في كلّ مرّة أقرأ فيها قصة «التحوّل» (1915) لفرانتز كافكا أفكّر طويلًا في تلك المسافة التي كانت تفصل العمل عن المنزل، وما حملته من إمكانيات للنجاة. أتمنّى لو تحوّل غريغور سامسا إلى حشرة في الشركة بدلًا من حجرته، فيكون اغترابه إصابة عمل، تلهم أباه للمطالبة بتعويض ولو بدافع تسعير ألمه.. بدلًا من اغتراب يمنح غريغور مواساة أبويّة مؤقّتة.
قبل جائحة كورونا، كانت لدي رفاهية الفصل بين العمل والبيت، ومع الإغلاق التام حصلتُ على إجازة رعاية طفل من وظيفتي الحكومية، وأصبحتُ أمًّا بداومٍ كامل للمرّة الأولى. ابني هو الحفيد الأول لعائلتي، لهذا حصلت على الكثير من المساعدة دون أن أطلب حتى. ومع الشعور بالخطر منعت الحفيد عن الأجداد، وأبقيت على خيط وحيد يربطني بالخارج؛ دراستي لدبلوم الصحة النفسية والذي بخلاف فروع الطب الأخرى، يمكن تحويله إلى دراسة منزلية. بعدها أدركت ما فعلته بنفسي، صرت ربة منزل. حبست نفسي في البيت مع مهمتين ثم أغلقت الباب ورائي، ولم أتمكن من إعادة فتحه إلى اليوم.
داخل البيت
انتقلت محاضرات الدبلوم إلى تطبيق «زووم»، نسمع في اللحظات الأولى من الاجتماع ضوضاء البيوت البيضاء، وأطفالًا ينادون أهاليهم بلا كلل، وزميلًا كلّما فتح الميكروفون يحلو لدجاجاته الصياح. في أحد تلك الاجتماعات، انقطع الإنترنت فجأة عن المرأة التي كانت تعرض البرزنتيشن. كلفوني بالاتصال بموبايلها لأن غيابها طال، فردّ ابنها ذو التسعة أعوام وأخبرني أن والدته حبست نفسها داخل الحجرة مع اللابتوب، ولن يتمكن أبدًا من التحدّث إليها، وإلا حرمته من ألعاب الموبايل لأسبوعٍ كامل. كان جادًّا وأنهى المكالمة بحزمٍ.
اعتدتُ أن أترك ابني للتلفزيون حتى تنتهي تلك المحاضرات. لم تكن المشاهدة تشغله لكنها كانت ساعدته على الالتهاء لفترة. وفي مرّة انشغل تمامًا، أنهيت المحاضرة بسلاسة، ثم عدت إليه، فوجدته يقف أمام النافذة، رأسه بالكاد يصل إلى حافّتها، كان فاتحًا ذراعيه كمَن يطير، أخبرني أنّ «باتمان طار»، ووافقته بأن باتمان يطير فعلًا. وبينما رحت أفتش عن الريموت ولا أجده، هز رأسه نفيًا وكرّر «باتمان طار»، بصيغة الفعل الماضي، وليس المضارع الذي يقرر الحقائق وإن كانت وهمية، أشار إلى الخارج الذي حرم منه، ووجدت الريموت في الشارع إلى جانب العديد من ألعابه. تمكنّا من استعادة ما لم ينكسر منها، ولم نجد باتمان الذي وددتُ لو أنّه طار فعلًا وعاد إلى حيث أتى. فقد اشتريته من محطة بنزين تقع على الحدود ما بين ألمانيا وهولندا، وجاء ضياعه ليعزّز من شعور العزل؛ حدود مغلقة وتذكارات طائرة. وبشكل ما اختبر كلّ من التزم بالحظر، أو امتلك رفاهية الالتزام به، معضلة ربات المنزل.
في حالة العمل من المنزل، سواء اقتصر ذلك على إتمام مهام منزلية أو غيرها، تتمدّد ساعات العمل بطول اليوم. أبدل ملابس البيت وفق ما يظهر منها على شاشة زووم، أي الجزء العلوي من جسدي، لا طريق أقطعه يفرغ الطاقة في السير أو النظر إلى الوجوه. أضع سماعات الجوّال في أذني، أستمع إلى المحاضرات وأجيب عن الأسئلة، أملأ غسالة الملابس وأعود إلى أريكة خصصتها في المنزل للمحاضرات، ألبس الحجاب وأفتح الكاميرا ثم أشارك في النقاش، أغلقها ثم أخرج دجاجة الغداء من الفريزر استعدادًا لطهيها، وأنسى أنني ما زالت أغطي شعري في المطبخ.
أفكّر في درس اضطرابات الشخصية الذي كان عليّ أن أقدّم بحثًا عنه. بينما كانت تراسلني زميلتي في إعداد البحث، ونقسم المراجع التي يجب علينا مطالعتها، رحت أفرغ دلو المكعبات لأساعد ابني على تركيب روبوت من القطع الصفراء فقط، لأنه قرّر اليوم أنّه لا يحب اللون الأزرق، ثم أعود إلى الأريكة استعدادًا للمحاضرة التالية. كانت الأريكة مكانًا لشرب القهوة ومراقبة ما يظهر من السماء التي يحتكرها الخارج.
أضع سماعات الجوّال في أذني، أستمع إلى المحاضرات وأجيب عن الأسئلة، أملأ غسالة الملابس وأعود إلى أريكة خصصتها في المنزل للمحاضرات، ألبس الحجاب وأفتح الكاميرا ثم أشارك في النقاش، أغلقها ثم أخرج دجاجة الغداء من الفريزر استعدادًا لطهيها، وأنسى أنني ما زالت أغطي شعري في المطبخ
لم يعد البيت بيتًا كاملًا، توقّف عن كونه مكانًا أعود إليه بعد الدوام بل أصبح هو فضاء العمل، فإلى أين أعود؟ ليست الإجابة هيّنة، وكل الإجابات الصعبة ما هي إلا مفاوضة داخلية مع مغالطتها المنطقية. السؤال الأولى بالإجابة ليس «إلى أين أعود؟»، بل «هل يوجد أي عمل يمكن خلعه مع الحذاء على عتبة الباب؟». كيف ونحن نحمل الخارج كله في جيوبنا – عملًا وغيره – نحمله في هواتفنا الذكية التي تُبقي أبواب المنازل مفتوحة مهما أحكمنا غلق الأقفال.
جادل بيونغ شول هان في كتابه «مجتمع الاحتراق النفسي» (2010) بأنّ القرن الماضي كان عصرًا مناعيًا، ميّز بوضوح بين الداخل والخارج، الصديق والعدو، الذات وغيرها، واعتبر ذلك انعكاسًا لطبيعة النوازل التي مر بها، أسماه «عصر بكتيري» وأعلن زواله باكتشاف المضادات الحيوية. أفترض أننا تجاوزنا ذلك النوع من السلوك المناعي أو الدفاعي في القرن الحادي والعشرين، وأنّ العدسة الأنسب لفهمه هي عدسة الأمراض النفسية، لأن أعراضها لا تنبع من نبذ مناعي لما هو سلبي كما في حالة البكتيريا والفيروسات، بل من فائض إيجابية ترحّب بتلقي كلّ شيء وكلّ ما هو جديد، وتتملًص في الأصل من التقنيات التي تسعى لمكافحة ما هو غريب.
تعمّق مارك فيشر هو الآخر في الاستدلال بإحصائيات الأمراض النفسية كعلامة مميزة للقرن الحالي. في كتابه «الواقعية الرأسمالية» (المنشور بعد عام من أزمة انهيار السوق العالمي 2008) كتب جملته الشهيرة: «أصبح العمل والحياة متداخلين لا ينفصلان. توقّف الزمن عن كونه خطيًا، وأصبح فوضويًا.. ومع إعادة هيكلة الإنتاج والتوزيع، تُعاد هيكلة الأنظمة العصبية أيضًا». انتقد فيشر ما وصفه بـ «خصخصة الضغوط» والاكتفاء بدراسة الأمراض النفسية كخلل في كيمياء الدماغ، بدلًا من النظر إليها كرد فعل على ظروف العمل القاسية، وما يترتب على تلك الخصخصة من تحميل الفرد مسؤولية الإصابة بالأمراض بدعوى أن السبب هو جيناتهم الفردية وتاريخهم الشخصي فقط.
ثم أتت جائحة كورونا لتعيد مأساة القرن الماضي لكن على هيئة وباء فيروسي دون إعادة السلوك المناعي السابق للتعامل معها، أو تقديم سلوك جديد يستوعب حالتنا المعاصرة، اختزلنا المواجهة في تلقي حقن التطعيم وفي توصيات «منظمة الصحة العالمية» التي كثّفت حينها تركيزها على القلق من الإصابة بالكورونا باعتباره الوباء الأكثر انتشارًا، بينما كانت الأنظمة الصحية العالمية تنهار الواحدة تلو الأخرى. لا أجادل في المعاناة التي يتسبّب فيها القلق ولا في وجوب مواجهته، على العكس مثل كثيرين غيري نقلت حينها لكل من أعرف التوصيات التي قرأتها في النشرات، والممارسات التي نتعلمها في الدبلوم لمواجهته.
بدا هذا التعامل هزيلًا، بل عقيمًا حين علمت بإصابة أحد زملاء الدبلوم بالكورونا، وقد كان يعمل أخصائيًا في إحدى المستشفيات الحكومية في مصر. تابعنا على مدار أسبوع تطورات مرضه، وعرفنا أنّه عندما توجّه للحجز في المستشفى الحكومي التي يعمل فيها، لم يجد مكانًا في أقسام العزل، وتم حجزه في غرفة عادية، أخرجته زوجته الطبيبة على مسؤوليتها الشخصية، وتحمّلت وحدها عبء توفير الأطباء وأسطوانات الأوكسجين والأدوية في المنزل، ولم يمض الأسبوع حتى علمنا بخبر وفاته، فيما لم يخرج اسمه ضمن قائمة شهداء الوباء التي أصدرتها نقابة الأطباء المصرية لعام 2020، وبالتالي لم تتلق زوجته وأبنائه الثلاثة راتب إصابة عمل.
داخل الشاشة
لم أعتد أن أكون بلا دخلٍ يخصّني، ولم أعتد كافّة المهام التي كنت أقوم بها منذ تركت وظيفتي الحكومية بلا أجر. في رحلة بحثي المحمومة عن عمل يناسب وضعي الجديد بعد الكورونا، عثرت على العديد من الفيديوهات التي تروّج لما يعرف بالـ side hustle، تستهدف قطاعًا واسعًا من الباحثين عن فرصة عمل عن بعد بدوام جزئي، وعلى رأس القائمة جاءت ربات المنزل. تساءلت لماذا يوصف هذا النمط من العمل بكلمة hustle؟ ترجمتها إلى العربية لا تقدم إجابة بقدر ما تفتح مجالًا لمزيد من الأسئلة.. إن كانت إسمًا فهي تحمل معاني الصخب والنشاط الكبير والاحتيال، وإن كانت فِعلًا فمعناه يسرع ويكافح و«تمارس» الهوى، مع ملاحظة أن الفعل الأخير كتب وحده بصيغة المؤنث، تمارس وليس يمارس. فمن أين أتى هذا المزيج المريب؟
تستهين الفيديوهات المروّجة للسايد هاصل بضعف الأجر، مقابل تثمين تفاهة المهارات المطلوبة. تسهب الإعلانات في تمجيد ما نعرفه بالمعايشة وتصفه بالمهارات الاستثنائية؛ سنكون مؤهّلين للوظيفة لأننا نتحدث لهجتنا المحلية ونستطيع تمييزها سماعيًا وكتابيًا لتفريغ نصوص فيديوهات تغذي برامج الذكاء الاصطناعي
عثرتُ على دراسة (2025) تجيب عن سؤالي، تتبع فيها الباحثان نيكولاي جيسبن ولورين إيتون كيفيّة تحوّل معنى كلمة هاسل في الإنكليزية تاريخيًا من دلالات سلبية إلى صفة إيجابية. في البداية كانت تعبيرًا عن المهن التي توفّر ما يكفي للبقاء، خاصة للذين استُبعدوا من الوظائف التقليدية، ثم بدأ يُروج لها حاليًا بإيجابية، من منظور أن العمل الجانبي هو الطريق الوحيد للتحرّر من سلبيات الوظائف التقليدية. على غرار تحليل فيشر، أشارت الدراسة إلى أن ثقافة الهاسل أو النشاط، حوّلت الفشل في تغطية تكاليف المعيشة إلى نقص فردي في الاجتهاد، وهكذا بدلًا من مساءلة النظام الاقتصادي، خلقت الحاجة إلى المزيد من العمل، وهذه هي وصفة الهاسل المنزلية لتحويل العمل من مجرد وسيلة إلى أسلوب حياة، يستعمر الوقت، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية.
ومثل كلّ قصّة رديئة تتجنب المعنى الذي تخافه، تستهين الفيديوهات المروّجة للسايد هاصل بضعف الأجر، في مقابل تثمين تفاهة المهارات المطلوبة. تسهب الإعلانات في تمجيد ما نعرفه بالمعايشة وتصفه بالمهارات الاستثنائية؛ سنكون مؤهّلين للوظيفة لأننا نتحدث لهجتنا المحلية ونستطيع تمييزها سماعيًا وكتابيًا لتفريغ نصوص فيديوهات تغذي برامج ذكاء اصطناعي. لا تهتم بالشهادات العلمية، فقط بالقدرة على النقر على الكيبورد لإدخال أي بيانات، إيصالات أو أرقام مبيعات، وأحيانًا كل ما تبحث عنه هو نساء لديهن القدرة على كتابة قائمة بالأجهزة الكهربائية في منازلهن مع ذكر ماركاتها، وأغلب هذه المهام تكون لقاء أجر بقيمة رقم عشري من الدولار.
من أوائل مهام السايد هاسل التي تقدّمتُ إليها عام 2021، كان مشروع تفريغ صوتي للفيديوهات وتحويلها إلى نصوص مكتوبة. استمارة التقديم بسيطة وإرشادات العمل أبسط، وبعد عدة نقرات على الزرّ التالي، ظهر لي فيديو ليوتيوبر شهيرة، تروّج لمستحضرات تجميل. لا أعرف لماذا توقعت أن تكون نصوص الفيديوهات أعقد! انقبضت وأنا أتابع الفيديو، أدركت أنّني في موضع حقير، أقل من سلعة، عاملة بالنقرة، وأذن تميز لغة لا أطيقها وتغذي برامج لا أفهمها، وبالتدريج حل الأسوأ، فاليوتيوبر –صاحبة ملايين المتابعين ورائدة الأعمال– قاموسها اللغوي محدود ورديء، يختزل كافة صفات الاستحسان والفاعلية في كلمتين؛ «قمر» و«نينجا». تساءلت عن جودة برامج الذكاء الاصطناعي التي تتغذى على مثل هذه الفيديوهات، ثم أغلقت شاشة اللابتوب حينها ولم أنه تفريغ الفيديو أو أتقدم لوظائف مماثلة مرة أخرى، وحاليًا توجد برامج ذكاء اصطناعي تقدم هذه الخدمة مجانًا بدلًا من عمال النقرة.
دولاب فودو
لفتت الدراسة التي ذكرتها سابقًا النظر إلى أنّ الأبحاث التي تتناول مفاهيم ريادة الأعمال تتجاهل بعدها التاريخي، وتتناسى أنها طالما وجدت على هامش العمل الرسمي، لتربطها بالنيوليبرالية وخطابها الممجد للفردانية والمسؤولية الذاتية. كذلك يتم الترويج لها باعتبارها استجابة فعالة لتدهور حال الوظائف الثابتة وضعف رواتبها. بتطبيق منطق البحث في التتبع التاريخي على ما أعرفه من أعمال هامشية، وجدتني أقرأ بأثر رجعي تجربتين عاصرتهما في مطلع الألفية. رأيت عن قرب أشخاصًا استثمروا في ذواتهم كمشروع، وهيمن عملهم على حياتهم، وذلك قبل أن يسمى فريلانسغ، وقبل أن تصبح تفاصيله حشوًا لبرامج التنمية البشرية.
أتت التجربة الأولى حين فشلت التخصصات الطبية المختلفة في علاج ألم اشتكت منه أمي في كعبها، تراكمت إلى جوارها وفي معدتها باسطات العضلات ومسكنات الألم وأدوية للأوعية الدموية، ولم تبرأ. نصحتها زميلة عمل بالحجامة، وخصت شيخًا في منطقة الدخيلة غرب الإسكندرية. نقطع كل شهر رحلة طويلة نحو منزله المتهالك المطل على البحر، تستقبلنا زوجته المنقبة، عنصر نسائي بغرض التطمين، تدخلنا إلى حجرة اقتطعها زوجها من بيتهم للحجامة، فيها سرير مستشفيات وإلى جواره كومبيوتر ينازع، يطغى أزيزه على كافة الأصوات ونجبر جميعًا على التحدث صياحًا. كان الشيخ أمهقًا وبفضل لحيته البيضاء كان أقرب ما يكون إلى بابا نويل، ولوزنه الزائد أيضًا الذي يكتسبه عادة من لا يترك منزله إلا للضرورة. كان بالكاد يرى، وحين دوّن بيانات أمي في ملف وورد مفتوح أمامه، أخذ وقتًا طويلًا وهو يفتّش عن الحروف في الكيبورد، انقبضتُ وأنا أتخيله يقترب من ساق أمي بمشرط، ولم أملك أمام إصرارها والألم المزمن سوى المراقبة. مع انتهاء كل جلسة، كانت أمي تستعيد شهيتها للحكي، ونعود محملتين بالقصص التي يرويها عن زبائنه أو مرضاه وببرطمانات العسل الشافي الذي يوصي به، تفوح منا رائحة الحلبة والكحول، وبالكثير من الجروح بطول ساق أمي.
لم أفكر حينها أن ما يقوم به الشيخان يعدّ نموذجًا تقليديًا من نماذج الأعمال الحرة، وأنها سيروج لها بكثافة في المستقبل تحت تسمية الاستثمار في الذات. الآن أميز الشبه بينهما وبين مؤثرات ومؤثرين مواقع التواصل الاجتماعي الذين يتحوّل الفرد لديهم إلى مشروع تجاري، ويكرس كافة جوانب الحياة لخدمة هذا المشروع؛ مظهره ومنزله ولغته
أما التجربة الثانية، فحدثت ضمن رحلة بحث أمي عن عريس لي، أخذتني لزيارة شيخ يعمل في المنزل هو الآخر. وجدتني في صالون كلاسيكي مذهب، استمع إلى كلمات من المفترض أن تجلب لي الحبيب. وانتهت الزيارة بمساومة حول سعر الماء الذي شربناه، وقرأ عليه القرآن، ظنته أمي ضيافة ولم يكن سوى سلعة أو خدمة أخرى يقدمها. كنت أيامها في دورات لا تنقطع من الامتحانات أو الاستعداد لها، وأهرب من ضغط المذاكرة في مغامرات أمي داخل دولاب الفودو؛ لحل ما تراه مشاكل مستعصية.
لم أفكر حينها أن ما يقوم به الشيخان يعدّ نموذجًا تقليديًا من نماذج الأعمال الحرة، وأنها سيروج لها بكثافة في المستقبل تحت اسم الاستثمار في الذات. الآن أميز الشبه بينهما وبين مؤثرات ومؤثرين مواقع التواصل الاجتماعي الذين يتحوّل الفرد لديهم إلى مشروع التجاري، ويكرس كافة جوانب الحياة لخدمة هذا المشروع؛ مظهره ومنزله ولغته، يحول المعارف والأصدقاء إلى شبكة علاقات، تقاس جودتها بجودة التشبيك وزيادة القيمة السوقية. تطلب عمل الشيخين أيضًا تطويرًا مستمرًا للمهارات والخدمات، إذ لم يقتصر عملهما على تمييز الآيات التي تُقرأ على الماء أو مواضع التشريط في الجلد، والتي أكدا أنها تحتلف باختلاف الشكوى، لم يكتفيا بقراءة الرقية أو فعل التشريط نفسه، كمنتج مدر للأموال أو كما يسميه السوق cash cow product لكنهما أضافا خدمات مميزة (statement piece) جذابة ولافتة وأغلى سعرًا، مثل زجاجات ماء مقروء عليها مسبقًا، وكلّ ما يخص عملية الحجامة من مشارط وأدوات، وبرطمانات عسل مضاف إليها حبة البركة والبركة نفسها، والتي هي سر المهنة أو سرهما حيث هما والمهنة واحد.
داخل الجسد
الأقدم من عمل الشيخين، شخصية زيطة، واحد من قاطني زقاق المدق في رواية نجيب محفوظ بالعنوان نفسه (1947). دارت أحداث الرواية في القاهرة قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكتب محفوظ سيرًا لأشكال متنوعة من الأعمال الهامشية، لم يملك أصحابها حق اختيارها، فقد كانت، على شاكلة ما وصفته الدراسة، نشاطات بقاء أو نجاة. وعلى هامش الهامش، جاء زيطة صانع العاهات. كل ما ومن يحيط بـزيطة، هو تجل لواحد من أكثر أشكال نشاط الهاسل عنفًا، ونمط استثنائي من أنماط اِلتحام العمل بالجسد. قدم لنا محفوظ «سي في» مفصلًا لطبيعة عمله. تدرب زيطة في بداياته على فنون الماكياج أو الميكاب حين عمل في سيرك متجول. ثم طبّق فنه على الشحاذين بصفتهم شبكة معارفه؛ فقد ولد لأبوين شحاذين، ثم احترف صنع العاهات، يَقصده الراغبون في ممارسة التسوّل كمهنة. مهارته أبعد من القدرة على التشويه البدني بغرض الربح، إنها فن اختيار العاهة، ولأنها هكذا تحديدًا فإنّها تطلب خيالًا، فحين يأتيه قوي الجسم الذي لن يستدر عطف أحد، حتى لو كان صاحب عاهة، يعلّمه زيطة فنون العته.
أليس التشابه بينه وبين العديد من الصفحات الإلكترونية، التي تروج لمستحضرات التجميل والإجراءات التجميلية البسيطة منها مثل الفيلر والبوتوكس والمعقدة مثل نحت الجسم وشده، لافتًا؟ كان زيطة من أوائل الذين وفروا خدمة ما بعد البيع، يقول محفوظ: «لم يكن انكبابه على تحصيل يوميته لينسيه واجب رعاية العاهات التي صنعها، وربما سأل هذا أو ذاك: كيف عماك يا فلان؟ أو كساحك يا فلان؟ فيُجيبونه: الحمد لله..الحمد لله». سلافوي جيجك تقاطع في كتاباته هو الآخر مع نفس الفكرة، حين كتب «أن تكون مستغَلًا ينظر إليه كـ «امتياز» لأن البديل أن تكون مستبعدًا تمامًا».
عندما استيقظ غريغور سنة 2020 وقد تحول إلى حشرة، ردد هو الآخر، مثل أصحاب عاهات زيطة، الحمد لله الحمد لله، شاعرًا بالامتياز ﻷن السوق لم يلفظه بعد، ولأن ممثل الشركة لم يأت إلى بيته ليتهمه بالكسل. أعاد تدوير اغترابه وحوله إلى عمل عن بعد. وحين استيقظ من أحلامه المزعجة، وجد إيميلًا أكثر إزعاجًا وحاد اللهجة، يطالبه بإنهاء المهمة «بأسرع وقت ممكن»، بالتزامن مع رسالة اعتيادية عبر الواتس أب من أحد أفراد عائلته، ورسالة برابط دفع إلكتروني للفواتير مستحقة السداد هذا الشهر. تعلم غريغور المعاصر استعمال مجساته الجديدة للنقر، وللمصادفة وجدها أدق وأكثر فاعلية في أداء المهمة، فالعمل يكمن داخل الجسد. أما التحدي الجديد أمام غريغور 2026 هو تخيل عالم أكثر تطورًا لا يحتاج إلى مجساته للنقر، فكيف يعيد تدوير اغترابه هذه المرة؟













