البصرة.. مدينة لا نهاية لها

هل يمكن التقاط صورة لمدينة البصرة؟ صورة تضم تاريخها وجغرافيتها وتنوع بشرها وفروقها الطبقية وانحناءات شوارعها.. هل ستسمح لي المدينة؟
20 ديسمبر 2025

في كل مرة مرة أقترب من البصرة أجرب أن التقط انطباعي الأول عنها. لا أتحدث عن هذه المدينة كغريب لأنّي أسكنها دائمًا وأحبُّها مرّة ولا أفهم ما يتغير بشأنها مرارًا. هي محاولةً لاكتشاف الشكل النهائي لصورة المدينة الكاملة حين تكشف نفسها لي أو لغيري. الكاميرا تضعني في قلب المدينة، والكتابة تمنحني مسافة لأصنع مشهدًا لا يثبت على معنى واحد -هل هناك مدينة لها معنى واحد؟- 

تلك التفاصيل التي يمكن رؤيتها في جولة يومية ليست نادرة الحدوث، أنما في اللحظة التي تلتهب داخل المدينة، بعشوائية غير مقصودة، تعرض عفوية المدينة في الكشف عن نفسها.

-1-

المقاهي التي لا يمكن هجرانها، نقطة الانتقال من العام إلى الخاص، أبواب مشرّعة بلهفة تنتظر القادمين.  أنها المحطة اليومية بعد كل شيء -وربما قبل كل شيء- مرورًا بـ”صبح صبح” المكان الذي يغزو الشارع ولا يغلق أبوابه إلا في بعض المناسبات. وإلى مقهى البصرة الّذي تتوسطه صورة أم كلثوم تقابلها خارطة البصرة مع أسماء أعلامها. 

مقاهي البصرة: انفلات من واقعية الخارج المفرطة بحدتها إلى لحظة خدر باكتناف الآرائك بحثًا عن برهة من الدخان والشاي.. هي المخابئ من رتابة الأيام وديمومة صخبها.

-2-

كورنيش شط العرب.. محطة أخرى لا تكف عن استقبال كل من لا شاغل له إلا البحث عن شيء؛ قد يكون لحظة تأمل مفقودة، أو زمن ما. عنّي لم أجد شيئًا فيه، ولا دراية لي عن مآرب الآخرين إلا أنّي مثلهم أقصده بلا سبب. لا ينفك الرفاق عن دعواتهم للذهاب للكورنيش “حتّى نغير جو”. 

يغدو جو المدينة خانقًا حتى لو لم تكن هذه القراءة تخصه إلا أنها كأيّ مدينة أُخرى مزدحمة بماضٍ لم يبق منه إلا القليل وهذا الحاضر.

-3-

يقال أن التماثيل حرّاس، ربما يلعب السيّاب شاعر المدينة، دور الحراسة في بعض الأحيان. يظهر في هذه اللحظة لامعًا على غير العادة، بسبب خطأ لم يصرح أحد عنه، ارتكبته بحقه بلدية البصرة. قاموا بطلاء الرجل بدهان يخص المعادن إذ لا يفرق موظفو الصيانة اليوم بين المعدن العادي وبرونز الشعراء! انتهى الأمر حتّى بعد سخط بعض المهتمين واعتدنا إطلالته الجديدة.

-4-

حين تمضي ساعات من التجول في البصرة تحصد الكثير من الانطباعات، ويكون بعضها غرائبيًا، يدوم أكثر من اللحظة نفسها، وينفع موضوعًا لحديثٍ تستعيد في أيامك فيها، أو ذكرياتك في حال لم تغادرها. مع هذا لا يمكن اختزال روحها الكاملة في جولة، لكن تبقى تلك اللحظة التي نستعيد انطباعاتها التي تتركها فينا أو تمنحها لنا سكانًا أو زائرين. 

هي لحظات لا تخضع لتأويل بعينه؛ اندفاعة لمعانٍ كثيرة وأغلبها صحيح حتى وأن كان التحديق في سمكة غريبة أمرًا لا يحمل معنى واضح للجميع. لكنها لحظة شعرية دهشة تثبت ارتباطها بروح المكان.

-5-

سعيًا وراء لحظة تتمسك بالامتداد الطبيعي لتاريخ هذه البقعة والتنوع الّذي تضمه المدينة الجنوبية، لا بُدّ من توسعة الجولة وزيارة بعض أماكن البصرة المشهورة. إذ أن مواصلة التجوال هو ما قد يخلق تلك الصورة التي سنتحفظ بها دومًا عن المكان، أمرُ أمام “القلب الأقدس” إحدى أشهر الكنائس في المدينة. لتأتي اللحظة كأنها أم تتحمل الاختلافات بين أبناءها.. لذا لا غرابة في أن تتقاطع عباءة امرأة مع أيديّ العذراء المضمومة.

-6-

في خضم التوغل وملاحقة “لحظة” للتعرف على أسرار المدينة وطبيعة تنوعها. تأتي نظرات أحد أبناء الطائفة المندائية خلال أحد أعيادهم، هم يظهرون ترحيبًا بفضول الزائرين وجهودهم لتوثيق لحظات الأحتفال. يدنو منك بعد النظرة ليخبرك بمحاذرة لمس أشياء الحجاج لأنّك ستهدم طقوسهم بالكامل، فتحاذر وتبتعد مرتبكًا إلا أنك قد أخذت الانطباع الذي جئت لأجله.

-7- 

كغيرها من المدن تنعم البصرة بروح هشّة أحيانًا تثير الأسف، وصلبة غير مفهومة حد القسوة أحيانًا أخرى. تبزغ تلك الروح بوجهيها فجأةً دون تنبيه، لتزيد حدّة الموقف رغم عاديته. 

فما أن يقطع الطريق صبية صغار لأجل الوصول للأسواق التي يعملون فيها والنعاس ما زال يطارد عيونهم الصغيرة. حتى تطل حافلة المدرسة وتطل منها عيون يملأها السأم والملل. لكنهم يصبرون في الطريقين لأن لا شيء يمكنهم فعله حتى يغيرون حياتهم في هذه المدينة. كباقي المدن تضم البصرة بهذا التجاور الغريب بين طبقات مجتمعها.

-8-

قبل نهاية الجولة، بحثًا عن الانطباع النهائيّ الّذي أريد الاحتفاظ به بشكلٍ دائم عن المدينة حتى وأن غيره الزمن، أجد أنه سيظل الصورة الأولى الّتي يمكن من خلالها قراءة المدينة ببساطة والتوغل فيها. 

لكن، هل تبدو المدينة هكذا لكل من يقصدها، من يقترب منها حتى يحدد جزءًا من طبيعتها؟ لا يمكن لأحد أن يمنح البصرة اليوم صورتها الأخيرة إذ أنها صاحبة القرار الأخير فيما تمنح وتعطي، قد تكون لحظة مشحونة بعاطفة خفية حتى لمن لا يعرفها ولم يسكنها يومًا، وقد تكون شيء عادي كمّا تبدو لأهلها أحيانًا. وفي ضجة الأيام لا يمكن فقدان هذا الانطباع أو هذا الوهج الّذي سيظل مرتبطًا بالبصرة المدينة المطلة على الخليج ذات السماء الملوثة وحقول النفط وشط العرب في شدة ملوحة مياهه التي تقتل المحاصيل.

لكن أيضًا في أشياء أُخرى.. مثل لحظة انقضاء عزاء، وعودة المعزين محملين بمشاعرهم المتمثلة بالعادة والموروث، حين تكون أرصفة المدينة دعوة مفتوحة لمن أتعبهم المشي للاستراحة، وتكون الرفقة هي اليدّ الحانية التي تمثلها المدينة في هذه اللحظة.

-9-

كل وجه نلمحه في المدينة يمثل خطّ يمكن تتبعه لملامسة ما تخفيه، كل هذا يعدّ جزء من ثقل المدينة. يحملها أهلها كتعبٍ إضافي. لا ينكر أحد اليوم أنه تعب من مدينته، لأنها لم تكن مدينة أحلامه، أو لأسباب أخرى لست أحاول البحث عنها بقدر ما أريد الاحتفاظ بانطباع يمكنني من خلاله التعرف على وجه البصرة سواء فيها كمدينة أو في وجه أهلها كجزء من حقيقتها.

في النهاية تنتهي الرحلة بعد المشي في سوق البصرة القديمة. لحظة شعرت بها بأنّي لصّ يقترب من ضالته وأنا التقط صورةً لصورةٍ تحت ذراع رجل. تمثل توجهًا فكريًا له وخطًا يخشى الكثير الاقتراب منه.

حتى في الصور وجدت صور أُخرى تمكنني من قراءة المدينة والوقوف على فهمها، كمّا يظهر في لحظة انتظار لأن ينتهي اليوم الذي ما زال في غمرة الصباح، وصورة الإمام التي تختزل المشهد بكامله حين أريد قراءة هذه العشوائية في الكامنة في المكان والتي تعد روحه وتكوينه. للمدينة صورها الخاصة كإشارة لفهم ما تنوي قوله عن نفسها أو ما يقوله أهلها عن أنفسهم.

في النهاية في مقهى الأدباء -النقطة الأخرى الدالة في فضاء البصرة- آخر وجود لي فيه كان قبل إغلاقه للصيانة، لم أزره ثانيةً حتى هذه اللحظة وأنا أقف على انطباعي الأخير عن المدينة، الذي أعرف أنّه لن يدوم كشيء ثابت إلا أنه سيمكنني من قراءة كل صورة تقدمها المدينة والاقتراب أكثر من البصرة التي لا نهاية لها.