لا أتوقّف عن التفكير بها، فلنسمّها «هـ». أذكر نبرة صوتها وهي تحدّثني عن انفعالها وثورتها الكبيرة عندما أهانها زوجها ورماها بأسوأ الشتائم ثم أكمل معركته معها بضربها. لم تتحمّل، ردّت له الشتيمة، وطلبت الطلاق. لم يغفر لها أبوها فعلتها واتّهمها بالجنون، ذكّرها بأنّها امرأة مثل بقية النساء لا تملك عقلًا ولا تحسن التفكير، وبأنّ عدم الرد على إهانة زوجها والسكوت حفاظًا على بيتها هو «عين العقل». وفي موقف لاحق، اتهمها أبوها بالجنون، مجدّدًا، لأنها قرّرت أن تعيش مع ابنها بمفردهما بعد الطلاق.
«هـ» حبيسة الآن في بيت والدها، مطلّقة ومتّهمة بالجنون لأنّها لم تبتلع لسانها وتقبل الإهانة. مع الوقت، تغذّت تلك القناعة بداخلها.. الجنون، وفي كلّ مرّة نتحدّث سويًا تخبرني أنّ فيها علّة نفسية وأنّ أبوها يحميها بالحبس في بيته، ليضبط جنونها المنفلت. لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة «الجنون» كتعريفٍ من بعض الرجال لسلوكيات النساء، تسبقها كلمات مثل هستيريا، هبل، ناقصات عقل.. كنت صغيرة عندما استقبلت تلك الكلمات لأول مرة كتعريفٍ للطبيعة الأنثوية. كلّما تذكرت «هـ» وعلاقتها بزوجها ووالدها سألت نفسي من ابتدع ذلك الرابط العجيب بين النساء والجنون؟ ومن جعل المرأة مستعدّة لتقبّله؟
أثناء قراءتي لكتاب «العالم النفسي للنساء» (2024) للطبيب النفسي المصري نبيل القط، استوقفتني فقرة رغم توقّعي المسبق لحقيقة ما قرأته، يقول فيها القط أنّ «الذكر كان الموضوع الرئيسي في الكتابات النفسية الأولى، وظهرت النساء كظلال للذكر باعتباره الكائن الإنساني الأكمل». تؤكّد الفقرة السابقة سردية أنّ بدايات الطب النفسي اعتمدت على تحليل وفهم أمراض النساء فقط من وجهة نظر الرجال ودون محاولة لفهم حقيقي للطبيعية الأنثوية. والنتيجة كانت تشخيص النساء بالهستيريا، العصابية الزائدة، الاكتئاب الأنثوي، والجنون بسبب العصيان والرغبة الجنسية المنفلتة.
حبست النساء في أجسادهن التي أصبحت عائقًا ثقيلًا «لا يفهمنه»، وبوابة للشهوات والخطايا المحرّمة، لذا وجب تسليمه لسلطة الرجل للتحكم به باسم الدين والطب والعائلة. سلبت النساء الحق في التحكّم بأجسادهن منذ أن ترسّخت الأسطورة مبكرًا، فتحوّل الجسد إلى عدوّ، حيوان مفترس يجب ترويضه. تقف النساء الآن في المنتصف بين جذور الطب النفسي التي خذلتها، وحصاد شجرة الطب الذي لا يزال يلصق بها تشخيصات سطحية لا تتعمّق في طبيعتها الأنثوية الحقيقية، بل تبقى عالقة في سؤال «كيف نروض هذا الجسد؟».
صمت وعقاب
من بين عشرات الفيديوهات التي أمضي وقتًا مسليًا في تصفّحها، اقترح لي «تيك توك» فيديو لفتاة مصرية تدعى ياسمين. لا تقدّم الفتاة فيديوهات تشبه محتويات المنصة المتوقعة، تجلس في غرفتها أمام الموبايل وتحكي عن تجارب العنف الجسدي والإيذاء النفسي والتحرش التي تعرضت لها بإحدى المصحات النفسية في القاهرة. أصابني الذهول، ووجدت نفسي غارقة في مشاهدة سلسلة فيديوهات قصيرة تصل مدة الواحدة منها لـ 10 دقائق، تحكي فيها بالتفصيل عمّ واجهته هي وزميلاتها من معاملة وحشية ومؤذية باعتبارهن نساء منفلتات أخلاقيًا. أمّا الفزع الأكبر، فينتج من قراءة التعليقات على الفيديو، والتي تؤكّد أن سوء معاملة النساء في المصحّات هو أمر شائع كثر ممّا نتصوّر.
شخّصت ياسمين باضطراب الشخصية الحدية، ولسوء حالتها قرّر أهلها إيداعها في المصحة. كانت صدمتها كبيرة حين علمت أنّ أغلب النزيلات معها في المصحة لم يكنّ مريضات نفسيًا بل أودعن وتم اقتيادهن بالإجبار من ذويهن كعقاب أخلاقي، أو كطريقة لحرمان أخوتها الذكور لها من الميراث، وغيرها من سياقات متوقعة. ينقطع التواصل بين المريضة وعائلتها، وباتفاق ضمني يتم تسليم السلطة من الأهل إلى المصحة، وفي تلك المرحلة الانتقالية لن تكون السلطة بيد المرأة على نفسها.
يسهل التنبؤ بوجود هذه السلوكيات في المجتمعات التي تحكمها العادات الاجتماعية والدينية المتزمّتة في الحكم على النساء ومعاقبتهن. قبل أشهر، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقًا صحفيًا عن سجون إعادة التأهيل السرية التي تودع فيها النساء السعوديات المتمرّدات أو المعنفات من قبل الزوج أو الأهل. ومن تولّوا تعذيبهنّ، هم الذين أودعوهن في المصحة كاستكمال لعقابهنّ على إنفلاتهن. لم تحاول الصحافة البحث والتنقيب عن تلك المصحّات إلا بعد انتشار صور لفتاة تهرب من النافذة، ما كشف عن سلسلة من الانتحارات لنساء فضلن الموت عن عذاب المصحّات.
كانت صدمتها كبيرة حين علمت أنّ أغلب النزيلات معها في المصحة العقلية لم يكنّ مريضات نفسيًا بل أودعن وتم اقتيادهن بالإجبار من قبل ذويهن كعقاب أخلاقي، أو كطريقة لحرمانهنّ من الميراث من قبل ذكور العائلة.. هكذا ينقطع التواصل بين المريضة عائلتها، وباتفاق ضمني تسلّم السلطة من الأهل إلى المصحة النفسية.
من الصعب الوصول إلى تلك الأبواب الحصينة السرية، وكلما ازداد إنغلاق المجتمع تضاعفت صعوبة إنقاذ النساء اللاتي يتحوّلن إلى مريضات نفسيات وموصومات بالعار، فيما يتحوّل الطب النفسي إلى مؤسّسة عقاب وتعذيب وترويض تحت اسم الإصلاح والرعاية. تتساءل نوال السعداوي في كتابها «الأنثى هي الأصل» (1974) «لماذا لا تصبح النساء قوة ثورية في أي مجتمع من المجتمعات الأبوية الحديثة رغم شدة الظلم الواقع عليهن؟»، وتجيب بأن الغضب هو الصفة التي نزعها الرجال بقصدٍ عن المرأة، لذلك تتم تربيتها على الطاعة، الابتسام لزوجها، الهدوء، الخضوع التام. تعلمت النساء أن هذه صفات الأنوثة بينما العدوانية صفة ذكورية لن تجعلها محبوبة «وإذا أصبحت المرأة عدوانية فهي بحاجة إلى عقاب أو علاج نفسي، أو جلسات كهربية لتعود إلى طبيعتها الأولى الهادئة الراضية المكبوتة».
هنا أتذكّر «ه» مجددًا، حين حكت لي أنّها لم تشعر بالارتياح النفسي إلا في تلك اللحظة التي ردّت فيها الإهانة لزوجها، ثم حكت بنبرةٍ حزينة «ماما من زمان مربياني على السكوت. كانت تبص لي على أي حاجة بعملها باعتبارها غلط، لازم أكون هادية وصوتي مش عالي ولو حد زعلني ماخدش حقي وأمشي. أنا غضبانة كل ما بفتكر ده، ويمكن ده سبب اكتئابي لسنين. أنا كنت بصدق كلام ماما وبشوف كلامها هو حقيقتي الوحيدة».
يأتي التدريب على الامتناع عن الغضب كمفتاح آخر للسيطرة على النساء، وكسبيل للتشويش على نظرتهن لحقيقة طبيعتهن الأنثوية. تقول نوال السعداوي أنّ الرد الفعل الطبيعي للمرأة المكبوتة هو إصابتها بالاكتئاب «هذا الاكتئاب ما كان ليحدث للمرأة لو أنها وجهت انفعالها إلى الخارج كما يفعل معظم الرجال، ولكن الخارج هذا (بعبارة أخرى المجتمع) يرفض انفعالات المرأة الطبيعية سواء كانت كراهيةً أم حُبًّا». نظرة سريعة على محيطنا الاجتماعي، سنجد أن جرائم القتل والعنف يمارسها الرجال بسبب الانتقام والغضب، وهي معدلات لا تقارن بمعدلات النساء اللاتي يستحيل غضبهنّ مرضًا نفسيًا كونهن مجبرات على ابتلاع الغضب وتوجيهه إلى الداخل.
في البدء كان السحر
أصدرت الكنيسة الكاثوليكية في القرن التاسع بيانًا ضدّ عددٍ من النساء، يتهمهن بالسحر ويصفهن بأنهن «نساء خبيثات يعبدن الشيطان وتغريهن أوهامه وفانتازياته..»، ويبرّر البيان لماذا تمارس النساء السحر فيقول «لا يرجع السبب إلى ضعف جنسهن، بل لأن معظمهن عنيدات ميئوس منهنّ.. أفلاطون صنّف المرأة في مرتبة تقع ما بين الرجل وما بين البهيمة».
أقيمت محارق الساحرات على مرأى من الجميع، كما تشير البريطانية روزاليند مايلز في كتابها «من طبخت العشاء الأخير؟ تاريخ العالم كما ترويه النساء» (1989). وقد وثّق العديد من الفنانين محاكمات النساء ومحارق الساحرات في لوحاتهم، خصوصًا محرقة ساحرات سالم في ماساتشوستس الأميركية بين عامي 1962 و1963. في لوحة لتي إتش ماتيسون سنة 1853، نجد محكمة كاملة، معظم أعضائها من الرجال تستبيح جسد امرأة وتعريها فقط لتفحص مكامن الشيطان داخل جسدها الأنثوي.
ما من شيطان أنثوي، إلا أنّ هذه الخرافة كانت الوسيلة لتحويل الجسد الأنثوي إلى حاوية مرعبة، كهف مظلم مليء بالخطايا تستقر فيه الشياطين. صارت رغباتها الجنسية إثمًا يجب ترويضة، أما اضطراباتها الهرمونية أثناء الدورة الشهرية وعند الحمل والولادة، فهي علامات جنون أنثوي بحت، لهذا تحوّل الجسد إلى كيان مادي مستباح، من أيدي الكهنة والشيوخ إلى أيدي الأطباء الساعية إلى ترويضه.
التصقت ممارسة السحر بالنساء، تهمة أنثوية بررتها السلطة الدينية الذكورية لتشيطن سلوكيات النساء، تمرّدهن، واضطراباتهن النفسية وتستوجب عقابهن، في الفقه الإسلامي توصف المرأة الرافضة لمضاجعة زوجها بالناشز وهو ما يعني فقهيًا رفضها لطاعة الزوج الذي يحق له حينها الامتناع عن الإنفاق عليها.
قديمًا لم يظهر الطب النفسي ولا المصطلحات النفسية التي تطاردنا الآن إلكترونيًا بشكل يومي (التروما، الفوبيا، العلاقات السامة، التعلق الزائد، PTSD، ADHD، BPD)، فقط كانت النساء في نظر الرجال مجرّد نساء خرجن عن المألوف ولم يستطعن ممارسة أدوارهن الأنثوية، تمرّدن على أجسادهن فأصبحن يشكّلن خطرًا على المجتمع.
«علّة في الرحم»
بعد رحلة بحث في كتب الطب النفسي عرفت أن الطبيب الإغريقي أبقراط أطلق المصطلح الطبي «هستيريا» (Hysteria) كتشخيصٍ لأعراض مرضية للنساء، وأن هستيريا في الإغريقية القديمة معناها الرحم.
يبدو جليًا الآن سبب ربط مرض النساء النفسي بالرحم، ويعود إلى الاعتقاد الطبي والشعبي بأن أصل مشاكل النساء هو هذا الرحم الذي يتجوّل في جسد المرأة ويسبب لها المشكلات، سبب آخر ليتحول عضو المرأة الجنسي في مجتمعاتنا العربية إلى شتيمة مدنّسة.
من هنا بدأت أتلمس خيطًا جديدًا للربط بين النساء والجنون، واستكملًا للبحث من مسافة قريبة، تواصلت مع الطبيبة النفسية والكاتبة المصرية سارة النجار التي أبدت حماستها لمشاركتي رحلة الفهم وكتابة المقال.
بدأت النجار كلامها بالتاكيد على أن «الهستيريا اتسمّت على اسم الرحم، وكأن وجود الرحم مرتبط بس بالجنون». لم يختلف الأمر الآن عن الأزمان القديمة، إذ تستكمل «في ثقافتنا العربية يتعامل الناس مع مريضات الفصام على أنهن ملبوسات أو ممسوسات أو مصابات بالسحر، ويُعلاجهن بفك الأعمال عن طريق الشيوخ أو الزار وأحيانًا بالضرب، ويعدّ الزواج إحدى طرق العلاج الشهيرة باعتبار الزواج والإنجاب ينفضان الجنون عن رحم الست. حتى الآن، نرى ذلك لدى عدد من الحالات التي بتزورنا في العيادات. والمفاجأة أن هذه الاعتقادات لا ترتبط بمستوى اجتماعي معين، إنما على العكس هي شائعة لدى كلّ الطبقات الاجتماعية».
قديمًا، شخّص الأطباء التوتّر ونوبات الحزن واضطرابات المزاج التي تصيب المرأة، بأنها أعراض نسائية تعني وجود علّة في الرحم، وعليه اخترعوا طرقًا للعلاج تتم عبر المهبل سواء بإدخال أدوات فيه، أو حكّه أو قطع البظر وبالمنطق ذاته كان استئصال الرحم وسيلة علاج. التصقت تلك العلة أيضًا بالنساء غير المتزوجات أو الأرامل، لذلك كان العلاج الوحيد هو زواجهن. لا أجد فروقًا كبيرة بين الطب في الماضي وخرافات اليوم التي تربط المرأة المستقلة أو صاحبة الرأي و الصوت العالي بأنها حتمًا مكبوتة جنسيًا وبحاجة إلى رجل لتهدأ.
ينسخ هذا المسار الطبي اشمئزاز الدين من رحم المرأة. تربيت في مراهقتي على أنّه يحرّم لي الصلاة في فترة الحيض، ولمس القرآن لأني نجسة، وعرفت خلال جلسات النميمة مع صديقاتي، أنه يحرّم على الزوجة معاشرة زوجها إلى أن تتطهر من النجاسة. استحمام الطهارة في ذاته، بالنسبة لي، طقس لا يخلو من احتقار ولم أفهم ذلك إلا متأخرة، لماذا أعاقب وأغسل جسدي وأتطهر بشيء من الذنب والخزي فقط لأن دم الحيض خرج من رحمي؟ ولماذا يوصف الدم بالنجاسة؟ الأمر ذاته موجود في اليهودية وأيضًا في بعض الديانات غير الإبراهيمية. في قرية هابور بالهند تتعامل النساء حتى الآن مع الدورة الشهرية باعتبارها وصمة، لا يتحدّثن عنها ولا يعرفن سببها ويتجنّبن القرب أو الحديث مع الفتاة أيام حيضها وتشتكي النساء من عدم قدرتهن على دخول المعبد أثناء الطمث رغم أن إلهتهم التي يعبدونها أنثى.
قديمًا، شخّص الأطباء التوتّر ونوبات الحزن واضطرابات المزاج التي تصيب المرأة، بأنها أعراض نسائية تعني وجود علّة في الرحم، وعليه اخترعوا طرقًا للعلاج تتم عبر المهبل سواء بإدخال أدوات فيه، أو حكّه أو قطع البظر وبالمنطق ذاته كان استئصال الرحم وسيلة علاج.
يبدو التحكم بجسد الأنثى واحتقاره أسهل من فهمه وتقديسه. في السياق ذاته، توثق الكاتبة والمؤرخة روزاليند مايلز رحلة النساء من التقديس إلى الاستعباد، مشيرة إلى أنّ تقديس الأنثى هو أصل بداية الخلق، ببساطة لأن جسدها هو واهب الحياة، ومن الرحم تخرج الأجنة وتبث فيها الحياة. في المقابل يقف الذكر ليخدم الأنثى ويكون تابعًا لها لوعيه أنها ستنجب للقبيلة أبناء جدد.
إلّا أنّ وهن الجسد الأنثوي في أغلب مراحل الحمل والولادة ومراحل الطمث الشهرية، قورن بقوة الجسد الذكوري الفسيولوجية، وشيئًا فشيء سيطر الرجل على نظام الحياة وتحولت المرأة من جسد مقدس إلى وعاء للإنجاب، وإلى مصدر لإشباع شهوة القضيب، وراعية للبيت لا أكثر. يسمي إنغلز تلك المرحلة بـ «الهزيمة التاريخية للجنس الأنثوي في العالم»، وهو السياق التاريخي ذاته الذي تصفه روزاليند «لقد اغتصب الفالوس وظيفة الرحم كمصدر للحياة وكرمزٍ لها، ومع هذه الشريعة الجديدة تلاشت حقوق المرأة والطقوس الخاصة بها في كل البلدان». الرحم ذاته، الذي كان مصدرًا للخصوبة والتقديس، تحوّل إلى مصدرٍ للخلل والجنون في الجسد الأنثوي.
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
خذلان الطب النفسي
بمدّ الخط على استقامته، يتضح أمامنا المسار المتواصل لخذلان الطب النفسي للنساء. تلخّص سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الآخر» (1949) هذا التوجّه، انطلاقًا من نقدها لأهم مؤسسي الطب النفسي الحديث سيغموند فرويد، قائلة «من الجلي أنّه بخصوص المرأة، اقتبس وصفه من مصير الرجل، وعدّل فيه بعض الأمور»، وأيضًا عبر سخريتها من تلميذه أدلر «حين تتسلّق الفتاة الشجرة، فإنّ ذلك برأي أدلر لأنها تريد أن تتساوى مع الصبيان. لا يخطر بباله أنّها تحبّ تسلق الأشجار فقط».
وفي مجتمعاتنا اليوم، يتجاوز الأمر الأطباء المعالجين ليصل إلى الرجال المحيطين بالمريضات. تستعيد الطبيبة سارة النجار نماذج من واقع خبرتها المهنية، عن تدخّل الآباء والأخوة والأزواج في قرارات الطبيب «يمكن أن تكون المريضة محتاجة إلى علاج دوائي، لكن جوزها سيرفض لأن الدواء سيجعلها باردة جنسيًا، أو سيكسبها وزنًا إضافيًا». وهنا، تصف بعض النساء اللواتي يزرن عيادتها «عندما أشتغل كطبيبة مع المريضات، أعلم أن بعضهن لا يعوّلن على أنفسهن بالكامل، أكون على دراية بأن قراري العلاجي سيلقى معارضة أحد أقربائها من الذكور إما زوجها أو والدها، هناك نساء لا يستطعن اتخاذ القرار بأخذ الدواء إلا بعد موافقة أزواجهنّ».
ذكّرني كلام الطبيبة بعنايات الزيات، الكاتبة المصرية التي قضت معظم حياتها في مصحة نفسية وأنهت حياتها بالانتحار. تتبعت الشاعرة المصرية إيمان مرسال حياة عنايات في رحلة بحثية وثّقتها في كتاب «في أثر عنايات الزيات» الذي يبدو أقرب إلى عدسة مكبرة على سيرة كاتبة لا نعرف عنها شيئًا. لم يكشف الكتاب عن جوانب شخصيتها فحسب، إنما كان كاشفًا للوسط الثقافي في الستينات وأيضًا لمنظومة العلاج النفسي في زمن لم يعرف من المرض النفسي غير الجنون.
أشاع الوسط الأدبي المصري آنذاك، أنّ عنايات انتحرت بسبب نشر روايتها. غير أن عنايات كانت بحاجة إلى امرأة أخرى من زمن آخر، مخلِّصة، لكي تحكي حكايتها وتفهمها، امرأة بعين امرأة. حاورت إيمان السيدة عظيمة أخت عنايات التي قالت لها بأسى «كنا صغيرين في السن ومنعرفش يعني ايه اكتئاب. دلوقت الأجيال الجديدة بتعرف أكتر وبيطلبوا مساعدة. ما كنش عندنا وعي للأسف». كما اقتبست إيمان ما كتبته حُسن شاه عن عنايات الزيات «وأنا أقول بعد أن عرفت قصّة عنايات الحقيقيّة.. إن عنايات قد انتحرت بسبب القسوة.. وإن امرأة سعيدة لا يُمكن أن تنتحر من أجل كتاب.. وإن حياة عنايات الزوجيّة الفاشلة قد سبّبت لها الآلام النفسيّة والجسديّة ما جعل أعصابها المُرهفة تخونها وتجعلها تؤثِر الموت على الحياة».
شُخّصت عنايات الزيات بأنها مريضة اكتئاب حاد، ومن نتائج رحلة بحث إيمان مرسال الكشف عمّ تخفيه ستائر مؤسسة العلاج النفسي المصرية في زمن الكاتبة المنتحرة، تحديدًا «مستشفى بهمن» المعروفة بـ «أوّل مستشفى نفسية خاصة في القُطر»، والتي قضت فيها عنايات سنوات للعلاج. لم يكن الطب النفسي متطورًا في زمنها، 33% من مرضى «مستشفى العباسية للأمراض النفسية» كانوا يموتون سنويًا، واقتصرت طرق العلاج على جلسات الكهرباء أو الأدوية المهدئة التي كانت تتلقّاها عنايات لسنوات قبل أن تنتحر بها.
وكان الدكتور وارنوك، الطبيب النفسي المسؤول عن المستشفى، قد طوّر نظرية علمية تفيد أن «الجنون في أكثر من 30% من الحالات سببه الحشيش بالنسبة للرجال والجنس بالنسبة للنساء»، علمًا أنّ الطبيب هو من أرسى نظام العلاج النفسي الحديث في مصر.
إنّها الهورمونات.. بالطبع
كنت في اجتماع عمل مع زملائي، رجلين وامرأتين، وبعد مرور بعض الوقت انفعلت زميلتي في الحديث واعترضت على أمرٍ ما، وكانت الوحيدة بيننا المحتدّة على عكس البقية على الطاولة. بعد الاجتماع اقترب مني زميلي وسألني عن أحوال زميلتنا «مالها؟» ثم استطرد بنبرة خبيثة وبيقين الرجل العارف بكل شيء «واضح إنها هرمونات الشهر وكده.. ربنا معاها».
طرقت جملته برأسي طرقًا. حجّته بدت سهلة ليبرّر بشيء من السخرية والمزاح سلوكها ويردّه إلى أنّها «امرأة». ورغم انزعاجي المسبق من طريقتها في الاجتماع وجدتني أدافع عنها «ليه بتقول كده! ما عادي يعني بني آدمة ومتعصبة». هز زميلي رأسه وانصرف بهدوء، وأنا على يقين بقناعته أنه في ورطة لأنه يعمل مع نساء يحملن للأسف هرمونات.
سألت الدكتورة سارة النجار مجدّدًا عن الاضطرابات الهرمونية، وكيفيّة تعامل الطب النفسي معها تاريخيًا، فأجابتني بما صدمني قليلًا «الكتاب الذي نعتمد عليه كأطباء في التشخصيات النفسية هو «الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات العقلية» (DSM5 – 2013) الذي تنشره الجمعية الأميركية للطب النفسي، والحقيقة أنّه إلى وقت قريب جدًّا لم يكن هناك اعتراف أصلًا باضطراب ما بعد الطمث واضطراب ما بعد الولادة»، وهذا ما يؤكّد وفق النجّار على أنّ «الطب النفسي لم يكن يملك الوعي الكافي، حتى وقت قريب، باضطرابات الاكتئاب الكبرى التي تتعرّض لها النساء، وذلك يتمّ التعامل مع شكاوى النساء على أنّها هورمونات، أو امرأة تحاول نيل اهتمام زوجها، لا كإنسانة تعاني من اضطراب اكتئابي وتحتاج إلى دواء أو علاج نفسي».
أيدٍ نسويّة حرّكت المياه الراكدة
يحمل تاريخ الطب النفسي، علاقة متشنّجة مع النساء، وعدائيّة لهنّ، لهذا كان لا بدّ من ثورة ضدّ منظومة الطب النفسي، وتحديدًا ضدّ تحيزها الجندري. يرتبط اسم الطبيبة والمحلّلة النفسية الألمانية كارن هورني (1885 – 1952) بعلم النفس النسوي، وببدايات الأسئلة والجدال مع النظريات الذكورية والتأكيد على وجود مسارات أخرى للتحليل النفسي يجب تتبعها والالتفات إليها. عيون نسائية ترى العالم من منظور مختلف. كانت أشبه بخلخلة لبعض آراء فرويد المتحيّزة، وذلك في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ومع ظهور الموجة النسوية الثانية في السبعينات، أطلقت طبيبات نفسيات ونسويات نظريات وأبحاثًا علمية بدأت تطرح التقاطعات بين النسوية وعلم النفس كنقدٍ جذريّ للمنهج العلمي الذي يرسّخ التمييز الجندري في التشخصيات النفسية.
ساهمت هذه الأصوات في تقديم طروحات فارقة، مثل رودا أونغر التي دوّنت في مقالها «نحو إعادة تعريف الجنس والجندر» (1979) أفكارًا دعت لها النسوية النفسية بأن يتم دراسة النساء في سياقات اجتماعية وتحليل أدوارهن الاجتماعية التي تتسبب في زيادة إضطراباتهن النفسية، إلى جانب حتمية الإنصات الجاد إلى أصوات النساء في مجال الطب باعتبارها مؤثرة في تغيير العدسة التي ينظر بها دستور الطب إلى النساء. وعلى الغرار نفسه، قدّمت المحللة النفسية وطبيبة الأعصاب الأميركية ناعومي وايستاين في مقالها «علم النفس يكوّن الأنوثة» نهاية الستينات محاكمة لعلم النفس باعتباره لا يتعمّق بأمراض النساء بل يقدم صورة مسبقة عنهن، تشرّح ناعومي أيضًا المنظومة الطبية، وتكشف عن ستار «الحاجة إلى الرعاية» و«تبعية النساء للرجال» باعتبارهما غطاء يمارس خلفه الطب تجاوزات في حق النساء.
ببساطة يمكننا القول إن علم النفس النسوي هو الثورة الحقيقية التي ساعدت في تحريك مياه راكدة لم تكن لتتحرك بأيدٍ أخرى، وكانت سببًا لفهم الكثير من النساء اليوم عن طبيعتهن الأنثوية، خاصة فيما يتعلق بالفطرة، مشاعرهن الجنسية، علاقتهن بأجسادهن، وهدم الكثير من الخرافات المتعلقة بالجسد الأنثوي وطبيعتها التابعة للذكر.
غرفة لها وحدها
لا ينقطع الحديث بيني وبين «هـ» من آن لآخر. هي الآن في بيت أبيها، لكنها تعيش في غرفة بطابق منفصل في بيته الكبير. لم تنل الاستقلالية الكاملة لكن شيئًا ما داخل عقلها بات أكثر نورًا ووعيًا بما يحدث لها. من بين ما تحكيه لي أنها باتت الآن تفهم الكثير عن حالاتها المزاجية، وعن أمور مرت بها لم تكن تعرف أنها أذى واضح يجب البوح به، كالتحرش، العنف الأسري، التلاعب النفسي، اكتئاب ما بعد الولادة. لم يتغير وضع «هـ» الاجتماعي والنفسي ولم تأخذ خطوة للعلاج النفسي، لكنها الآن غارقة في اكتشاف المصطلحات الجديدة لكل الأزمات النفسية التي كانت تمر بها. هي خطوة واحدة في رحلة ليست مستحيلة لفهم أزماتها النفسية وطبيعتها الأنثوية.
تحتاج المرأة أحيانًا إلى غرفة لها وحدها تعيد من خلال مراياها رؤية وفهم جسدها، بعينيها فقط.














