fbpx

أنا واقفة وسط الهتافات في المظاهرة اللي بدت قبال مسرح الميدان في حيفا. 

قبالنا في عناصر من الشرطة الاسرائيلية والقوات الخاصّة، 

كثار منهن، بس اليوم في اشي مختلف. 

الفلسطينيين اللي بيخدموا في هاي الوحدات كلهن مُقنّعين. 

وجوههن مش مبيّنة، ولا أساميهن. 

وهذا مش بالصدفة، لأنه في سلسلة المظاهرات اللي صارت مؤخّرًا 

كُنّا نمارس نوع من أنواع الضغط الجماهيري على هذول الشباب. 

نقرا أساميهن ونشوف وجوههن منيح، ونهتف هتافات ضد وجودهن في الشرطة أو الجيش.

وأحيانًا نناديهن بإسمهن عشان ممكن ولو 1% يحسّوا بخجل أو يسألوا حالهن للحظة شو انا عم بعمل ومين عم بحمي ووين لازم أكون.

إسمي مازن حمدان من قرية عسفيا جبل الكرمل، وأنا شاب درزي فلسطيني، 

رفضت التجنيد الإجباري.

اسمي ميسان. أنا من قرية درزية إسمها عسفيا، موجودة على قمّة جبل الكرمل فوق حيفا.

في كل مظاهرة من المظاهرات، وقبل ما الجنود يبدوا يخبّوا وجوههن وأسماءهن، 

كنت دايمًا أتطلّع عليهن وأتمعّن فيهن، وولا مرة حكيت لأي حدا شو حسّيت لمّا مرة شفت ابن صفّي واحد منهن. 

هذا اللي إسا جندي عم يقمعنا ويضربنا ويزتّ علينا قنابل، 

كان مرة ابن صفّي في المدرسة، كبرنا سوا، أكلنا سوا، شربنا سوا، لعبنا سوا، ضحكنا سوا، 

كنت أروح على بيتُه وندرس مع بعض للامتحانات.

كيف هيك بيصير؟ 

الضغوطات اللي بواجهها الشاب الدرزي، بتبدا من جيل صغير. 

يعني من الطبيعي في القرية تشوف جنود 

وإنك تروح على المقبرة العسكرية في يوم اللي بسمّوه “ذكرى الشهداء”، 

والإشي بيكون مدعوم من المدرسة، 

وبيستمرّ خلال السنين وبالأخصّ في المدرسة الثانوية. 

يعني أنا بتذكّر، جابولنا مرة جندي درزي يشرحلنا عن الجيش وكيف نختار أحسن وحدة

 وكيف نتعامل مع الجيش في الأول، فكان يحكي بس في العبري. 

سأل إذا في حدا عنده أي سؤال، فرفعت إيدي 

وسألته ليش بتحكي في العبري لمّا كلنا عرب هون؟ 

كلنا على الإطلاق. فبجاوبني فكرك أنا بعرف أحكي عربي؟ 

عسفيا، زي كثير قرى فلسطينية، فيها بيوت مهددة بالهدم، 

وبيوت مش موصولة للكهربا ومعظم أراضيها مصادرة، 

مع إنها، وبرضه زي كثير قرى فلسطينية، طبيعتها حلوة وفيها زعتر وميرمية وعلت. 

من جهة ثانية، عسفيا زي بعض القرى، ما تهجّروا أهلها بالقوّة سنة ١٩٤٨، 

بس تمّ تهجيرهن ذهنيًّا ببطء من هذاك الوقت لليوم. بطّلوا يشبهوها أبدًا.

اسرائيل فرضت التجنيد الإجباري عليهن، 

عرّفتهن كأقليّة قومية في الخمسينات ومارست كل أساليب التغييب والوعود الفارغة. 

وبالرغم من حركات المقاومة ضد التجنيد الإجباري، 

من وقت فرضُه لليوم، قدرت اسرائيل تحوّل قسم كبير من الدروز لبراغي عم تدور في دوائر مُفرغة. 

أنا ميسان من قرية عسفيا الفلسطينية. أنا ناشطة سياسية ومرات بحب أعبر عن أفكاري بالموسيقا. 

في مدارسنا، فرضوا علينا منهاج تعليمي خاص 

اللي فيه بيتمّ عزلنا تمامًا عن مُحيطنا الطبيعي، 

الثقافي والتاريخي وحتى على أبسط مستويات. 

منتعلّم في كتب لغة عربية “للدروز”، كتب تاريخ “للدروز” وحتى رياضيّات “للدروز”. 

التحديّات اللي بتواجه قرار الرّفض أو الخدمة، بفكّر متعلّقة كثير في موضوع الهويّة. 

بفكّر مش إشي بسيط الإنسان يحدّد هويّته في جيل صغير، 

بالأخصّ في هيك واقع وهيك بيئة. 

غالبية الشباب الدروز بقضّوا وقتهن في القرية، اللي هو مكان مُحايد نسبيًّا، 

يعني بيلتقوش مع يهود متطرّفين، أو بيلتقوش مع أبناء شعبهن الفلسطيني اللي بيعانوا من الظلم والقمع. 

فصعب يتكوّن عندهن رأي أو قرار في موضوع التجنيد. 

في الآخر بيخدموا عشان الكل بيخدم، عشان إشي طبيعي إنك تخدم في هاي الدولة. 

أنا كبرت في هاي البلد اللي فيها كنت عايشة حياتين، حياة جوّا البيت، وحياة برّا البيت. 

في بيتنا كانوا صور شهداء هبّة أكتوبر معلّقين حد صورنا، وبرّا البيت كان لازم ألوّن علم إسرائيل. 

في البيت كنت أقرا كتب محمد الماغوط، 

وبرّا البيت كان لازم أنظّف المقبرة العسكريّة في البلد، 

اللي فيها مدفونين الجنود اللي خدموا وسقطوا فيما يسمّى بمعارك اسرائيل، ودفاعًا عن إسرائيل. 

رغم انه في عقيدة الدروز ممنوع زيارة الأموات والقبور 

وممنوع وضع شواهد لأنه فش قيمة للجسد، إلا في المقبرة العسكرية، كل أسس العقيدة بتتغيّر حتى تتناسب مع سياسة إسرئيل. 

في مرحلة معيّنة، الأصدقاء أو الأقارب أو أصدقاء الطفولة أو من المدرسة 

بيتجنّدوا وبيروحوا على الجيش وبيلبسوا الزيّ العسكري وبيحملوا سلاح، 

وبس يروّحوا على البلد بدك تتعايش معهن. 

يعني في الآخر انت عايش في قرية صغيرة نسبيًّا وفيه حياة اجتماعيّة، 

فمجبور بس تقابلهن تحكي معهن، والإشي مش هويّن. 

حتى في العيلة الموسّعة كان كثير صعب عليّ أتربّى مع قرايبي زي ولاد عمّاتي مثلًا 

اللي من جيلي أو أصغر، وبس نكبر شوي أصير أنا منسّقة الحراك الفاعل ضدّ التجنيد الإجباري، وهن يصيروا جنود في الجيش. 

مرّة كنت مروّحة في الباص من حيفا لعسفيا، 

وشفت ابن عمتي لابس الزي العسكري ومعه سلاح. 

عملت حالي مش شايفتُه، وما سلّمتش عليه. 

بس كان إشي ياكلني من جوّا، وبعده بياكلني وبينهشني، 

كل ما يصير قصف على غزّة ويستشهد نساء وأطفال وشباب وشيوخ، 

بموت أوّل مرة لمّا يكون حدا من النّاس اللي استشهدوا بعرفهن، 

وبموت موتة ثانية لمّا أتخيّل إنّي ممكن أكون عارفة اللي قصفهن ويتّمهن.

أصعب إشي إنّه يكون في مجموعة ناس عم تنتكب بشكل يومي لعشرات السنين 

وهي مش عارفة إنها منكوبة، 

وتظل تستجدي مفكّات من أسيادها تشدّ حالها فيهن على أساس تكمّل دورتها حوالي الكواكب السيّارة، 

وتتفرّج على هالواقع البائس من هناك. 

أنا ميسان من قرية عسفيا، بستنّى أهل بلدي يرجعوا من سفرهن الدائم في مجرّة درب التبّانة،

 يدوّروا منيح على أوجه الشّبه، يشوفوها، يميّزوها، ويرجعوا على بلدهن يكونوا هن أسيادها.

 

تجنيد الدروز.. أن تكون ترساً في آلة تدمير

"اسمي مازن وأنا شاب درزي فلسطيني رافض للخدمة".. "وأنا اسمي ميسان من قرية عسفيا، أنتظر عودة أهل بلدي من مجرة درب التبانة".
ــــــــ ماضي مستمر
ميسان حمدان
13 أغسطس 2021

في القرى الدرزية في فلسطين، وفي مرحلة معيّنة، ينبغي على الأصدقاء وزملاء الدراسة وأولاد العائلة الواحدة أن يتخذوا قراراً يخص حياتهم وتحديداً هويتهم. عليهم أن يلتحقوا بالجيش الإسرائيلي ويحملوا السلاح في وجه أبناء بلدهم، أو أن يفعلوا كما فعل مازن وميسان، يختارون طريقاً آخر ثمنه التضييق والملاحقة القانونيين وأحياناً العزل الاجتماعي.

في الحرب الأخيرة على غزة، كان مازن وميسان وسط المظاهرات يهتفان ضد الاحتلال، وعلى الجهة الأخرى يقف شبّان دروز يخفون وجوههم بأقنعة، ربما هم من الأقارب أو الجيران قي القرية، أصدقاء طفولة أو زملاء دراسة، كانوا بالزي العسكري الإسرائيلي والسلاح، يقمعون المظاهرة. 

هذا ليس جديداً، فمنذ فرض قانون التجنيد الإجباري عام 1956 ينقسم المجتمع الدرزي بين من يُساق للخدمة العسكرية في مختلف القطعات ويشارك في حروب إسرائيل المستمرة، ومن يرفض الالتحاق بالجيش فيدفع ثمناً مختلفاً.

 

موسيقا البودكاست:
“خارج التلم” الراس وميسان حمدان/ “قصتنا”: ميسان حمدان/ تحت رخصة المشاع الإبداعي – MATYN & BOUTE