يواجه الأردن واحدة من أعقد المعضلات المائية في تاريخه؛ حيث يعيش حالة جفاف واستنزاف دائم لموارده الطبيعية، جعلته في سباق محموم مع الزمن لتأمين قطرة الماء. ومع تراجع حصة الفرد السنوية إلى أقل من 60 مترًا مكعبًا، وهي أقل بنسبة 88% من خط الفقر المائي العالمي، أصبح الأمن المائي قضية مصيرية لا تقبل التأجيل.
في عام 2021، أطلق الأردن مشروع «الناقل الوطني» كحل سحري لأزمة العطش المزمنة، مستهدفًا نقل نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا من خليج العقبة إلى مختلف محافظات المملكة، وهذا في الوقت الذي يصل فيه عجز الاحتياجات المائية في الأردن إلى 500 مليون متر مكعب سنويًا.
ورغم أن المشروع يُقدّم كحل تقني ضروري، إلا أن كواليسه تثير تساؤلات ملحة حول السيادة والأمن المائي، خصوصًا عند تزامنه مع اتفاقيّة «الماء مقابل الكهرباء» مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي جمّدها الأردن عام 2023 إثر الإبادة في غزة، ويحاول إعادة العمل عليها الآن برعاية إماراتية، وفق الإعلام العبري.
مفاجأة.. إسرائيل في كل مكان
ومن المفترض أن الحكومة قد انتهت من تأمين 2.7 مليار دولار من تكلفة المشروع الإجمالية، عبر منح خارجية وصلت إلى 470 مليون دولار، مقدمة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وهولندا واليابان، بالإضافة إلى قروض من جهات تمويلية، ودعم حكومي على مدار 5 سنوات بواقع 70 مليون دولار سنويًا.
وأوضحت وزارة المياه والري أن العمل على المشروع يسير وفق الجدول الزمني المقرر، إذ تم توقيع عقد مبدئي في 12 كانون الثاني 2025 مع ائتلاف شركتي «Meridiam» و«Suez» العالميتين، تمهيدًا لبدء الأعمال الإنشائية في مطلع 2026. ومن المخطط أن يبدأ المشروع في ضخ المياه عام 2030 لتغطية 40% من احتياجات الشرب، مع إنشاء محطات ضخ وخزانات رئيسية في عمّان.
رغم تأكيدات وزير المياه والري أن المشروع وطني بامتياز إلا أن للشركات المسؤولة عنه رحلة طويلة لا تتوقف فقط عند إسرائيل، بل إن إحداها قد استحوذت عليها شركة تشارك في تسليح الجيش الإسرائيلي وتدعم الإبادة في غزة.
تأسست شركة ميريديام عام 2005 وهي شركة استثمار خاصة مقرها باريس تعمل في تطوير وتمويل وإدارة مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل، وهي ليست شركة مدرجة في البورصة، و80% منها مملوك للمؤسس «تييري دو» وفريق الإدارة والموظفين، و20% لشركة سامسونغ لايف إنشورانس (Samsung Life Insurance)، التي أصبحت مستثمرًا استراتيجيًا في الشركة بعد زيادة رأس المال في أبريل 2023.
ومن أبرز مشاريع ميريديام، مشروع «الموصل البحري الكبير» (Great Sea Interconnector) المعلن عنه في يونيو 2024، مع مشغل نظام نقل الكهرباء المستقل في اليونان (IPTO)، بهدف ربط شبكات الكهرباء بين إسرائيل وقبرص واليونان عبر كابل بحري. فيما تسعى الشركة من خلال هذا التعاون إلى الدخول في رأس مال هذا المشروع، مما يشير إلى شراكة استراتيجية مع إسرائيل في مجال البنية التحتية للطاقة.
أمّا شركة سويز فهي شركة فرنسية تعمل في مجالات إدارة المياه والنفايات منذ ما يزيد عن 160 عامًا، ويتوزع هيكل ملكيتها بين ثلاثة مساهمين: 40٪ لشركة ميريديام، و40% لشركة «الشراكات العالمية للبنية التحتية» (Global Infrastructure Partners – GIP)، و20% لمجموعة «كايس دي ديبو» (Caisse des Dépôts – CDC).
وتمتد أعمال «سويز» في 40 دولة، وتعمل في استثمارات نشطة في مجالات المياه وإعادة التدوير في فرنسا، بالإضافة إلى إدارة أصول دولية في إيطاليا ووسط أوروبا وأفريقيا، بما في ذلك المغرب، وآسيا الوسطى والهند والصين وأستراليا.
وعند التدقيق في ( GIP) Global Infrastructure Partners)، التي تتقاسم مع ميريديام 80٪ من أسهم سويز، تنكشف المزيد من الصلات مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي وصلت حد المشاركة في جرائم الحرب.
يمتلك صندوق «بلاك روك»، أكبر مدير أصول في العالم، شركة (Global Infrastructure Partners – GIP) بالكامل منذ 2024. ويعمل ذلك الأخير في إسرائيل منذ عام 2016؛ إذ يقدّم مجموعة من الحلول الاستثمارية للمؤسسات والمهنيين الماليين والأفراد، ويوفر صناديق ومنتجات مالية متنوعة مصممة خصيصًا للسوق الإسرائيلي وتشجّع على الاستثمار هناك.
كذلك، يدير بلاك روك صندوق (iShares MSCI Israel ETF) ، الذي يهدف إلى تتبع نتائج الاستثمار لمؤشر واسع النطاق يتألف من الأسهم الإسرائيلية، ويوفر هذا الصندوق للمستثمرين فرصًا في مجموعة واسعة من الشركات في إسرائيل، وكذلك للاستثمار في الاقتصاد الإسرائيلي ككل من خلال بورصة نيويورك. كما أنه يمتلك حصصًا كبيرة في شركات الدفاع الأمريكية الكبرى، مثل شركة لوكهيد مارتن، التي كانت موردًا رئيسيًا للمعدات العسكرية لإسرائيل.
ومن أبرز مشاريع ميريديام، مشروع «الموصل البحري الكبير» (Great Sea Interconnector) المعلن عنه في يونيو 2024، مع مشغل نظام نقل الكهرباء المستقل في اليونان (IPTO)، بهدف ربط شبكات الكهرباء بين إسرائيل وقبرص واليونان عبر كابل بحري.
وفي يوليو 2024، كانت سمعة الشركة كشريك أساسي في جرائم الحرب، قد دفعت خبراء الأمم المتحدة إلى مطالبتها بوقف نقل الأسلحة إلى إسرائيل بسبب مخاوف من انتهاكات محتملة للقانون الدولي والتواطؤ في جرائم حرب، وحذّروا أيضًا من أن مديري الأصول، مثل بلاك روك وبنوك وول ستريت، ربما يستفيدون من الحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على غزة.
وقال بيان خبراء الأمم المتحدة إن «الفشل في منع أو تخفيف علاقاتهم التجارية مع مصنعي الأسلحة الذين ينقلون الأسلحة إلى إسرائيل قد يتحول من الارتباط المباشر بانتهاكات حقوق الإنسان إلى المساهمة فيها، مع ما يترتب على ذلك من عواقب التواطؤ في جرائم فظيعة مُحتملة». ونظّم ناشطون في مدينة نيويورك احتجاجات خارج المقر الرئيسي لشركة بلاك روك في نوفمبر 2023، متهمين الشركة بالاستفادة من جرائم إسرائيل.
وعام 2021 أعلنت الشركة في بيانٍ لها إنها تملك حصة 3% تقدر قيمتها بنحو 308 مليون دولار في بنك هبوعليم المحدود، وذلك في إفصاح قدمته إلى بورصة تل أبيب. ويعد الأخير أكبر بنوك إسرائيل، واعتاد تسهيل توسّع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية من خلال تقديم قروض منتظمة لمشاريع بناء المستوطنات.
كذلك، قاد البنك ائتلافًا من المؤسسات المالية لتمويل توسيع قطار القدس، وهو الذي يمر عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة ويربط المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في القدس الشرقية المحتلة بالجزء الغربي من المدينة. كما موّل خطوط حافلات «سوبر باص» العامة التي تخدم المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وموّل أيضًا إنشاء مزرعة رياح تابعة لشركة «إنلايت» للطاقة المتجددة، والتي تخدم خمس مستوطنات على الأقل. ويُقدّم خدمات مالية لعدّة مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومرتفعات الجولان.
إلى ذلك، استحوذت بلاك روك عام 2023، على شركة كريوس كابيتال البريطانية الإسرائيلية، وهي شركة تقدم القروض للشركات الناشئة الإسرائيلية والأوروبية، مقابل مبلغ لم يتم الكشف عنه، ونحو 25% من عمليات كريوس تقع في إسرائيل.
بالعودة إلى سويز،المساهم الأخير فيها، شركة (Caisse des Dépôts)، وهي صندوق استثمارات حكومي ولها أعمال بنية تحتية في إسرائيل من خلال شركة إيجيس (Egis)، والتي تمتلك فيها حصة 34% وتعد واحدة من الشركات المساهمة في تخطيط وتنفيذ مشروع القطار في القدس المحتلة.
ورفضت (Caisse des Dépôts) سحب أعمالها من إسرائيل وصرّحت عن كونها لا تشارك في أي حملات مقاطعة ضد إسرائيل، ولم تنخرط في أي نشاط من شأنه معاقبة أو تقييد العلاقات التجارية مع إسرائيل، كما أنها لا تعتزم القيام بذلك في المستقبل.
تاريخ استعماري طويل
ساهم وضع البلاد المائي بتفتيح عيون المُستعمرين عليها باختلاف بيئاتهم وطبيعتهم، فأصبحت مطمعًا للجميع وعلى رأسهم الاحتلال الإسرائيليّ الذي ينهب مياه الأردن كما نهب مياه فلسطين، ويعيد بيعها للأردن، ويهدد بقطعها عنه في أية لحظة.
وتعد اتفاقيات المياه بين الأردن وإسرائيل جزءًا أساسيًا من معاهدة السلام الموقعة عام 1994، والتي هدفت إلى تسوية النزاعات المائية بين الجانبين، وتضمّنت تخصيصات محددة لمياه نهري اليرموك والأردن، بالإضافة إلى التعاون في مشاريع مستقبلية لتلبية احتياجات المياه المتزايدة.
ووفقًا للملحق الثاني من المعاهدة، يُسمح لإسرائيل بضخ 12 مليون متر مكعب من مياه نهر اليرموك خلال فترة الصيف (15 مايو إلى 15 أكتوبر)، و13 مليون متر مكعب خلال فترة الشتاء (16 أكتوبر إلى 14 مايو). بالمقابل، يحق للأردن الحصول على الكميات المتبقية من تدفق النهر، مع إمكانية تخزين المياه الفائضة خلال فصل الشتاء. كما تلتزم إسرائيل بتزويد الأردن بـ20 مليون متر مكعب من مياه نهر الأردن خلال الصيف، بالإضافة إلى 10 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة من الينابيع المالحة. ورغم ذلك واجهت الأردن دائمًا تحديات في الحصول على حصتها المائية المتفق عليها.
من جانبٍ آخر، كان من المفترض أن يزوّد نهر الأردن البحر الميت بحوالي 1.3 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، إلا أن هذه الكمية انخفضت إلى أقل من 100 مليون متر مكعب سنويًا بسبب مشاريع السدود والتحويلات المائية التي نفذتها إسرائيل وسوريا والأردن على مدى العقود الماضية، وأدّت هذه التحويلات إلى تقليل تدفق النهر بنسبة 98%، فضلًا عن زيادة تركيز الملوثات في الجزء السفلي منه.
ووفقًا لاتفاقية السلام، أعادت إسرائيل السيادة على وادي عربة إلى الأردن، ومع ذلك، استمرت في ضخ كميات من المياه الجوفية من آبار تقع على الجانب الأردني من الوادي. وتستخرج أكثر من 12 مليون متر مكعب سنويًا من 14 بئرًا محفورة في الأراضي الأردنية في وادي عربة
وتواصل إسرائيل التحكم بمصادر المياه في المنطقة، مما يحد من قدرة الأردن على الاستفادة الكاملة من موارده المائية. على سبيل المثال، إذ تستمر في ضخ كميات كبيرة من المياه من نهر الأردن إلى داخل أراضيها، مما يقلل من كمية المياه المتاحة للأردن.
وفي عام 2021، اتهمت تقارير إسرائيل باستخدام المياه كورقة ضغط على الأردن؛ إذ قامت بتأخير أو تقليص كميات المياه المتفق عليها بهدف التأثير على المواقف السياسية الأردنية، خاصة فيما يتعلق بخطط الضم الإسرائيلية.
ووفقًا لاتفاقية السلام، أعادت إسرائيل السيادة على وادي عربة إلى الأردن، ومع ذلك، استمرت في ضخ كميات من المياه الجوفية من آبار تقع على الجانب الأردني من الوادي. وتستخرج أكثر من 12 مليون متر مكعب سنويًا من 14 بئرًا محفورة في الأراضي الأردنية في وادي عربة، وذلك بموجب ترتيبات تم الاتفاق عليها ضمن الاتفاقية، لكنها في النهاية أضعفت قدرة الأردن على الاستفادة الكاملة من موارده المائية الجوفية في تلك المنطقة، وأثار المزيد من التساؤلات حول التوازن في تقاسم الموارد المائية بين الطرفين.
وفي ضوء التاريخ الاستعماريّ هذا، تدّخلت الإمارات عام 2021 لترعى توقيع الأردن وإسرائيل اتفاقية «الكهرباء مقابل الماء»، بحضور المبعوث الأميركي للمناخ آنذاك، جون كيري، ووُصفت بأنها «أكبر صفقة تعاون إقليمي» في مجالي المياه والطاقة؛ لتزيد بذَلك من هيمنة القوى الاستعماريّة على الموارد المائيّة القليلة المتبقيّة للبلاد وتربط مصيرها بالكامل بيد الاحتلال، وبمعاونة الإمارات.
جاء الاتفاق على شكل إعلان نوايا، وضم محورين رئيسيين؛ برنامج «الازدهار الأخضر» الذي يشمل إنشاء محطات طاقة شمسية بقدرة 600 ميغاواط في الأردن بواسطة شركة «مصدر» الإماراتية، بهدف تصدير كامل إنتاجها إلى إسرائيل. وبرنامج «الازدهار الأزرق»، الذي يتضمن تطوير مشاريع لتحلية المياه في إسرائيل لتزويد الأردن بنحو 200 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المُحلاة.
وبدأت التحضيرات للمشروع بدراسات جدوى اعتبارًا من 2022، وجرى الاتفاق على أن تقام محطة تحلية المياه الإسرائيلية قرب سواحل البحر الأبيض المتوسط. ويأتي ذلك في سياق احتياجات إسرائيل المتزايدة للطاقة النظيفة دون توفر مساحات كافية، مقابل حاجة الأردن الملحة للمياه وسط أزمة مائية متفاقمة، وقد توسط جون كيري في المفاوضات بين الأطراف للوصول إلى الصيغة النهائية، وكأن هذه الوساطة تضمن للأردن عدم نكث إسرائيل لوعودها معه.
مع ذلك، أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي عام 2023 أن بلاده لن توقع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل في ظل الحرب على قطاع غزة، وأنَّ «عمان لن تتردد في اتخاذ كل ما يساعد الشعب الفلسطيني». وهو ما أثار تساؤلات حول إن كان يعني الإلغاء التام للاتفاق، أم أنه مجرد تجميد له.
ردَّ على هذا رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نيفتالي بينيت على صفحته بمنصة أكس، «روجت الحكومة التي قدتها (13 يونيو 2021 – 1 يوليو 2022) هذا الاتفاق (الطاقة مقابل المياه)، وأستطيع أن أقول بأوضح صورة: لدى إسرائيل مصادر طاقة كافية لتوليد الكهرباء؛ الأردن لا يملك ما يكفي من المياه لشعبه». مُتابعًا «…لقد فعلنا ذلك لمساعدة جيراننا المتعطشين للمياه.. إذا كان قادة الأردن يريدون أن يعطش شعب الأردن، فهذا حقهم».
على الفور عادت إسرائيل إلى دبلوماسية التهديد المعتادة، ولم تردعها أي من وعود المبعوث الأمريكي، وبدأت حكومة نتنياهو استغلال حاجة الأردن المائية لتفرض واقعًا سياسيًا عنوانه الابتزاز والضغط، وقد نقلت قنوات دبلوماسية أوروبية أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أبلغ الوسطاء بأن الحكومة لا تنوي ضخ كمية المياه المتفق عليها للموسم الجديد متذرعة بمشكلات فنية تتعلق بالتحلية والكلفة، في حين يدرك الجانب الأردني أن خلفية القرار سياسية بالدرجة الأولى.
خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
أبعد من الاستعمار
بخلاف النهب التاريخي للموارد المائية للأردن، تبقى العديد من الأزمات لا يمكن لوم البلاد عليها، وهي التي تواجه تعقيدات أخرى في تقاسم المياه مع سوريا، كما تشهد واحدة من أشد الأزمات المائية في تاريخها؛ إذ بلغت نسبة فاقد المياه 46.9% خلال عام 2023، فيما وصل حجم التزويد إلى 543.5 مليون متر مكعب فقط (إجمالي احتياجات الأردن المائية تبلغ 2 مليار و200 مليون متر مكعب)، بحسب التقرير السنوي لسير العمل في البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي. وذلك في ظلّ انحباس مطري يُعد من بين الأكثر حدة منذ أكثر من قرن؛ إذ تراجع مخزون السدود إلى 97 مليون متر مكعب بنسبة لا تتجاوز 32% من القدرة التخزينية، ما زاد من تعقيد خطورة الوضع المائي، خاصة مع اعتماد الأردن بدرجة كبيرة على مياه الأمطار.
وتُظهر تقارير علمية مثل التقرير الصادر عن «سمارت ووتر ماجازين» بعنوان «إعادة صياغة دور المياه من أجل شرق أوسط أكثر قدرة على التكيّف مع المناخ»، إلى أهمية إعطاء أولوية لإدارة المياه في الشرق الأوسط، وسط فقدان أكثر من 40% من المياه المنقولة في المناطق الحضرية بالأردن ولبنان.
وحذّر تقرير نشره موقع «The National News» عام 2021 تحت عنوان «موجات الجّفاف في الشّرق الأوسط موجودة لتبقى.. فكيف نديرها؟»، من أن المملكة حاضرة بين أشد الدول المعرّضة لخطر الجفاف، وهو ما يعني حاجتها لاستراتيجيات وتقنيات جديدة للتعامل مع ندرة المياه.
من جانبه يرى رئيس الجمعيّة الأردنية لحماية البيئة أحمد الروسان أن مشكلة المياه في الأردن دائمة وليست مؤقته، وذلك نتيجة للظروف المناخية وعدد السكان واللجوء وتغيير أنماط الحياة، إذ أنها جميعًا تستهلك المياه.
فيما يقول الخبير المائي دريد محاسنة إن الأردن لا يملك مياهًا ذاتيّة إلا مياه الأمطار، وفي المواسم المميزة نحصل على ما يزيد عن 5 مليون متر مكعب، وفي المواسم الفقيرة تكون 3 مليون متر مكعب مثل هذه السنة. مضيفًا «سواء كان ذلك في الموسم الفقير أو الغني فالمياه تتبخر بعد يومين من المطر، نحن نخسر 90% من مياهنا نتيجة التبخر».
ويتابع أن كل الدول التي تتشابه مع الأردن في المناخ تعاني من مشكلة المياه على عكس أوروبا -مثلًا- التي تمطر فيها بدرجة حرارة منخفضة ولا وجود لأشعة الشمس المساهمة بتبخّر الماء؛ إذ تقوم الشمس بتبخير كل المياه في الطبقة الفوقيّة من التربة، إلا أن بعضها يتسرّب إلى جوف الأرض وتنساب عبر الوديان، مستدركًا «بتنا نستخدم الوديان للبناء، لذا قضينا على إمكانيّة تخزين المياه فيها».
ويلفت محاسنة إلى مشكلة المياه المُشتركة؛ إذ يشترك الأردن مع سوريا في حوض اليرموك، ومع فلسطين ولبنان وسوريا في حوض الأردن، إلا أن كمية المياه التي تصل منه قليلة جدًا؛ لأن إسرائيل استولت على معظمه واستولت على المياه التي تتجه من الجولان إلى حوض الأردن، وعلى بحيرة طبريا كاملةً.
ويشرح المشكلة مع سوريا بـأنه من المفترض أن يزوّد حوض اليرموك الأردن بـ40% من المياه، وكان هناك حوارات مع الجانب السوري حول الموضوع، وعام 1989 وقّع البلدان اتفاقية تحدد حصة السوريين والأردنيين؛ إذ كانت الاتفاقيّة تتحدث عن بناء 27 سدًا للسوريين وعددٍ محدودٍ من الآبار يمكن لهم أن يحفروها.
ويوضح المحاسنة أن عدد السدود السورية تجاوز 45 سدًا، وكان من المفترض بناء سد بين الأردن وسوريا باسم سد الوحدة بسعة تخزين 300 مليون متر مكعب؛ لكن وبسبب انخفاض كميات المياه بنى الأردن سدًا يتسع لـ110 ملايين فقط، منوهًا «منذ عدة سنوات لا يصل إلى 30 مليون في كل سنة، وهي كمية قليلة جدًا. 400 مليون حصتنا من سوريا لا نأخذ منها إلا 20%».
ويرى رئيس الجمعية الأردنية لحماية البيئة أحمد الروسان أن الأردن لم يستفد من فيضانات المياه قبل اتفاقيّة السلام، لكنه يستفيد الآن، بينما يقول الخبير المائي دريد محاسنة إنَّ الأردن لم يتفاوض مع إسرائيل بالاتفاقيّة كجانب عربي يضم سوريا والأردن وفلسطين، والجانب الفلسطيني أراد أن يأخذ حقوقه لوحده، موضحًا «لذا لم نتمكن من الحديث عن حق شامل، أخذنا ما ندّعي أنه حقنا الأردني لكنه في مياه نهر الأردن قليل جدًا».
وشهدت البلاد خلال الموسم الشتوي 2024–2025 انحباسًا مطريًا يُعد من بين الأكثر حدة منذ أكثر من قرن، مما أثر سلبًا على مخزون السدود، كما أدى التغير المناخي إلى انخفاض كبير في مخزون المياه الجوفية في البلاد، مع تراجع كميات الأمطار السنوية بنسبة تتراوح بين 15% – 35%، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على مياه الأمطار لتلبية احتياجات الشرب والزراعة.
هذا التراجع في الهطول المطري ليس جديدًا، بل يأتي ضمن نمط مستمر من التغيرات المناخية التي تؤثر سلبًا على المنطقة، وتجعل من أزمة المياه في الأردن تحديًا سنويًا متكررًا. وقد أثر ذلك على تغذية السدود، التي تُعد مخزونًا استراتيجيًا لمياه الأمطار، إذ تراجع مخزون السدود إلى 97 مليون متر مكعب بنسبة تخزين كُليّة بلغت %32 من الطاقة الاستيعابية للسدود هذا العام.
ماذا عن الحلول؟
نفذّت وتنفّذ الحكومة الأردنيّة العديد من الحلول المُقترحة لمواجهةِ أزمة المياه في البلاد؛ إذ صرّح وزير الزراعة خالد الحنيفات، أن قطاع الزراعة هو أحد أهم المدخلات الأساسية للاقتصاد، وله دور حيوي في معادلة المياه كونه يستحوذ على 70% من عمليات سحب المياه في العالم، مما يعني أن هناك مياهًا أقل للإنتاج الزراعي، وبالتالي قدرًا أقل من إنتاج الأغذية وهذا يعد «التهديد الأكبر للأمن الغذائي».
وأضاف أنَّ الأردن نجح في تسخير الابتكار التكنولوجي والتمويل من القطاع الخاص لإعادة تدوير المياه العادمة ضمن مواصفات عالية آمنة للزراعة؛ لتسهم هذه التكنولوجيا في زيادة المصادر المائية غير التقليدية لهذا القطاع؛ إذ يستخدم حوالي 170 مليون متر مكعب من المياه المعالجة وتشكل 30% من مياه الري المتاحة في الأردن للزراعات المقيدة.
كما أطلقت الحكومة حملات مشتركة مع القطاع الخاص لحث المواطنين على ترشيد استهلاك المياه، والتوجه نحو استخدام الوسائل والأجهزة الموفرة لها وإدارة المياه المنزلية والحفاظ على نوعيتها وكميّتها، إضافة إلى التشجيع على استخدام المياه الرمادية (مياه الصرف الصحي المعالَجة).
من وجهة نظر الروسان لا يمكن حل مشكلة المياه دون اللجوء إلى تحليتها من العقبة، ولا بد من عمل سياسات واستراتيجيات من أجل ذلك، إضافةً إلى تحسين كفاءة الريّ، والاعتماد على المحاصيل التي لا تحتاج كميّات كبيرة من الماء، وتوسيع الأراضي البعليّة التي تعتمد على المطر.
وينوّهُ الروسان أنَّ حاجة البلاد من المياه تبلع مليار و200 مليون متر مكعب سنويًا والعجز السنويّ في الماء 500 مليون متر مكعب، فيما سيوفر الناقل الوطني 300 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلاة.
ويوضح أن الاعتماد على المياه غير التقليديّة مثل المياه الرماديّة الناتجة من الصرف الصحيّ هو أحد الحلول، والتعاون الإقليمي وعقد اتفاقيات مع الدول المحيطة في الأردن؛ إذ أنَّ كثيرًا من المياه الجوفيّة مُشتركة مع دول الجوار.
ويلفت الروسان إلى ضرورة تخفيض الفاقد من شبكات المياه ورفع الكفاءة وتحسين التزويد المائي، والبحث عن حلول من الدول المجاورة؛ بسبب الضغط الكبير على المياه، كما من المهم ربط أزمة المياه بالتغيّر المناخي للاستفادة من التمويل الموجّه لآثار التغيرات المناخيّة.
وينوّهُ الروسان أنَّ حاجة البلاد من المياه تبلع مليار و200 مليون متر مكعب سنويًا والعجز السنويّ في الماء 500 مليون متر مكعب، فيما سيوفر الناقل الوطني 300 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلاة.
ومع تأكيده على ضرورة الاتجاه إلى تحلية المياه، إلا أنه يشير إلى أن «الناقل الوطنيّ» لن يحلَّ المشكلة الأردنيّة بحسب تقديره، خصوصًا مع انقطاع المفاوضات الممتصلة بالماء مع سوريا، قائلًا «مشكلتنا مع سوريا كذلك، حقوقنا في نهر الأردن قليلة».
في حين يشير محاسنة لضرورة الاتجاه إلى التحلية، قائلًا «ليس لدينا إلا مشروع الناقل الوطني، وحتى لو تم تنفيذه فهو لن يحل المشكلة الأردنيّة». متحدّثًا عن ضرورة إعادة العلاقات المائيّة مع سوريا وأخذ الأردن لحقوقه، ووقف سرقات المياه والهدر في مياه الزراعة، والبحث عن المياه في باطن الأرض وفتح المجال للقطاع الخاص يحلي ويحفر آبار.
ويقول مصدر من وزارة المياه والري، طلب من خط 30 عدم الكشف عن اسمه، أن هناك في وزارة المياه طابق كامل لمكاتب المنظمات التي لديها مشاريع عن السدود، ومعظمهم يعملون على المياه الجوفية وأماكن توفرها ويقيسون إمكانية جفاف هذه المياه ويجرون إحصائيات كل فترة ويأخذون ملاحظات في كل مرة من المناطق الموجودة في الأردن، وحسب أقوال المواطنين الذين يلتقونهم خلال الجولات الميدانيّة وهم أصحاب اختصاص، أنَّ عدد البقع التي تحتوي مياه جوفية قادرة على حلّ مشكلة المياه في الأردن.
ويضيف أنَّ هناك منازل وأحياء خارج عمان تصلها المياه مرة واحدة شهريًا، وهناك مناطق معينة في المحافظات وعمان، إذا كان المنزل موجودًا في منطقة بلا إمدادات جيدة فلا تصل المياه إليه إلا بصعوبة، وكذلك من يسكنون بمنطقة منخفضة، يضطر الأهالي لتركيب خزّان أرضي على حسابهم الشخصي؛ ليصل ضخ المياه مباشرة للخزان.وهناك بعض الشكاوى وصلت حتى مع تركيب الخزان لم تصل المياه.
في المحصلة، يجد الأردن نفسه عالقًا في مفارقات معقدة، فبينما يطارد حلم «الناقل الوطني» كخطوة ضرورية نحو التعجيل بالخروج من مأزق الفقر المائي، فإنه يواجه حقيقة أن الحل التقني هذا يمر عبر شركات لا تنفصل مصالحها الاستراتيجية عن أطماع الاحتلال الإسرائيلي. ذلك الأخير لم يستخدم فقط الاتفاقيات المائية كورقة ضغط سياسية، لكنه كان الناهب التاريخي الأول لموارد الأردن المائية، لتبقى قضية الأمن المائي ليس مجرد أنابيب قضية أسمنتية تخترق الصحراء من العقبة إلى عمّان، بل معضلة ترفض الارتهان لمن يمولون آلة الحرب أو يستثمرون في المستوطنات.














