عن القتل والانتظار في قرية صنوبر.. عام على مجازر الساحل السوري

قيل للعائلة إن من يبقى في بيته لن يُمسّ. لكن بعد ساعات، فقدت "جهيدة" اثنين من أبنائها، وحفيدها الذي لم يبلغ السابعة عشرة من عمره
ــــــــ ماضي مستمر
7 مارس 2026

 

في يوم السابع من آذار/مارس 2025 كانت جهيدة سبيهي تعتقد أن البقاء في المنزل هو الخيار الأكثر أماناً. قيل للعائلة إن من يبقى في بيته لن يُمسّ. 

لكن بعدها بساعات، دخل مسلحون إلى منزلهم في قرية صنوبر في الساحل السوري، أخرجوا الرجال وطلبوا هوياتهم، ثم أطلقوا النار عليهم. خلال دقائق فقدت جهيدة (63 عاماً) اثنين من أبنائها، وائل (47 عاماً) وعلي (41 عاماً)، إضافة إلى حفيدها نجم (16 عاماً).

عناصر من القوات الحكومية خلال اشتباكات مع فلول النظام السوري السابق قرب قرية صنوبر، في 6 آذار/مارس 2025.

حادثة عائلة سبيهي كانت واحدة من عشرات الجرائم وثقتها منظمات حقوقية في قرى الساحل خلال تلك الأيام التي بات يُشار إليها أحياناً باسم “مجازر العلويين”، بينما يصفها الإعلام الرسمي بـ “انتهاكات الساحل”. 

فبعد هجمات منسقة وكمائن عديدة في اكثر من منطقة، استهدفت عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع في السادس من آذار/مارس 2025، تحوّل الرد الأمني سريعاً إلى موجة واسعة من عمليات القتل والإعدام الميداني طالت مدنيين، بينهم أطفال ونساء، وأحياناً أسر كاملة في القرى ذات الغالبية العلوية.

وشارك في هذا الرد فصائل عسكرية وأشخاص مسلحون بثياب مدنيّة، إضافةً إلى بعض المقاتلين الأجانب التابعين لفصائل مسلحة وصفتها الحكومة بأنها “فصائل غير منضبطة”.

وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 803 أشخاص خلال الأيام الأولى، بالإضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 172 عنصراً من قوات الأمن العام في الهجمات والكمائن التي وقعت بين 6 و10 آذار، في حين وثق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” مقتل أكثر من 1700 معظمهم من المدنيين.

والدة الضحايا في مقبرة تضم قبور أفراد من عائلتها في قرية صنوبر.

جهيدة مع حفيدها نجم الدين.

جهيدة تظهر لنا صورة ابنها وائل.

جهيدة تمثّل الهيئة التي كان يجلس عليها أفراد من عائلتها قبل إطلاق الرصاص عليهم، عند مدخل المنزل بعد إخراجهم من الداخل.

 آثار إطلاق الرصاص في غرفة حفيدها نجم بعد استهداف منزل العائلة.

قالوا لنا “أنتم بأمان”

في ذلك اليوم كانت الأخبار تصل متقطعة. أحاديث عن اشتباكات في قرى مجاورة وتحركات مسلحة، لكن من دون صورة واضحة عمّا يجري. 

تقول العائلة إنها سمعت أن هناك “مشاكل” وقعت في 6 آذار (مارس) في بعض المناطق، لكن لم يخطر ببالهم مغادرة المنزل. كانوا يعتقدون أن أي مواجهة ستقتصر على فلول النظام السابق أو المقاتلين المناهضين للحكومة، لا على المدنيين داخل بيوتهم، لذلك بقوا في مكانهم.

تروي جهيدة إن العائلة تواصلت مع مختار الحي، الذي أبلغهم بأن الأمن العام طمأن الأهالي بأن من يبقى في منزله سيكون آمناً. وتضيف أن وجود دبابة في المنطقة عزز لديهم هذا الشعور. “الدبابة تعني قوات رسمية”، تقول، “لم نتوقع أن يحصل اقتحام أو قتل”.

حوالي الساعة التاسعة صباحاً، دخل عناصر إلى المنزل بحجة التفتيش. صادروا الهواتف المحمولة حتى لا يخبر أحد أحداً، بحسب روايتها. بعد دقائق دوّى طرق عنيف على الباب. وعندما فُتح، كان في الخارج عشرات المسلحين، بعضهم ملثمون أو حليقي اللحى، بلباس عسكري منظم. عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من كتيبة “سليمان شاه“، وفق ما سمعته العائلة، وبدأوا بتوجيه شتائم ذات طابع طائفي. 

و”سليمان شاه” فصيل مسلح مدعوم من تركيا انضم رسمياً إلى قوات وزارة الدفاع، يتزعمه محمد الجاسم المعروف بـ “أبو عمشة”، وهو مدرج على لوائح العقوبات الأوروبية بسبب تورطه في مجازر الساحل وفي انتهاكات سابقة.

دخل المسلحون المنزل وطلبوا الهويات. أخرجوا ستة رجال، بينهم زوج جهيدة وولداها وائل وعلي، وحفيدها نجم، ثم فصلوهم إلى مجموعتين. أُجبر ثلاثة منهم على الوقوف عند الباب وأيديهم فوق رؤوسهم.

تقول مجدولين، زوجة وائل إن أحد العناصر قال لهم: “شوفوا شو صار فيكم بسبب مقداد فتيحة والفلول”. وتضيف أنها ردّت عليه: “اللي عاش الظلم ما لازم يظلم، واللي داق القهر والوجع ما لازم يقهر حدا ولا يوجعه”.

تروي جهيدة إن ولدها علي كان أول من أُطلق عليه الرصاص. ثم سُحب حفيدها نجم. وتؤكد أن نجم أُطلق عليه الرصاص في الرأس ثم في الصدر واليد والكتف.

تضيف سارة والدة نجم أن المسلحين حاولوا أخذ ابنها الآخر (يظهر في الصور) أيضاً تمهيداً لإطلاق النار عليه. تقول إنها توسلت إليهم وأخبرتهم أنه يعاني من مشاكل سمعية، وأنهم قتلوا أحد أبنائها قبل لحظات. وتضيف أن أحد العناصر ردّ عليها قائلاً: “حاجتك واحد”، قبل أن يتركوا ابنها الآخر ويغادروا الغرفة. 

وبحسب رواية العائلة، كان أحد العناصر يرتدي رتبة عسكرية برتبة رائد وعرّف عن نفسه باسم “أبو محمد”، وقال إنه يتبع لـ “اللواء 103”. 

بعد تنفيذ الإعدام، غُطيت الجثث بثلاث بطانيات، ومُنع أفراد العائلة من البكاء، بينما بدأ مسلحون آخرون بنهب المنزل.

والدة علي تحمل فردة من حذائه داخل غرفته، وهي من الأشياء القليلة التي بقيت منه بعد مقتله.

جهيدة تمسك بقطعة من ملابس حفيدها نجم داخل غرفته، وهي من آخر ما بقي من أثره.

جهيدة تقف في المكان الذي وُضعت فيه جثث أفراد من عائلتها بعد مقتلهم.

قبور داخل البيوت

كنتُ في صنوبر يوم الأحداث نفسها، أوثق الاشتباكات التي دارت في محيط القرية. لكن العودة بعد عام بدت مختلفة، لم تعد الأصوات أصوات رصاص، بل شهادات متكررة عن قتل داخل البيوت.

خلال جولة أجريتها في صنوبر بعد مرور سنة، برفقة الخالة جهيدة (أم وائل)، بدا واضحاً أن آثار تلك الأيام لا تزال حاضرة في تفاصيل المكان. 

في أكثر من منزل، دُفن القتلى داخل ساحات البيوت. في أحد المنازل شاهدت قبور سبعة أفراد من عائلة واحدة دُفنوا معاً داخل المنزل نفسه. وأشارت الخالة إلى المكان قائلة: “ما قدروا يطلعوا فيهم على المقبرة”.

كل بضعة أمتار كانت تتوقف لتخبرني: “هون صار قتل… هون شفت جثث… هاي العيلة قتلوا ولادها كلهم”. كما فقد جيران الخالة ثمانية أفراد من عائلة واحدة، وفق ما أكدته العائلة، وتظهر صورهم في ألبوم العائلة.

شاهدت أيضاً منازل لا تزال آثار تخريبها وحرقها واضحة، جدرانها سوداء من آثار النار، مثل منزل أم وائل، وكانت هناك سيارات محترقة لا تزال متروكة في أماكنها.

مجدولين داخل منزلها، وهي زوجة وائل.

سارة، والدة الطفل نجم، تمسك بقطعة من ملابسه داخل غرفته.

مجدولين زوجه وائل داخل منزلها، فيما تظهر آثار إطلاق الرصاص في غرفة أطفالها بعد استهداف المنزل.

سارة، والدة نجم، مع ابنها الآخر الذي نجا من القتل.

جهيدة في المقبرة التي تضم جثامين أفراد من عائلتها.

عائلة من جيران جهيدة فقدت أيضًا عددًا من أفرادها.

المرأة تقف أمام سيارة زوجها التي أُحرقت خلال الانتهاكات، وكانت سيارة أجرة تمثّل مصدر رزق للعائلة.

عائلة من جيران جهيدة، ويظهر في الصورة من بقي من أحفادها بعد مقتل عدد من أفراد الأسرة.

جهيدة ومجدولين أمام شجرة أفوكادو كان يعتني بها وائل، زوج مجدولين.

مقبرة داخل أحد منازل القرية لعائلة قُتل منها سبعة أفراد.

“بدي أشتكي على الرئيس”

في التاسع من آذار/ مارس 2025 أصدر الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع قراراً بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أحداث الساحل السوري، وأوضحت الرئاسة السورية أن مهام اللجنة المكوّنة من سبعة أعضاء تشمل الكشف عن أسباب وظروف وملابسات تلك الأحداث، والتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، وتحديد المسؤولين عنها.

بعد تشكيل اللجنة، استُدعيت العائلة للإدلاء بشهاداتها أمامها. وفي شهادتها، قالت أم وائل، بصوت ملؤه الغضب والحزن، إنها تريد تقديم شكوى ضد الرئيس أحمد الشرع، معتبرة أنه بصفته رأس السلطة يتحمل المسؤولية عما حدث. وأضافت أن المسؤولية لا تقف عند المسلحين الذين نفذوا القتل، بل يجب أن تصل إلى من أعطى الأوامر أو سمح بحدوث الانتهاكات. 

حتى اليوم، لا تعرف العائلة ما إذا كانت شكواها قد سُجلت رسمياً أو كيف سيتم التعامل معها. ورغم ألمها العميق، لا يتغير مطلب أم وائل أبداً: “رجاااي بالله إنه شوف اللي قتلونا عم ينالوا عقابهم”.

وتضيف: “عايشة على أمل شوف حق دم ولادي، وعدالة الله”.

بالنسبة لأم وائل ولأهالي الضحايا، العدالة لم تتحقق بعد. فقد أعلنت “لجنة التحقيق الوطنية” أنها حدّدت هوية 298 شخصاً متورطاً في أعمال عنف أسفرت عن مقتل 1426 شخصاً تحقّقت من أسمائهم، وأوصت بملاحقة الفارّين من العدالة والمضي في مسارات العدالة الانتقالية. 

غير أن المحاسبة لم تطل أياً من كبار المسؤولين أو من أصدروا الأوامر أو حرّضوا على القتل، فيما استمرت الانتهاكات اليومية على أساس طائفي في الساحل السوري، وسط غياب رد فعل حكومي أو إجراءات قضائية جديّة.

هكذا بقي السؤال عن محاسبة الجناة معلّقاً بلا إجابة. في صنوبر، كما في سائر القرى التي شهدت المجازر.

مشاهد من محاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات الساحل من فلول النظام السابق ومقاتلين من الجيش الحالي، ويظهر في الصور أيضًا ذوو المتهمين.

مشاهد من محاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات الساحل من فلول النظام السابق ومقاتلين من الجيش الحالي، ويظهر في الصور أيضًا ذوو المتهمين.

مشاهد من محاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات الساحل من فلول النظام السابق ومقاتلين من الجيش الحالي، ويظهر في الصور أيضًا ذوو المتهمين.

مشاهد من محاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات الساحل من فلول النظام السابق ومقاتلين من الجيش الحالي، ويظهر في الصور أيضًا ذوو المتهمين.