ظهر مستثمرون جدد برؤى تقوم على إعادة تدوير المظاهر والمهن والأطباق المحلية اليومية، وإعادة بيعها وتسويقها ضمن قالب هجين، يسعى إلى الإبهار بأسعار خياليّة
في الفترة الأخيرة، بدأت تشتدّ وتيرة حركة الإحلال الطبقي في حي وسط البلد في القاهرة. ظهر مستثمرون جدد برؤى تقوم على إعادة تدوير المظاهر والمهن والأطباق المحلية اليومية، وإعادة بيعها وتسويقها ضمن قالب هجين، يسعى إلى الإبهار بأسعار خياليّة. ولا تستثمر هذه المتاجر المظاهر المحليّة إلا بعد طردها ومحوها من الشارع ومن أماكنها الأصليّة، فتخلق تفاعلًا زائفًا مع ما كان يمكن العثور عليه في يوميات الشارع المصري.
بخطى ثابتة بدأت الخطة المرسومة لمنطقة وسط البلد تتضح، مستعيدة حنينًا للعصور الملكية التي كانت المنطقة فيها مركزًا لعلية القوم. كانت منطقة وسط البلد تحمل اسم «القاهرة الخديوية»، منذ أن قام الخديوي اسماعيل بإنشاءها على الطراز الأوروبي لينافس من خلالها المدن الغربية الكبرى.
منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى السنوات الأولى التالية لثورة يناير 2011، كانت منطقة وسط البلد مركزًا للفنانين والمثقفين والمفكرين والمهتمين بالسياسة، كما استقطبت الشباب الجامعيين الذين يبدأون في التعرف على العالم من خلال قاعات السينما والمسارح وقاعات الفنون والمقاهي المنتشرة في كلّ مكان. ولأنّ المنطقة ومحيطها في ميدان التحرير، كانت مقرًا لاعتصام مئات الآلاف من الثوار خلال ثورة يناير، حرص النظام الحالي على تفريغها من تأثيرها بغلق المجال العام من خلال حملات واسعة للقبض على الناشطين والفنانين وترهيب المراكز الثقافية وقاعات العرض أو إغلاقها وإصدار قوانين تعجيزية تجعل استمرارها أمرًا مستحيلًا.. وهنا تأتي حركة الإحلال الطبقي كأداة أخرى للتضييق على أهالي الحي ومرتاديه وطردهم منه شيئًا فشيئًا.