ماذا لو عبرت الآن كاميرا بجانب منزلنا ما المشهد الثابت التي ستسجله؟
نحو بيت البحر..
ستمرّ من طريق البحر المؤدّي إلى المنزل، وتذهب من شارع البحر «الرشيد» الذي يُسطّر قلب المدينة بيدٍ واحدة، وباليد الأخرى يقسم كامل حقيقتها إلى شطوط خيال. تنتهي الحقيقة عند الخطّ الذي يفصل المدينة أفقيًا عن البحر، لتبدأ من بعده احتمالات النجاة المتكرّرة من الغرق اليومي في موجات العزلة.
تقف الكاميرا قليلًا عند مدخل شارعنا الصغير الذي يحدّه يسارًا مقهى اسطنبول ويمينًا دكاكين وحلقات رجال، يشغلون مساحة وافرة من الزقاق والضوء. تدخل من رأس الشارع الذي فيه القليل من ضوء الليدات المتناثر، وإنارة عمود بعيد.
تبدأ الكاميرا بالتسجيل، فتجد أمامها مشهدًا ثابتًا عمره أكثر من خمسة وعشرون عامًا، فيه صورة لوجه الجار أبو فؤاد، جالسًا على كرسيه الخيزران وأمامه طاولة الشطرنج يقابله شخصًا آخرًا سيشاطره اللعب وفنجان القهوة. وإن لم يجد أحدًا سيلعبها وحيدًا وراضيًا.
تمشي إلى الأمام بضع أمتار، فتلتقط ظلال المارة ونور القمر، قبل أن تصل إلى المنتصف فتجد شجرة عملاقة تظلّل معظم الطريق وهمسات العابرين. تحت هذه البونسيانا يقع بابُ بيتنا.. باب من زجاج وحديد أكله بعض الصدأ. ستضطرّ للعبور من مدخلٍ صغير تتوزّع على جنباته الشجيرات وثلاث شجرات زيتون تشكّل مثلثًا بضلع ناقص، فالضلع الأخير محشوّ بالحشائش وأزهار الفلّ التي يُعيد أبي زراعتها يوميًا. كلّ الذين يدخلون يدوسونها بأقدامهم، استمرّ ذلك لأكثر من خمسة شهور، لهذا أجده كلّ صباح قد اخترع طريقة لتنبيه أهل البيت إلى أنّ ما يدوسونه هي أزهار لم تكبر بعد.
تلتفّ الكاميرا حول الممرّ الكبير في الجانب الأيمن للمنزل، والذي يحمل عددًا من النخلات وأشجار التين والليمون، ولكنها تقرّر تسجيل الصوت بلا صورة. ليس بسبب انقطاع الكهرباء بل لأن تلك الصورة هي صوت ثابت، يحبسُ ضجيج الصغار لدى هربهم من الواجبات المدرسية ولعبهم لكرة القدم وركوبهم على الدراجة الهوائية، ونزاعات الدائمة حول الأولويّة في الدور.
تصعد الكاميرا عبر درج «الحية»، نسميه هكذا بسبب التوائه البسيط، ولغياب أي نقطة للارتكاز فيه. على الباب الخشبي الكبير المفتوح صيفًا، شتاءً، تعكس العدسة بداخلها ضوءًا أكبر سمح بمروره اتساع غرفة المعيشة.
يجلس أبي في المنتصف، بيده عدد من المصاحف التي أتى بها للتوّ من المسجد ليُصلحها لأن مفاصلها وأوراقها قد تقطّعت. يأتي بصمغٍ ثقيل جدًا و يُلصقُ أي شيء لا يمكن الصاقه بسهولة، يفتح بهدوء الأوراق الممزّقة ويُقرّبها من بعضها حتى يصل الكلمات بالكلمات، واضعًا شعيرات من الصمغ بعودٍ صغير. أما تلك المقطوعة من الغلاف فيأخذ بتعديلها بالتساوي، يوزّع صمغًا أثقل ويبدأ بضغطها بكلتا كفيه حتى تلتئم وتظل ثابتة لعمر آخر.
أمي وبعض الأحفاد يجلسون حولها على الأرض يشربون الشاي ويتناولون طعامًا أعدته في الظهيرة، هذه الجلسة لا تأخذ الكاميرا منها لا صورًا ولا مقاطع صوت لأنها رائحة و رائحتها تُضعف باب الذاكرة.
في هذه الأثناء، لن تخرج الكاميرا من البيت لأنّ كلّ الذي سجلته قد امّسح، محي، انحذف، انتهى.. فلا تعرف كيف تستعيد من هذه المشاهد ولو ثانية واحدة. عندما لم تخرج الكاميرا، التقطتُ هذه الصور بعيدًا عن المنزل والشارع في غزة، في مدينة تبعد عنها ٣٠٠٠ كيلو متر تقريبًا، مارسيليا التي تشارك غزّة البحر ذاته
أخبرنا البحر ذات مرة أنّ الأثر الذي يتبقّى هو فعل محوٍ آخر وأنّ ما يُمحى الآن، هو ما تبقّى أمامنا إلى الأبد. حينما قرّرت الرمال تصوير أقدام الذين دعسوا فوقها، لم تعكس عدستها سوى ظلالً، ليس لأنها بلا مرآة، إنّما لأنّ الضوء كان يمدّ لسانه باتجاه آخر.
لدى غياب الأرض، يصير كل ما نصنعه الآن مجرّد تعويض، تأجيل، إرجاء، مماطلة أو تأخير متعمّد.. تتقلب الأيام حولنا كقنوات التلفاز، فيما نحاول الإمساك بأي صوت تسرب لتوه من فم الشاشة..
كيف تتحوّل لغة كاملة، لغة فريدة، لغة شاسعة، لغة من التحايل على الماضي إلى سؤال واحد؟
منذ عامين وأنا عالقة في حلق مصيدة المنفى، هذه المصيدة المزدانة جيدًا، يظلُ دورانها يبعث على الشك والقلق والحيرة والخوف.. إن لم تكن فلسطينيًا ومن غزة، سيكون دورانها أكثر راحة.
في الحقيقة، كلّ ما أحاول سرده، في مخيال الصور هرب للاحتماء من هذا الهدم المتكرر.. كلّما نجت مفردة مما أودّ قوله، طال الهدم مئات المفردات الأخرى. ربّما تقبع كلماتنا تحت الصور و الأشياء التي لم نستطع حملها معنا أو تخبئتها.