في غرفة التمريض بأحد مستشفيات القاهرة، جلستُ وأنا طفلة في الثامنة من عمري وسط مجموعة من الممرضات، أبكي. تطمئنني إحداهن: “الأمور بخير، لم يحدث شيء”. تحاول أخرى التحدّث معي، تعطيني قطعة حلوى، وتبتسم في وجهي، لكنني كنت أعلم جيدًا أن شيئًا ما قد حدث بالفعل.
كنت هناك، أجلس على السرير المجاور لسرير والدي المريض بالسرطان. يده تمسك بيدي، تودّ لو تبقى ممسكًة بها، لكنها تتركها كي لا تفسد عليَّ متعة مشاهدة التلفزيون. ألتفتُ إليه فأراه يُغمض عينيه، أُدير وجهي بسرعة وأعود لمتابعة الحلقة العاشرة من مسلسل يوميات ونيس.
بعدها بدقائق قليلة، تنقلب الغرفة رأسًا على عقب. صوت أمي يعلو بالبكاء، تتحرك يمينًا ويسارًا، تبحث بعينيها وصوتها عمّن يخبرها بما يحدث لأبي. تندفع الممرضات إلى الغرفة، يتبعهن الطبيب المناوب. تمسك بي إحداهن وتسحبني خارج الغرفة؛ فالأطفال ينبغي ألا يروا الموت.
خرجتُ من المستشفى في ذلك اليوم، لكنها لم تخرج مني. لسنوات طويلة، ظلت الذاكرة تعيدني إلى المكان نفسه. الغرفة التي سكنّاها: جدرانها البيضاء، السريران المتقابلان، الأريكة المتوسطة التي تتسع بالكاد لأكثر من جالس، تلفزيون معلق في الأعلى، وبلكونة صغيرة يتسلل منها ضوء باهت.
لأكثر من شهر ونصف، صارت هذه الغرفة بيتًا لي. في النهار، كنت أتجول في ممرات المستشفى بهدوء طفلة تكتشف مكانًا لا يشبه أي مكان عرفته من قبل. أتوقف أمام الأبواب المغلقة، أرى وجوهًا تمر ثم تختفي. أقضي ساعات من الونس والألفة مع ممرضات أحببتهن وأحببنَني، ثم أعود إلى غرفتي، تلك التي كانت أمي تغلق بابها بإحكام علينا في الليل: أنا وهي وأبي.
المستشفيات بيئات علاجية مُنظمة بالأساس، لكنها بالنسبة للكثيرين تتحول إلى مساحة لسكنٍ قد يطول، يعتادون فيها تفاصيل الحياة اليومية، رغم قسوتها، داخل غرف ينقضي فيها الوقت ببطء. المرضى ليسوا وحدهم المقيمين هناك، بل مرافقيهم أيضًا، الذين يعيشون بين سرير، وباب، وأصوات أجهزة لا تتوقف.
يشارك المرافقون في رعاية مرضاهم، من إطعام ومتابعة أدوية ومساعدتهم في الحركة طوال فترات العلاج، وغالبًا ما يكونون أحد أفراد الأسرة، أو قريبًا، أو صديقًا.
عادة.. معرضون للإساءة
على بعد خطوات قليلة من منزلي، اعتدتُ رؤية عشرات الأشخاص يفترشون الأرض صباحًا ومساءً وحتى في منتصف اليوم، عند مدخل أحد المستشفيات، حيث يتواجد أحباؤهم. يتكرّر المشهد أمام العديد من المستشفيات الحكومية في مصر، إذ يتحول الشارع خلال فترات العلاج الطويلة إلى منزل مؤقت لهم.
“من حق المريض أن يتواجد معه شخص من نفس جنسه عند الحاجة”، هكذا تنص لوائح المستشفيات. وعلى هذا الشخص دفع رسوم تصل إلى 150 جنيهًا في حالة المبيت على كرسي بدون وجبات في المستشفيات العامة، و300 جنيه شاملة الطعام. أما إذا كان المريض طفلًا أقل من 12 عامًا، فيُسمح له بمرافق مجانًا على نفس السرير. بالطبع، تختلف الرسوم وطريقة تنظيم المبيت في المستشفيات الاستثمارية من منشأة لأخرى وفقًا للوائح الداخلية.
على مدار شهر كامل، ظلت فاتن، 41 عامًا، تمضي الليل على الأرض ملاصقة لسرير ابنة خالتها بعد إجرائها لعملية جراحية في مستشفى الولادة بالقصر العيني. لم تكن أزمة فاتن الكبرى في طريقة نومها المؤلمة ولا المصاريف الإضافية التي تدفعها إن أرادت إدخال بطانية للتدفئة، بل في معاملة الممرضات وموظفي الأمن التي وصفتها بـ”السيئة”، مع المريضات والمرافقين.
تتذكر فاتن بكاء ابن خالتها لمّا شعر بالإهانة جراء تلك المعاملة، لكنه أثار الصمت، خوفًا على شقيقته التي كانت حالتها بين الموت والحياة.
في مستشفى أسوان الجامعي، واجهت أسماء، صحفية، تجربة مشابهة أثناء مرافقتها لوالدتها في قسم الجراحة، حين أصرّ أمن المستشفى على إخراجها من المستشفى بطريقة سيئة جدًا، وهي تنتظر خروج أمها من غرفة العمليات، رغم أنها المرافقة الوحيدة لها، وفي حالة نفسية صعبة.
كانت أسماء وأخرون غيرها من المرافقين يُجبرون على الجلوس على سلم المستشفى لساعات، أثناء مرور الأطباء على المرضى، مرتين إلى ثلاث مرات يوميًا.
الآثار الجانبية للمرافقة
تعكس تجربة أسماء، الجدل حول جدوى وجود المرافقين، بين ما يرون وجودهم ضروريًا إلى جانب المرضى طوال الوقت، وبين من يعتقدون أنه في اللحظات الطارئة، من الأفضل لكل من الكوادر الطبية والمرضى ألا يكون المرافقون متواجدين.
في واحدة من البرامج التلفزيونية، وصف وزير الصحة المصري، الدكتور خالد عبد الغفار، التواجد الكثيف للمرافقين بأنه “عادة غير جيدة” وحذّر منه لأنه يسبب مشكلات مع الفريق الطبي، تصل أحيانًا لمحاولات الاعتداء عليهم من قبل المتواجدين مع المرضى.
تتعرض هدى، ممرضة بقسم الرعاية المركزة في أحد المستشفيات الحكومية بمدينة الزقازيق، خلال عملها إلى سوء معاملة من بعض المرافقين، خاصة أولئك الذين يقلّلون من أهمية دورها كممرضة، وهو ما ينعكس سلبًا على حالتها النفسية.
لاتنكر هدى أن وجود مرافقين إلى جانب المرضى يمنحهم دعمًا نفسيًا ودافعًا كبيرًا للتحسّن، لكنها ترى أن وجودهم داخل قسم دقيق، كالذي تعمل به، يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء ويعقّد الأمور، خاصة عندما يتجاوز بعض المرافقين حدودهم، والتدخل في تفاصيل عملها.
عبء الرعاية
داخل غرفة صغيرة تشاركها والدتُها مع حالتين أخرتين بصحبتهما مرافقتان، قضت أسماء أسبوعًا كاملًا جالسة عند قدم والدتها على طرف السرير، وإذا غلبها النعاس كانت تضع رأسها على الحائط لتنام، فلا مكان على الأرض حتى لو أرادت.
هناك سرير ونصف تقريبًا لخدمة كل ألف شخص في مستشفيات مصر، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية لضمان تقديم رعاية صحية أساسية للمرضى. في ظل هذا الضغط، تتزاحم الغرف بالمرضى، وغالبًا ما لا يجد المرافقون حتى مكانًا لوضع قدم بجانب أحبائهم.
كانت لأمي معاناة من نوع آخر أثناء مرافقتها لوالدي، تختلف في جوهرها عما يواجهه معظم المرافقين، لكنها لم تكن أقل ثقلًا في تأثيرها النفسي. فرغم حسن معاملة طاقم المستشفى، إلا أن أمي دائمًا ما كانت تشعر أن المستشفى مكان غير آمن. كانت تظن أن الغرف تحمل بداخلها ذكريات وآلام من مروا بها قبلنا، وهو ما كان يثير خوفها كل ليلة، حتى صار النوم أمرًا صعبًا بالنسبة لها.
كل مساء، كنت أراها تجر كرسيًا، تضعه خلف الباب لتسد به مدخل الغرفة، ثم تجلس عليه مستندة بيدها على رأسها، محاولة النوم جالسة. ومع أن الغرفة كان بها سرير آخر، لم يكن يتسع سوى لشخص واحد، إلا أنها كانت تتركه لي وتحاول أن تغمض عينيها عندما ينحسر عنها خوفها لدقائق معدودة.
تُعرف التحديات التي يواجهها المرافقون باسم “عبء الرعاية“، وهو مصطلح صاغه الباحثون للإشارة إلى المشكلات الجسدية والنفسية والعاطفية التي تواجه أفراد الأسرة أثناء تقديمهم الرعاية لمرضاهم. هذا العبء يؤثر سلبًا على صحة المرافقين أنفسهم، خاصةً عندما يقدمون رعاية لكبار السن أو المصابين بأمراض مزمنة أو حالات تهدّد الحياة.
يُطلق على هؤلاء المرافقين أحيانًا لقب “المرضى الخفيين”، لأنهم رغم أنهم لا يظهرون كمرضى في الظاهر، إلا أنهم يعيشون تحت ضغط مستمر يؤدي إلى ظهور أعراض صحية قد تكون واضحة أو خفية، وتؤثر على حياتهم اليومية.
واجهت منى، 36 عامًا، عبئًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا خلال مرافقتها لوالدتها لمدة 4 أشهر في مستشفى الهلال بمحافظة القاهرة، فبالإضافة إلى قلقها الدائم على حالة والدتها الحرجة، فقد كان عليها مسؤوليات عدة: متابعة الأدوية والتأكد من تناولها في موعدها المحدد، وكذلك نوبات الكحة، ومقدار التئام الجروح، وقياس الضغط والسكر، إلى جانب طعامها وشرابها. تعترف منى أن التمريض يقع عليه عبء كبير، لكن العبء الأكبر يتحمله المرافق. “التمريض بيخلصوا ورديتهم ويروحوا، لكن أنا ورديتي كانت 24 ساعة لمدة 4 شهور”، تقول منى.
رابطة المرافقة
رغم صعوبات الأيام، وجدت منى نفسها في المستشفى في مواقف غير متوقعة، حين بدأت تتعلم مهارات طبية كانت بعيدة عن تفكيرها. اكتسبت القدرة على التعامل مع الأزمات القلبية وحالات الضغط غير المنضبط، حتى أنها أخبرتني أنها أنقذت والدها مرتين من بوادر جلطة في المخ بفضل الإسعافات الأولية التي تعلمتها خلال تلك الفترة.
أعز أصدقاء منى الآن هي إحدى المرافقات التي شاركتها الغرفة قبل سنوات، أثناء مكوثها مع والدتها في المستشفى. “عشنا في غرفة واحدة فترة طويلة مع بعض. كنت باروح جامعتي الصبح، وهي بتشتغل بالليل. اتفقنا نقسّم المهام بينا: هي تهتم بوالدتي ووالدتها الصبح، وأنا أراعيهم بالليل، ومن هنا نشأت صداقتنا الجميلة”.
أما أنا فتركت لي المرافقة عبء الذكرى، عبء اللحظات الأخيرة التي ظلت عالقة بذاكرتي رغم مرور أكثر من عشرين عامًا على وجودي في غرفة المستشفى. حتى الآن أتذكر مشهد خروجنا، أتذكر أنني جلستُ فى غرفة واسعة، تشبه صالة انتظار بها كثير من الأشخاص، ثم رأيتُ أمامي عربة بأربع عجلات يدفعها عامل ويعلوها صندوق أصفر اللون مغطى بالكامل، في داخله أبي، ونحن نتحرك وراءها نحو باب الخروج.
ظل هذا المشهد يتكرر أمامي لسنوات طويلة، حتى صار جزءًا من نشأتي دون أن أشعر، كأن الزمن توقف داخل المستشفى. عندما بحثتُ عن أسباب تعلقي بتلك الفترة، وجدت أنها مرتبطة بما يعرف في علم النفس بـ”التعلّق بالمكان“، أي العلاقة العاطفية التي تنشأ بين الأفراد وأماكنهم الهامة، خاصة تلك المرتبطة بعواطف قوية مثل الفقد والحزن، بحيث تظل هذه الأماكن جزءًا من ذاكرتهم الداخلية، وتترك أثرًا خفيًا في الشعور والتفكير.
فكرت مرارًا في العودة إلى هناك، لا بدافع الحنين، بل بدافع الفضول: هل ما زالت الغرفة التي قضينا فيها تلك الأيام كما تركناها؟ هل ما زالت الممرضات التي أحببتهن يعملن في المكان ذاته؟ هل ما زالت رائحة المطهرات كما هي قادرة على استدعاء ذلك الثقل في صدري؟ كنت أريد أن أختبر إن كانت تلك الذكريات ستتجدد مع المكان أم أنها ستتلاشى. لكنني، في كل مرة، كنت أتراجع عن العودة. بعض الأماكن لا نعود إليها، لأنها لم تفارقنا يومًا.
* تمت كتابة هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية».
















