. والتقيت أثناء الندوات بكتاب كبار من جيل الستينيات مثل بهاء طاهر وخيري شلبي. لكن مقابلة صنع الله إبراهيم كانت الوحيدة التي سعيت إليها بفضول وحماسة.

تقول النصيحة المأثورة في عالم الأدب إنه من الأفضل ألا تقابل كاتبك المفضل، أو مثلك الأعلى في الكتابة، حتى لا تُحبَط من الفجوة بين الصورتين الواقعية والمتخيلة، بين الكاتب كما تخيلته في ذهنك، وما هو عليه في الواقع. إلا أنني تحمست للقاء صنع الله إبراهيم، يقينًا مني بأنه قادر على ردم تلك الفجوة كما نجح في ردم ما قبلها من فجوات.

يقع الكُتاب خلال مسيراتهم في أكثر من هوة، حقيقية ومتخيلة، لكن صنع الله استطاع ردمها كلها بطرائقه المتعددة.

كنا مقيمين وقتها قرب ميدان المؤسسة بشبرا الخيمة، وخشي وسيم أن نصل متأخرين إلى بيته في حي مصر الجديدة. لكننا وصلنا في موعدنا.

من النظرة الأولى

المرة الأولى التي قرأت فيها اسم “صنع الله إبراهيم” كانت من خلال صفحات جريدة “الدستور” المصرية. وقت إصدارها الأسبوعي. تميزت الصحيفة أيامها بمعارضتها الجريئة لسياسات مبارك ومشروع التوريث. قرأت وقتها، عام 2006، على صفحاتها بورتريه بعنوان “صنع الله إبراهيم: روائي يدفع الجماهير نحو الثورة”.

ثمة لحظة حاسمة في كل علاقة حب، يسميها المحلل الفرنسي جاك لاكان بـتحقيق “استعارة الحب”، وفيها يبدل الفرد مقامه من موقع المحبوب إلى موقع المُحب، وعندها يولد الحب بأتم معنى للكلمة.

أحببت صنع الله إبراهيم في اللحظة التي رأيت فيها صورته. ربما وجدت في نحافته ودقة ملامحه إلهامًا لي، وانعكاسًا لصورتي؛ إذ كنت شديد النحافة طوال فترة مراهقتي حتى منتصف عشريناتي.

لكن علاقة الحب، كما يتحدث عنها لاكان، لم تكن بالطبع مع صنع الله نفسه، وإنما كانت لحظة “جليلة” مع الذات؛ خلقها الكاتب الكبير داخلي، من خلال اتساقه وصورته ومواقفه.

تلك اللحظة، قادتني إلى فهم علاقة حبي مع الكتابة، وإلى طرح سؤال جدوى الأدب – الذي أحبطني دومًا – بطريقة أكثر جدلية. في تلك اللحظة، تجلى صنع الله مثالًا على السؤال. أنا أكتب من أجل الحرية بمعناها الواسع. الحرية شرط الكتابة وغايتها. وكلما افتقدت الحرية خارج الكتابة، وجب عليك أن تمعن في ممارستها داخل الكتابة، شكلا ومضمونًا.

والحرية ليست خلاصًا فرديًا، بل هي، في النهاية، حلم جماعي. فلا أحد ينجو بمفرده. وهذه هي الشيوعية.

المثال والواقع وما بينهما من فجوات

ربما توحي السطور السابقة بأن منجز صنع الله إبراهيم، يخلق نوعًا من التسوية بين التناقضات أو تصالحًا بينها. بين الفرد والجماعة، الفن والسياسة، الأدب والأيديولوجيا. وربما يؤكد صنع الله نفسه هذا الإيحاء حين يذكر في مدخل كتابه “يوميات الواحات“- الصادر عام 2005-  أن أول قصة قصيرة كتبها في مراهقته كانت بعنوان “الأصل والصورة”، ويقول:

“ولم أدرك وقتها أن حياتي كلها ستدور حول هذه المقارنة الصعبة، والمحاولة المستمرة للموائمة بين المثال والواقع”.

وفي موضع آخر، يقول عن اليوميات التي دونها بين عامي 62 و64 في سجن الواحات:

“احتلت الكتابة ومشاكلها ودور الكاتب وتكوينه ونظرية الرواية والأقوال المتضاربة بشأنها جانبًا هامًا من هذه المدونات. شغلت القضايا الفلسفية والسيكولوجية المرتبطة بالعمل السياسي جانبًا آخر. وعكس الحديث في أكثر من فقرة عن “سقوط الأوهام” عملية النضج والأسئلة التي طرحتها الموائمة بين المثال والواقع”.

لكن “الموائمة” التي يصف بها صنع الله إبراهيم محاولاته في الكتابة والحياة كانت حركة فكرية سالبة، تتحرك دومًا باتجاه ما يجب أن يكون لا باتجاه ما هو كائن بالفعل. 

في الوقت نفسه، مثلت تلك الحركة قوة نافية للأيديولوجيا لا مُمتثلة لها. يصفها قائلًا في شهادته التي ألقاها في ملتقى الرواية العربية المقام في مدينة فاس المغربية عام 1979:

“كنت قد بدأت حركتي من موقع التمرد على ما كان يعرف في ذلك الحين بالواقعية الاشتراكية. فقد شعرت، أنا وكثيرون غيري، أنها تزيف الواقع وتزوقه وقدرت أن هذا الخداع لا يساعد الإنسان بل يضلله.

هكذا عاهدت نفسي منذ البداية أن أذكر الحقيقة، ولأن الحقيقة ليست مطلقة، فلا بد من أن أبذل كل جهد، مسلحاً بالعلم والتجربة، بماركس وفرويد ومن أضاف إليها، لأقترب منها قدر الإمكان”.   

السجن والسينما

وإذا كانت الكتابة، وما يتعلق بها من “وعي”، وما تطرحه من أسئلة ومشكلات ومفاهيم، قد نشأت من رحم تجربة السجن، الذي وصفه صنع الله بـ “الجامعة”، حيث عايش “القهر والموت”، وتعلم النظر إلى الإنسان “ككل متكامل مؤلف من نقاط قوة ونقاط ضعف”، وقرأ في مجالات معرفية متنوعة، فإن السينما كذلك شكلت الكثير من جماليات الكتابة عند صنع الله إبراهيم.

سافر صنع الله عام 1971 إلى موسكو في منحة لدراسة السينما. وهناك زامل المخرج السوري محمد ملص، الذي قدم في يومياته “مذاق البلح” بورتريهًا عن كاتبنا المصري، قائلًا:

“ومن مصادفات صداقتنا، أن طلبه هذا أوصله إلى معلمي المخرج “تالانكين”. بعد أن التقى “تالانكين” بصنع الله، أدرك كما قال لي: يجب أن تكون مهمتنا مع صنع الله، ليس تحويل هذا الكاتب إلى سينمائي، بل أن تكون السينما في نسيج تجربته الأدبية”.

يذكر صنع الله المخرج الروسي أيزنشتاين أكثر من مرة في يومياته. ويتساءل أيضا عن تكنيك مخرج روسي آخر، هو بودفكين : “الصورة والتناقض ثم النتيجة. هل يمكن استخدام هذا التكنيك؟ “.

تأثر صنع الله إبراهيم بتجربة سيرجي أيزنشتاين، التي ربما رآها نموذجًا لتحويل التقنية إلى فعل جمالي وفكري. وكما سعى أيزنشتاين إلى “خلق واقع سيكولوجي جديد” عبر مونتاج جدلي يقوم على التعارض والتقابل، استثمر صنع الله هذه المقاربة في الأدب من خلال تقنيتي الكولاج والتوظيف الأرشيفي.

في رواياته، لا تظهر المادة الوثائقية أو المقتطفات الصحفية بوصفها وحدات معزولة، وإنما نرى في رواية مثل “ذات”  أنها تُركَّب في علاقات متبادلة مع السرد الروائي، بحيث تتجاور نصوص الأخبار، والبيانات الرسمية، ومقاطع الإعلانات، مع صوت الشخصية أو الراوي، في توليفات تخلق معنى جديدًا غير موجود في أي عنصر منفرد. وكما كان المونتاج عند أيزنشتاين تعبيرًا عن ديالكتيك ماركسي يزعزع إدراك الواقع الحسي ويدفع المشاهد إلى مستويات جديدة من الوعي، فإن الكولاج الأرشيفي عند صنع الله يعمل على إثارة وعي القاريء، ودفعه لرؤية البنية السياسية والاجتماعية التي تشكل الواقع، لا الاكتفاء بسطحه.

بهذه الطريقة، تتحول المادة الخام –سواء كانت صورة فوتوغرافية أو قصاصة من جريدة – إلى أداة فكرية وجمالية، تحقق في الأدب ما يحققه المونتاج الجدلي في السينما.

إن فكرة الضياع والعدم بشكل عام لا تتفق والصورة العامة لبلادنا اليوم. لن تكون هذه الفكرة إلا تعبيرًا عن موقف فردي معين. عن تجربة مؤقتة. عن إحساس مؤقت يجب أن يذوب في الموجة العارمة التي تكتسح البلاد. إن “الضياع” في نظر صنع الله لا يمكن تصوره داخل “مصر” التي تبني وتشغي بالعمل والحياة والحركة ..

لم تكن النحافة وحدها هي التي جعلتني أتوهم بأن ثمة شيء مشترك بيني وبين الكاتب الكبير. كنت مثله أحاول أن أعرف ماهية الكتابة عن طريق قراءة النقد والكتابات النظرية. لم أقرأ يوميات الواحات إلا عند صدور نسخة هنداوي عام 2022، لكني عرفت عن محاولاته من بعض حواراته، ومن حديثي معه.

في بداية العشرينات من عمري، قرأت – أو حاولت قراءة – “الخطاب الروائي” للناقد الروسي ميخائيل باختين، و”مقدمة في نظرية الأدب” و”النقد والأيديولوجية” لتيري إيجلتون، وبعض أعمال رولان بارت وجاك دريدا وديفيد لودج وجيرار جينيت. وكل قراءاتي في النقد النظري والتطبيقي كانت غايتها معرفة ما هو دور الكاتب وما الذي يجعل العمل الأدبي عظيمًا ومستحقًا للخلود.

وكان صنع الله إبراهيم يقرأ أيضًا الكتابات النظرية، ويكتب أفكاره عن دور الكاتب ويبحث في مشكلات الأسلوب والتكنيك. لكن قراءاته جاءت في عقد الستينيات، ولم تكن وقتها النظريات الماركسية قد شهدت التطورات والإسهامات اللازمة، وحتى ما أُنجز منها لم يتم التعريف به في الثقافة العربية أو يُترجم إليها.

بعد هيمنة الرؤى الستالينية على الأدب والفن، فُرضت رؤى أحادية على السجالات الثقافية والنقدية. كانت المدرسة الفنية الوحيدة المقبولة سياسيًا لدى العديد من الشيوعيين بالاتحاد السوفييتي وغيرهم من التابعين لإملاءات الحزب الشيوعي، هي ما عرف بالواقعية الاشتراكية. كان للأديب أو الفنان، دور محدد، دعائي في جوهره، وموضوعات بعينها للتناول الفني. ونتيجة لذلك هوجمت الأعمال الفنية الطليعية والأساليب الفنية الحداثية كأعمال كافكا وجويس وبيكيت وبيكاسو وبروست. ولعل المشكلة الأكبر كانت في نفي حرية الفنان وحرمانه من حرية اختيار أبطاله أو شخوص أعماله.

انعكست هذه الرؤى الستالينية في في كتابات العديد من رموز اليسار العربي، أبرزها كتاب ” في الثقافة المصرية” لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس (1955)، حيث سارا فيه على خطى الستالينية في رفض الأعمال الحداثية الغربية، وأيضا في الاختزال العنيف والرؤية الأخلاقية للأدب المصري. طبقا للعالم وأنيس، فإن نجيب محفوظ هو روائي البرجوازية الصغيرة المصرية. وفي رؤية تقارب الوعظية الدينية، يتناول الكاتبان أدب إحسان عبد القدوس، ويتسائلان باستنكار: ” لماذا يختار عبد القدوس كل أبطال قصصه أفرادا في طريق الهاوية إلى الانحلال الأخلاقي والتعفن النفسي وتدهور الضمير؟ لماذا كانت الدعارة وبيع الأجساد بالمال موضوعا عاما في إنتاج إحسان الأدبي؟ “.

ربما باستثناء ليون تروتسكي (1879- 1940)، الزعيم الثوري وشريك لينين في الإعداد للثورة، الذي أكد في كتابه “الأدب والثورة” على استقلالية الفنان، وأن “الإبداع الفني تغيير وتحويل للواقع وفقا لقوانين الفن الخاصة”، وجورج لوكاش الذي كان يميل إلى الجانب الهيجلي للفكر الماركسي رغم عدم انفصاله عن الواقعية الاشتراكية الصارمة وهجومه على أدباء الحداثة، فإن صنع الله واجه ندرة في مصادر المعرفة التي يمكن الاستعانة بها في الجدل المحتدم حول العلاقة بين الشكل الفني والمضمون الأيديولوجي في الأعمال الأدبية.

يتحدث صنع الله بشكل عام عن “التجديد الإبداعي لعلم الجمال الماركسي”. وأرجح أن العديد من تلك التجديدات والتطورات لم تكن متاحة داخل السجن، أو متاحة خارجه بالنزر اليسير.

إسهامات مدرسة فرانكفورت لم تكن متاحة للتعرف عليها وقتها، بما تقدمه من نظرة مغايرة إلى الواقع، أو بما يحتله الفن والأدب داخلها من مكانة متميزة لأنهما “هما المجال الوحيد الذي يمكن فيه مقاومة هيمنة المجتمع الشمولي”. ولا إسهامات “لوي ألتوسير” حول مفهوم الأيديولوجيا وعلاقته بالأدب، أو أعمال “لوسيان جولدمان”، أو”بيير ماشيري” الذي ركز على “لا وعي النص”، أي على ما لا يقال وما هو مكبوت بالضرورة.

صارت تلك الإسهامات مترجمة ومتاحة فيما بعد. ربما اطلع عليها كاتبنا، وربما صار فيما بعد أكثر انشغالًا بمسائل أكثر عملية وعينية في الكتابة. ما أود قوله أنه استطاع بحدسه الفني الفريد مقاربة أسئلتها واستيعابها قبل انتشارها.

تصوير: رندا شعث

حكاية عن التمرد

إضافة إلى المادة الوثائقية والأرشيف في نصوص صنع الله إبراهيم، فإنه مثل أيزنشتاين، يُخضع الأحداث المتسلسلة المتدفقة للحياة الواقعية إلى عملية “القطع cutting”. لكنه يعالج صراعات الفرد بدلا من تصوير حركة الجماهير والانتفاضات الشعبية.

إذن، كيف يرى صنع الله الإنسان الفرد ؟

تعكس تمثيلات صنع الله الروائية للفرد الحالة الجدلية المتجاوزة للـ”تسوية” أو “الموائمة” بين الثنائيات والأضداد. يكتب في يومياته عن أهمية التجربة الذاتية في الخلق الفني، وعن ضرورة “المساهمة في استكشاف الطريق في تعبئة المجتمع في اتجاه تقدمه”. وفي نبرة تأكيدية يقول:

“إن فكرة الضياع والعدم بشكل عام لا تتفق والصورة العامة لبلادنا اليوم. لن تكون هذه الفكرة إلا تعبيرًا عن موقف فردي معين. عن تجربة مؤقتة. عن إحساس مؤقت يجب أن يذوب في الموجة العارمة التي تكتسح البلاد. إن “الضياع” في نظر صنع الله لا يمكن تصوره داخل “مصر” التي “تبني وتشغي بالعمل والحياة والحركة”.

في تاريخ الأدب المصري المعاصر الكثير من الحكايات الشهيرة والمتداولة عن ظروف وكواليس عملية الكتابة.  صرنا نعلم تفاصيل ما وراء كتابة أعمال أدبية فارقة. إبراهيم أصلان وقصة كتابة “مالك الحزين”، صبري موسى مع جبل الدرهيب ورواية “فساد الأمكنة”، سليمان فياض و”أصوات”، وغيرها. لكن أكثرها إلهامًا في رأيي هي عملية كتابة صنع إبراهيم روايته الأولى “تلك الرائحة”. ليس لما بها من حكايات وتفاصيل، بل لما تنطوي عليه من كشف للصفة “الهدامة” داخل العمل الفني، والطبيعة المقاوِمة للفن الثوري أو المتمرد.

تشتبك “تلك الرائحة” مع غالبية الأفكار والقناعات والرؤى الفنية المدونة في يوميات صنع الله، والتي سبقت كتابة الرواية بفترة قصيرة لا تتعدى عامين أو ثلاثة.

يقدم صنع الله بطلا مضادًا، خاضع للرقابة والإقامة الجبرية بعد إطلاق سراحه من السجن، في رواية يتجسد فيها الاغتراب بالمعنى الماركسي والنفسي. ترصد الرواية آثار سطوة القمع على وعي الفرد، في لغة تتعمد الركاكة، وإيقاع متتابع لاهث. إنها رواية “الضياع” لا “استكشاف الطريق”. الفرد المغترب، المحاصر بين جدران منزله من لحظة غروب الشمس حتى شروقها.

ربما رأى البعض وقتها في “تلك الرائحة” خيانة للفن الملتزم، ورأى آخرون فيها علامات الفحش والانحلال والأدب الرخيص.

يتحدث صنع الله في مقدمة كتبها عام 1986 لإحدى طبعات الرواية المُصادرة، عن صخب السنوات الأولى من الستينيات، ويذكر أن المعارضة اليمينية المقنَّعة للنظام الناصرى، التى كانت تسيطر على منافذ النشر والإعلام فى البلاد، كانت تروج في دهاء لأعمال بيكيت ويونسكو ودورينمات.

غير أن هذه “المعارضة اليمينية المقنّعة” غفلت عن الطاقة الاحتجاجية في نصوص بيكيت ويونسكو. وهنا يثور سؤال: هل يتماثل موقف صنع الله مع هذه المعارضة في رؤيتها لتلك الأعمال على أنها نصوص لا سياسية أو حتى رجعية؟ وكيف نظر هو إلى رفض كثير من الماركسيين العرب آنذاك لأعمال رواد الحداثة مثل جويس وكافكا وبروست وبيكيت؟ وهل أدرك صنع الله أن بيكيت، كما يرى ثيودور أدورنو، فنان “أشد أصالة وأعمق التزامًا” من بريخت أو جوركي أو سارتر، رغم غياب أية رسالة سياسية صريحة لديه؟

يثير بيكيت الخوف الذي يكتفى البعض بالكلام عنه. خوف هو “حقيقة الأشياء فى هذه اللحظة”. كما أن يونسكو أيضًا يصرح فى حوار شهيرمع صحيفة الفيجارو قائلًا: “أردت أن تحتوى مسرحياتى على فضح الآلية والفراغ… لقد حاولت أن أقدم شخصيات تبحث عن حياة… وهذا هو اللامعقول، أن يكون الناس منفصلين عن أصولهم يبحثون عن أنفسهم يائسين”.

تثبت “تلك الرائحة” أن صنع الله قد استوعب جمالية رواد الحداثة، وأنه أنصت للصوت الداخلي، كما يسميه، دون مراعاة للمقولات الستالينية الطاغية على الرؤى الجمالية في النقد الماركسي العربي خلال تلك المرحلة.

ولو تأملنا بعض روايات صنع الله إبراهيم، لوجدنا شخصياته  تشبه شخصيات يونسكو في بحثها عن الحياة وسط اليأس. تنتهي رواية “اللجنة” بالجملة الآتية:

“عندئذٍ رفعت ذراعي المصابة إلى فمي، وبدأت آكل نفسي”.

يقولها الراوي بعدما تخيل مواجهته هيئة اللجنة، التي يجب الوقوف ضدها بسبب فساد سلطتها.

أما في رواية “ذات”، تنتهي الرواية باكتشاف البطلة “سمكة فاسدة”، وتتنهد يائسة لعلمها بأنه لا يمكنها فعل أي شيء.  تغادر “ذات” المطبخ وفي كلمات أخيرة: تتجه “بخطوات متثاقلة إلى المبكى؛ الحمام”.

وفي “شرف“، تكون النهاية بإزالة بطلها شعر جسده داخل السجن بشفرات حلاقة مصنوعة في إسرائيل.

يتنوع عالم صنع الله الروائي من حيث الموضوعات والتاريخ والجغرافيا. من الأجواء الكابوسية الكافكاوية في “اللجنة” إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية العاصفة بالفرد بعد سياسة الانفتاح الساداتية في “ذات”، إلى توثيق الحرب الأهلية اللبنانية في “بيروت بيروت“، وثورة ظفار المغدورة والمنسية في “وردة“، ثم محاولة فهم معنى الامبريالية والهيمنة الأمريكية في “أمريكانلي“. من القاهرة إلى بيروت إلى مسقط إلى سان فرانسيسكو وبرلين وموسكو.

وسط هذا الترحال بين الأزمنة والأمكنة، ظل الفرد بؤرة اهتمام صنع الله إبراهيم، لم يُهَمِّشه أبدًا لصالح الأحداث الكبرى أو الشعارات السياسية. فحتى حين يشتبك نصه مع التاريخ، أو يوثق التحولات العاصفة في المجتمع، تبقى التجربة الإنسانية الفردية هي مركز الرؤية، والبوصلة التي يُقاس بها أثر كل ما يجري في العالم. شخصياته ليست مجرد أدوات لتمثيل صراعات طبقية أو تحولات سياسية؛ بل ذوات حية، متناقضة، تبحث عن معنى في مواجهة قوى القمع والتهميش والعزلة.

تتشكل رواياته كفضاء تُختبر فيه علاقة الذات بالتاريخ، فلا يذوب الفرد في الجماعة، ولا تُختزل حريته في سردية كبرى، وإنما يصبح وعيه ومصيره جزءًا من أسئلة أوسع حول السلطة والعدالة والحرية.

الشجاعة التي تلزمنا اليوم ليست تلك التي نحتاجها أمام قوات الأمن، “وإنما شجاعة أن تكون لدينا فكرة”. فالإيمان بوجوب العيش بفكرة هو “سياسة حقيقية” تتجاوز منطق التسليع والمال والرغبة في مجرد البقاء. في المقابل، تصبح لحظة الهزيمة هي لحظة التخلي عن أي فكرة، بينما تمثل “اللحظة التحررية” تلك التي يعلن فيها الفرد قدرته على “تخطي حدود الأنانية والتنافسية”، وتجاوز الفردانية في صيغتها الليبرالية المعاصرة التي تكرّس الوحدة والاكتئاب وتعوق التطور الحر للفرد ضمن روابط جماعية ..

“يوميات الواحات” هو تأريخ لليسار المصري، وتوثيق لطبيعة السجون في الستينيات، وحكايات عن رموز الحركة الشيوعية. وهو أيضًا نوع من النص الجمع، حد وصف رولان بارت. نصٌ ينطوي على الاختلاف، بحيث إنه يرجعنا إلى كثرة من النصوص المكتوبة من قبل، وفي الوقت نفسه، يشجع القاريء على إنتاج المعاني، ولا يلح على معنى بعينه.

إن شئنا الدقة، يمكن قراءة “يوميات الواحات” بوصفها تأملات نقدية في جماليات الكتابة، وليست مجرد تدوينًا للأحداث والمواقف داخل السجن. إنها مقاربة جمالية للبحث في السؤال المهم؛ كيف يكون الأدب ثوريًا؟

تبدو الأفكار المدونة في عام 1964 أكثر نضجًا وتعقيدًا. ونكتشف من الصفحات الأخيرة للكتاب، من خلال الهوامش، أن صنع الله قد ترجم ليونسكو مقالين بعد خروجه مباشرة من السجن عام 1965، الأول هو “الكاتب ومشاكله”، والثاني عبارة عن عرض لكتاب يونسكو “ملاحظات وملاحظات مضادة” الصادر بالإنجليزية عام 1964، والذي يتحدث فيه عن أسئلة الكاتب، وصراع الفن ضد الأفكار والأيديولوجيات الموضوعة سلفًا.

الديالكتيك أسلوبًا

يتوصل صنع الله إبراهيم مع استمراره في التدوين إلى نقد “العقائدية” وتحليل جوهرها. والمقصود بها الدفاع عن نظرية “اتباعية لم تتفق مع الواقع”. ويوضح صفاتها التعسفية واللاعلمية والأحادية وعدم توافقها مع الواقع.

وفي هذا الصدد، يتأمل في “الديالكتيك” بوصفه “العكس الحقيقي للعقائدية”، ويتحدث عن ستالين والنظرية الماركسية للمعرفة وعلم الجمال. يقول صنع الله إن ستالين قد “عزل القوانين العلمية للديالكتيك عن تاريخها وعن أصل وجودها”، وأنه حذف أيضًا قانون نفي النفي حذفًا كاملًا. وتُعتبر تدوينات صنع الله أبرز مثال لتوضيح علاقة السلطة بالمعرفة، وكيف تتدخل الأولى بتعسف في تشكيل الثانية على النحو الذي يدعم وجودها.

وفق الديالكتيك، كل شيء ينمو ويتغير، وهذا معناه بأنه “لا يمكن القول بأنه توجد في الماركسية مثلا حقائق نهائية ثابتة غير قابلة للتغيير”، كما يوضح صنع الله إبراهيم. وهذا المعنى الجدلي للمفاهيم والأفكار هو الذي استمر مع صنع الله من “تلك الرائحة” إلى “التلصص”.

يتحول “الأب” من استحضار صورته عبر ذكريات الطفولة في “تلك الرائحة” إلى الوجود الفعلي في “التلصص”. ويصبح هو الحاضر والمركز.

يقدم صنع الله في رواية “التلصص ” دراما صغيرة”، حسب وصفه، لصبي في التاسعة من عمره وأب في الخامسة والستين، يرسمها على خلفية من القاهرة عام 1948: نهاية الحرب العالمية الثانية، نشوب حرب فلسطين، وتظاهرات الاحتجاج ضد الملك فاروق.

يتولى الطفل زمام السرد، فيصف تفاصيل الطفولة وعالمها، ويلتقط ملامح الأب بدقة وتعاطف، في غياب للأم التي انتقلت إلى مستشفى الأمراض النفسية.

لكن الرواية التزمت في سردها الوصفي بالفعل المضارع، حتى في استرجاع الطفل لذكرياته ولحظاته مع الأم الغائبة. هنا نرى تفاصيل العالم بعيون الطفل الذي يتلصص على الخادمات ويسترق السمع إلى أحاديث والده الجنسية مع الأصدقاء. الطفل يعشق والده الكهل ويفتن بكافة أقواله وأفعاله، خاصة وأن الأخير يحاول القيام بكل واجبات التربية والمساعدة في حفظ الدروس وتعويض غياب الأم.

في الرواية، الطفولة والكهولة وجهان لعملة واحدة. أو بتعبير أكثر ماركسية، هناك تماثل نسبي بينهما رغم كونهما ضدين. يلتقى الابن الذي تبدأ غريزته الجنسية في الإعلان عن نفسها، مع الأب الذي تزوي فحولته بالتدريج، عند نقطة التقاء، وهي “دفء” المرأة.

في التلصص، تتجسد الفاعلية الجدلية للمعرفة في عين الطفل الراوي؛ فالعالم الذي نعرفه مسبقًا -وما به من دراما عائلية على خلفية أحداث 1948- يُعاد اكتشافه من جديد عبر وصف دقيق للواقع الموضوعي، فيبدو الواقع وكأننا نراه للمرة الأولى. هذه القدرة على أن يتفتح “جديد” من قلب “قديم” هي عين الديالكتيك، وتجسيده الحي الذي مكن صنع الله من كشف الحقيقة في تحولاتها، لا تجميدها أو تزييفها.

الفودكا أصلها ماء

استقبلنا صنع الله إبراهيم بفضول إنساني صريح، كأنه هو أيضا يريد أن يتعرّف إلينا بالقدر نفسه الذي كنا نطمح فيه إلى التعرّف عليه. جلسنا في غرفة مكتبه. غرفة صغيرة طولية مكتظة بالكتب، وفي آخرها يوجد جهاز كومبيوتر. بالكاد اتسعت لنا نحن الثلاثة. سألنا “تحبوا تشربوا شاي ولا ميه” فقلنا: “ميه”. وسألنا عن دراستنا وعملنا، وعن عمل والد كلٍ منا. وأراد أن يعرف هل نحب وكيف نحب ولماذا نكتب. وسألناه بدورنا في الأدب والسياسة. وبالطبع، ذكرنا مسألة رفضه لجائزة ملتقى الرواية العربية عام 2003. وكانت فكرته في منتهى البساطة. قال إنه لم يكن في حاجة حقيقية إلى الجائزة وقتها .. “يعني مثلًا إن بنتي تكون صغيرة ومحتاجة لبن ومش عارف اجيب لها.. لو ده كان حاصل وقتها كنت قبلت الجايزة”.

وهذا هو تعريف الحاجة الحقيقية عند صنع الله إبراهيم: حد الكفاف.

كانت زيارة ملهمة. أنستني متعتها الجدال العقيم في الفعاليات التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة، حول إن كنا في زمن الرواية أم في زمن القصة، ومن منهما أجمل من الأخرى أم أن “الاتنين حلوين”.

أهدانا صنع الله نسختين من طبعة جديدة لروايته “نجمة أغسطس“. وأحسست من حديثه أنه يشعر بتقدير خاص لها، وربما يتعاطف معها لشعوره بأنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام، أو أنها أجهضت بسبب طموحها على مستوى البنية والشكل، والذي لم تتوفر له إمكانيات الطباعة والتصميم اللازمة. لكن وسيم طلب منه رواية “ذات” بدلًا منها، فأهداها له. وكنت أريد أنا أيضًا أن أقرأ “ذات”، إلا أنني رضخت لتفضيل صنع الله نجمته على ما عداها.  لدي صورة تجمعني به، مع صديقي وسيم، في صالون البيت. تبدو عليّ علامات السعادة حد البلاهة. ضحكنا لأن زوجته ليلى رحمها الله قالت مستنكرة وهي تصورنا: “فيكم حد طويل أوي مش عارفة إزاي ممكن يطلع في الصورة”.

ثمة تفصيلة بقيت ذاكرتي تستحضرها دومًا: زجاجات الفودكا القديمة التي كانت مصطفة في أرجاء البيت، وقد أعاد ملأها بالماء بدلًا من الكحول. وقدم لنا الماء في واحدة منها. بدت لي آنذاك علامة صامتة على نوعٍ من المفارقة؛ بين الشكل والمحتوى، وإحالة إلى زمن مضى، لكنه آماله لم تصبح فارغة بعد. وكأن انتشار الزجاجات في أرجاء المنزل مجاز عن يقظته، وإصراره على أن يبقى حاضرًا، وممسكًا بمسافة فاصلة بينه وبين أوهام الواقع.

الكتابة والثورة والفرضية الشيوعية

دفعتني ثورة يناير إلى التساؤل عن علاقة الكتابة بالثورة: هل يمكن للأدب أن يبقى محايدًا أمام واقع يتغير بعنف؟ لقد ورث جيلنا ثنائية حادة بين “الجمالي” و”السياسي/الاجتماعي”، ثنائية تعمقت عبر عقود من الزهد في القضايا الكبرى والاحتقار المتنامي للأيديولوجيا، وفي المقابل، إرث ستاليني تقليدي يرى الأدب انعكاسًا مباشرًا للواقع. هذا التناقض جعل سؤال موقع الأدب من الثورة سؤالًا مُلحًا: هل تُختزل الثورة في وقائعها السياسية والاجتماعية أم تتحول هي ذاتها إلى جماليات جديدة للفن؟

بدت الرواية، تحديدًا، الجنس الأدبي الأكثر إشكالية في مواجهة الثورة. فكونها شكلًا “ديموقراطيًا” يجعلها، بطبيعتها، تقاوم إنتاج أية سردية شمولية جديدة، وترفض فرض موقف أيديولوجي أو أخلاقي معصوم من النقاش. وهنا تلتقي أسئلة جيلنا بأسئلة صنع الله إبراهيم في الستينيات: كيف يمكن للرواية أن تُفكك السلطة بدل أن تعيد إنتاجها؟ كيف يمكنها أن تُزعزع أنساق الفكر القمعي وتقاوم اللغة المكرسة من قِبل المؤسسة الأدبية والحاكمة في آن واحد؟

الفن المستقل، كما أثبته صنع الله مبكرًا، يحمل طاقة هدامة تكمن في تقنياته لا في شعاراته؛ فهو لا يعلن انحيازًا مباشرًا، وإنما يختبر أشكالًا وأساليب تعيد تشكيل علاقتنا بالواقع. هكذا تتبدى الكتابة كفعل مقاومة ضد المعايير الجامدة وضد فكرة الأدب “الرفيع” وفق المفاهيم السلطوية الثابتة تاريخيًا.

هل لا زالت أسئلة الكتابة الجديدة  مماثلة لأسئلة صنع الله في الستينيات، من حيث أنها تظل منصبة على كيفية كتابة الثورة حيث لا يتوقعها أحد، وفي جعل الجمالي فعلًا من أفعال التحرر لا مجرد انعكاس للسياسي؟

هُزمت ثورة يناير، وهُزمت الحركات الشيوعية، ونشهد اليوم وقائع إبادة جماعية في فلسطين، واتجاه نحو تصفية نهائية للقضية الفلسطينية. فما الذي يتبقى لنا؟

ربما يمكننا أن نستلهم من صنع الله إبراهيم إيمانه العميق بما يمكن أن نسميه -بتعبير الفيلسوف الفرنسي آلان باديو- “الفرضية الشيوعية“، باعتبارها إمكانية دائمة في التاريخ الإنساني للتفكير والعمل من أجل المساواة والحرية. فهذه الفرضية تقوم على فكرة أن تجاوز الرأسمالية وبناء مساواة راديكالية خارج منطق الدولة- الحزب أمرٌ ممكن، حتى وإن هُزمت التجارب التاريخية التي حملت رايتها. الفرضية نفسها لم تمت لأنها مرتبطة بالسؤال الإنساني الأعمق عن العدالة. ومن هذا المنظور، يمكننا أن نفكر في أحلامنا المجهضة عن الثورة والتغيير والحرية بعد يناير بوصفها جزءًا من هذا الامتداد التاريخي لفكرة لم تتلاشَ رغم كل انكساراتها.

يرى باديو أن المعنى الأعمق للفشل يكمن في إدراكنا “أنه لا جدوى من الانتصار”، وأن الثورة “ليست سوى فاصل بين مرحلتين في بناء الدولة”. وهذا الفهم يعيد ترتيب علاقتنا بما حدث بعد يناير؛ فالهزيمة ليست فقط في قوة القمع الذي مارسه النظام القائم، بل في ما يسميه باديو “السريرة الداخلية للعدمية، والقساوة الضارية التي يمكن أن تصاحب الفراغ”. هنا يصبح السؤال عن الثورة سؤالًا عن المعنى أكثر منه عن النتائج: ماذا يبقى حيًا في الفكرة حين ينهار مشروعها الواقعي؟

يؤكد باديو أن الشجاعة التي تلزمنا اليوم ليست تلك التي نحتاجها أمام قوات الأمن، “وإنما شجاعة أن تكون لدينا فكرة”. فالإيمان بوجوب العيش بفكرة هو ما يسميه “سياسة حقيقية”، أي سياسة تتجاوز منطق التسليع والمال والرغبة في مجرد البقاء. في المقابل، تصبح لحظة الهزيمة هي لحظة التخلي عن أي فكرة، بينما تمثل “اللحظة التحررية” تلك التي يعلن فيها الفرد قدرته على “تخطي حدود الأنانية والتنافسية”، وتجاوز الفردانية في صيغتها الليبرالية المعاصرة التي تكرّس الوحدة والاكتئاب وتعوق التطور الحر للفرد ضمن روابط جماعية.

يجعل النظام القائم من أصحاب الأفكار عبرة مخيفة وحزينة. وهنا يتبدى الفشل الحقيقي حين ندرك، أن الخطيئة الأصلية لمن هم خلف الأسوار هي “الشجاعة”: شجاعة الإيمان بفكرة في عالم صار مقتنعًا بأن الفكرة الكبيرة إما جريمة أو مثار سخرية.

ورغم بشاعة القهر الذي تعرض له صنع الله إبراهيم في سنوات السجن، لم تتمكن العدمية من التسلل إلى روحه، ولم تصاحبه قساوة الفراغ الداخلي التي يحذر منها باديو. ظل يقاوم انعدام المعنى، حتى بعد انكسار الأحلام الكبرى التي حملها جيله. وربما لو سُجن صنع الله في الظروف الحالية للسجون المصرية، حيث القمع أشد قسوة والمحو أكثر تنظيمًا، لما كان بمقدوره أن يكتب يومياته، أو أن يظل متمردًا كما فعل. لكنه جاء من زمنٍ آخر، وزمنه -على قسوته- كان أكثر رحمة من حاضرنا، وهذا في النهاية من حسن حظنا.

***

قابلت صنع الله إبراهيم مرة أخرى بعد زيارتنا له. كانت ندوة في مساحة ثقافية وفنية اسمها “الكابينة” بالإسكندرية. وكنا في مايو 2011. ولا زالت الآمال لم تُجهض بعد. سأله الحضور عن كل شيء تقريبًا، عن الكتابة والثورة والاشتراكية العلمية والمرأة والطفولة.

ذهبت إليه بعد الندوة وذكرته باللقاء في منزله قبل عامين. لكنه لم يستطع أن يتذكرني أو أن يتذكر لقاءنا بالمرة.

لم يصبني الإحباط؛ لأن المحبوب قد ردم الفجوة التي بيني وبين العالم. وما الذي يمكن أن يريده المحب أكثر من ذلك؟