خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

عن الشيخ صلاح المَخْروع.. الذي خرج ولم يعد

نجا صلاح من الموت المُحقق. ساعتها فرحنا وألفنا فيه خيالات عن قوته الخارقة. واحد قال إنه نصف عفريت ونصف إنسان وإنّه سيعيش ألف سنة، أما أنا فقلت إنه طفل صغير في جسم فيل كبير..
ــــــــ المـكـان
19 ديسمبر 2025

تواصلت مع كل الأشخاص الذين يُحتمل أن يكون لهم علاقة بشخصية المقالة الرئيسية/ الشيخ صلاح المَخْروع(1)؛ لعلّى أجد في الذاكرة الجيليّة الجماعيّة، معلومات إضافية تساعدني في إضافة مشاهد بصريّة إلى مشاهد عشتها بالفعل وكان صلاح المَخْروع طرفًا فيها. كان طرفًا مهمًا؟ كان صلاح هو الضحية/ البريء وكنا نحن الأطفال الجناة/ الأبرياء. 

بدءًا من العام 1986 بدأت الاشتراك في عصابة طفولية متماسكة، تشكلت من بعض إخوتي وأبناء أعمامي وأخوالي، وكان عدد أفرادها لا يقل بحال من الأحوال عن عشرة أنفار. إذ أن تلك العصابة كانت أقرب إلى عصابات الشوارع. إذ كنا أحيانًا نضطر إلى الدخول في حروب بقنابل التُراب مع القسم الآخر من قريتي، ونسمّيه «الشق الشرقي»، فيما نحارب نحن تحت راية الشق الغربي. وقد كانت هناك عصابات صغيرة تتكون من فردين أو ثلاثة وكان بعضها يتخصص في سرقة الحقول أو حدائق الفاكهة، لكنها لم تكن تدخل عصابة صغيرة في معارك مع نصف القرية بأكملها، مثلما كنا نفعل، ومثلما كانت عصابة الشق الشرقي تفعل، والتي لم يكن من الوارد أن يقل أعضاؤها عن عشرة أفراد لذات أسبابِنا الساذجة التي أوردناها.

كانت العصابة مهمة جدًا لي في البداية. كنت أخاف من الرجل المجذوب الذي يمشي في الشوارع حافيًا، يتهته بكلمات غير مفهومة وفي يده طوبة كبيرة يهوش بها على الأطفال الصغار أمثالي. قدمت العصابة لي الحماية من طوب صلاح الذي كان إذا مشى في شارع، هربت النسوة والعيال من فوق عتبات البيوت إلى داخل صحون البيوت. كانت عتبات بيوت القرى -المعزولة نسبيًا في الثمانينات عن مرور الغرباء- مكانًا تتجمع فيه نسوة كل شارع في فترات الصباح للتواصل الإنساني وشرب الشاي بالقرنفل والتسلية والحديث العام في شئون الحياة. كنت واحدًا من جمهور الأطفال الذي يستمع إلى أحاديث العَتبات القروية، وكنت ملزمًا بعد سن السابعة أن أتوقف عن حضور «مجالس الحريم»، بتعبيرنا الشعبي القروي. 

كانت النسوة تسخرن من صلاح وتضحكن على تصرفاته وتشربن الشاي بالقرنفل فوق نفس العتبة مجددًا لكن بعد أن أتأكد أنا أو أحد غيري من الأطفال، أن الشيخ صلاح(2) غادرَ شارعنا واتجه إلى شارع آخر. كان الطلوع فوق سطح بيتنا والنظر في الشارع وسيلتي لتبيان الحقيقة.

ورغم أنني أتذكر مشهد هروبي من صلاح مع النسوة، لكن أتذكر أن أمي، وزوجات أعمامي حكين ذات مرة عن السبب الذي يمكن أن يدفع صلاح للهجوم عليهن أو غيرهن بالطوب، وتوصلن إلى أن هذا الإنسان الغلبان قد يكون جائعًا. من بعدها، بدأن يُخرِجن فاكهة وطعامًا وأحيانًا حلوى رخيصة من التي تُباع في دكاكين القرية، ويعطونها إلى الشيخ المَخْروع الذي كنّا نفطس من الضحك على طريقته الطفوليّة في التعبير عن الشكر أو الفرح. كان إذ مرّ صلاح المَخْروع عصر كل خميس وسبت، وفيهما تُطبخ اللحوم أسبوعيًّا على الكَوَانين (مفردها كانون، وتُبنى من الطوب اللّبِن، ونسمّيهِ الطوب الأخضر في قريتي) يحظى بأكثر من نصيب من اللحم، ولهذا قلّ بالتدريج هجومه الاعتيادي على عَتبات البيوت.  

كان أول نشاط لي داخل العصابة عبارة عن هجومٌ منظم على صلاح المَخْروع، ذلك الكائن الخرافي، قبيح الشكل، المنبوذ من كل أطفال العالم. كان مسرح الجريمة الطفوليّة فوق كوبري يفصل بين قريتنا وقرية صلاح. إذ صادف أن شاهدنا صلاح يقترب من مداخل القرية فقمنا بسرعة شديدة، بتكسير زجاجات مياه غازية ورششنا الزجاج الصغيرة جدًا فوق التراب بحيث إذا مرّ المَخْروع فوقها، حافيًا ككل مرة، وقع في الفخ. 

داسَ صلاح بالفعل فوق الزجاج وتألم وصرخ. لم يستطع العودة إلى قريته التي تجاورنا بمسافة 500 متر فقط. ما حدث أن صلاح  سقط فوق كومة من التراب وخرّ دمٌ من قدمه اليسرى بسبب زجاجة مدببة دخلت فيها. هربنا كالكلاب إلى شوارع القرية خوفًا من أن يتابعنا رجل أو شاهد عيان شهم يتعاطف مع المَخْروع ويشتكينا إلى الأهل، وحينها قد تحدث مشكلة وقد يترتب عليها طردنا من البيت أو حرماننا من وجبة رئيسية كالعشاء. لكن، ومع كل تخوفاتنا الداخلية، كنّا نفلت دائمًا من العقاب لأن الضحية هو صلاح المَخْروع. 

عُدنا في يوم الهجوم الأول الناجح إلى بيوتنا في حدود السادسة مساء، فلم نجد أثرًا لأيّة شكوى فتناولنا وجبة العشاء، وكنت أشعر بسعادة خاصة جامحة لأنني رأيت صلاح ساقطًا فوق الأرض يبكي ويتألم ويصرُخ. 

لم أكن أعرف سببًا لذاك الشعور الوهمي بالانتصار لكن كنت فرحانًا بالفعل، وبدا لي وقتها أن صلاح إما أنه سوف يعرج على قدميه لفترة من الوقت، أو قد يغيب عن الأنظار حتى يتماثل للشفاء. كل ما كنت أعرفه ليلتها أنّ الشيخ صلاح سوف يفكر كثيرًا قبل أن يهاجم عتبات البيوت التي أجلس عليها مع أمي وخالاتي وزوجات أعمامي. 

**

لا يُعرف بدقة التاريخ الحقيقي لميلاد الشيخ صلاح. إذ تبخّرت سيرته من فوق ألسنة كل من عايشوه حتّى من ذاكرة الناس في قريته المجاورة التي زرتها وقابلت عددا من أفرادها، وحكيتْ معهم عنه، لكنهم أبدوا بشكل مهذب عدم رغبة في الحديث عن الشيخ صلاح. إذ لا يتذكرونَ إلا أنّه خرج ذات فجر من القرية ولم يعد. 

ولد صلاح، على الأرجح، في منتصف ستينيات القرن العشرين، لأسرة فقيرة الحال والعدد، لا تمتلك سوى ربع فدان من الأرض، أي ستة قراريط زراعية بينما يعمل غالبية أفرادها بالأجر اليومي في الأراضي الزراعية في أوقات حصاد القمح أو قصب السكر، وفي أوقات حرث الأرض وبذرها بالنباتات. 

منذ البداية، ظهرت على هيئة الرضيع صلاح مظاهر الاختلاف عن أقرانه الذكور. إذ أن رأسه أغلظ من أي رأسٍ أخرى لرضيع ذكر، ثم لما وصل صلاح إلى سن الرابعة بدأ يتضح تمامًا عجزه عن الإلمام بالقدرة على الكلام شأن باقي الأطفال في سنه. ثم كان واضحًا، كما علمت خلال زيارتي قريته، أن أسرته حاولت عرضه على طبيب في مدينة قنا لكن لم ينجح الأمر وأخبرهم الطبيب أنَ حالته تحتاج إلى علاج في القاهرة. ولأنّ تكاليف السفر أو العلاج لم تكن متوفرة لأسرة صلاح، اكتفت الأسرة ببشارة طبيب الوحدة القروية الصحيّة، وكان على ما يبدو طالب امتياز لأنه أخبرهم أن صلاح بخير وأن الشافي هو الله. 

بدأ صلاح رحلته مع الشارع منذ سنوات الطفولة الأولى. إذ كانت أسرته تخاف عليه أذى الأطفال في الشوارع، فتحبسه في البيت، لكن بعد فترة، بدأ صلاح يكبر في السن وبدأ يعرف بعض الطرق للهرب من البيت.  

لم يُستقبَل صلاح، طفلًا ثم صبيًّا، بترحابٍ يذكر من أطفال قريته ومن أطفال قريتي، وقرية ثالثة كان يلجأ إليها أحيانًا للهرب من أذى أطفال القريتين. كنت واحدًا من أولئك الأطفال، الذين يعتقدون أن صلاح يستحق الأذى لأنه مثلًا يلبس جلبابًا واحدًا رثًّا طوال العام ويتهْته بكلمتين أو ثلاثة ويعيش بعقل طفل في الخامسة على الأكثر. وقد ظل كذلك، فلم تتطور قدراته التعبيرية أكثر من درجة طفل في الخامسة حتى بعد أن وصل مرحلة البلوغ وأطلقت عليه الناس لقب «الشيخ صلاح». 

لم تكن قدرات الدفاع عن النفس المتواضعة عند صلاح هي السبب الوحيد في تعرضه لأذى عصابتي الطفولية وأذى أطفال آخرين في القرى المجاورة. سهّلت بيئة الطفولة هي الأخرى لنا إيذاء الشيخ المسكين والإفلات من العقاب، وهي هي نفس البيئة التي كانت تمارس ضدنا نوعًا من الأذى المباشر أو الرمزي وكان أبي أو أمي مثلنا يفلتان من العقاب.  

كان يحدث غالبًا أن يتعرض الواحد فينا لعلقة ساخنة لأنه سأل أباه أو أمه عن معنى الله، أو سبب وجود الناس في الحياة أو عدد الجان الذين يعيشون تحت الأرض، وما إذا كانت هناك مثلًا أرانب أو ماعز من عدمه فوق سطح القمر. عندما كانت تطرح أسئلة منّي أو من أحد إخوتي، أو من أي طفل في عمري، كان الرد غالبًا إما بعصى الخيزران فوق الظهر أو الطرد خارج البيوت. وكان العقاب الأخير بصراحة هو الأنسب للطرفين. 

خلال تنفيذ العقاب السابق ذكره فوق الجسر، كنّا نشعر بحالة شديدة من الغضب والحزن، لأننا غير قادرين على رد الضربات الأسرية فقد كنا صغار الحجم والقدرة البدنية، ولأنه من العيب طبعًا أن نخالف العادات ونرفع أصواتنا على الكبار. ولأننا كنّا نريد تفريغ شحنة الغضب الأسريّ بأي وسيلةٍ سهلة وُمناسبة، كان صلاح هو تنفيستنا المُناسبة السهلة. 

حكيت عن اشتراكي في العصابة الطفولية وعن أول هجوم شاركت فيه ضد صلاح لكن لم أحكِ عن الهجوم الثاني الذي كاد يُدخلنا في سين وجيم كأطفال صغار مع أفراد مركز شرطة مدينة دشنا سنة 1987.  

بدأ الهجوم الثاني لأفراد عصابتي على صلاح في عصر أحد أيام صيف سنة 1987 ولم يكن الهجوم مخططًا له بشكل مُسبق. ما جرى أنني خرجت من البيت مضروبًا من جانب أمي، بعد أن سألتها سؤالًا هستيريًّا غير مفهوم من أسئلتي الطفولية ولم تُجِب علىّ لأسباب كثيرة من بينها أن الجوّ كان حارًا جدًا أمام الفُرن، والسبب الأهم أن أمي كانت ترى دائمًا أن أسئلتي غير منطقية. وأنا أتفق الآن معها في الرأي؛ فقد كنت أعيش كأنني سؤال. 

لم يكن أمام أمي، سَلِمَت يداها، إلا أن تناولني بفَرْدَة مَركوب (حذاء قديم) بعد أن حاولتْ ضربي بالجُرْبَاحة الساخنة، وهي عصى خشبية تُلفّ فوق أحد طرفَيْها قطعةُ قماشٍ بيضاءٍ لمسح باطن الفرن البلدي من بقايا العجين. أفلتُ من الجُرباحَة وأفلتُ من المَركوب، وأنا أتعرّض لكل أنواع السباب الأمومي المقبول وغير المقبول. 

وجدتني فوق الجسر مع بعض أفراد العصابة وأطفال آخرين كانوا يلعبون السيجة. كنتُ في غاية الزَعَل لأنني لم أرتكب جريمة عندما سألت. ولأنني لا أستحق أيضًا الطرد من البيت والحرمان من فطيرة كبيرة ساخنة، كانت أمي وعدتني بها إذا ساعدتها في حماية أقراص العجين من هجوم الغربان المترقّبة فوق نخلتين قصيرتين كانتا مزروعتين داخل صحن بيتنا الطينيّ قبل أن يتحوّل إلى هيئته الإسمنتيّة /الحالية/ الوحشيّة. وبما أنني ساعدتُها فعلًا في حماية مقارِص العجين فلم يكن هناك داعٍ أبدًا لأن أتعرض للطرد من الأساس.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

بالعودة لأخبار الهجوم الثاني على الشيخ صلاح، أقول إنني بينما كنت أتفرج على العيال يلعبون السيجة، فإذ بأحد أفراد العصابة، وهو ابن عمّ لي، كان متهوّرًا في طباعه، يلمح صلاح خارجًا من شارع جانبي قريب من الجسر، فإذ به يجري كالمجنون وراء الشيخ ويبطحه بطحةً غائرة في أعلى الوجه. 

ما إن وصلنا إلى المكان الذي سقط فوقه الشيخ صلاح جرّاء الطوبة، اكتشفنا أنّه يصرخ بأعلى صوته ويسبّنا. ولمّا بدأنا نلاحظ أنه غير قادر على الوقوف، استكملنا ضربه حتى داخ على الآخر. هربنا في الحال خوفًا من المارة. إذ اجتمع، لسوء حظنا وبالمصادفة، عدد من المزارعين العائدين من حقولهم. بدأوا يسبّوننا وهم يصيحون ويطلبون من كل شخص يمكنه سماعهم، أن يقدّم النجدة لأن صلاح مات أو يكاد.

لم نحاول معرفة السبب الذي دفعنا إلى القيام بالهجوم الثاني الدموي الذي بدأه فرد العصابة المتهوّر على الشيخ صلاح؛ لأننا كنّا نختبئ في حقول قصب السكر التي تجاور بيوتنا. إذ سَرَت شائعة في قريتي وقرى مجاورة أن الشيخ صلاح مات وأنّ الشرطة -طبقًا للشائعة وطبقًا لمبالغاتنا الطفوليّة وقتها-  بالمرصاد لهؤلاء الصغار. اختبأنا مخلوعينَ (مرتجفين وخائفين) في سَرَابات القصب العالية لمدة ساعتين، وكان إخوتي وآخرون، يحرسونني وكان آخرون يحرسون الأطفال الآخرين الذين شاركوا في ضرب صلاح فوق الجسر. الحمد لله لم تكن الضربات مُميتة. إذ عُدنا قبل دخول الليل وانتهى الهروب المفاجئ لأن صلاح نجا من الموت. 

نجا الشيخ صلاح من الهجوم الثاني الدموي من جانب عصابتنا فبدأنا التقليل من ردود فعلنا العنيفة تجاه الرجل البالغ وقتها حوالى 26 أو 27 عامًا. كان لهذا التحوّل أسبابٌ كثيرة. توطّد التقارب بيننا وبين صلاح عندما حصلت أزمة كبيرة في بيتنا. إذ هربتْ عَنْزَتُنا الخضراء (تسميةُ أمي) من البيت، وتعرضت بعدها أمي لصدمة نفسية.  

العنزة الخضراء؟ لماذا هربت؟ وأين هربت؟ انطلقنا فوق الجسور وداخل غيطان القصب والقمح والفول والبرسيم كفرق كشّافة مدرسيّة. ظللنا أكثر من أربع ساعات نفتّش عن العَنْزَة الخضراء دون نتيجة تذكر، ونحن جوعانين وعطشانين وخائفين من أي ذئب شارد. إذ كنّا نفتّش تحت نخيلٍ يطرح البلح الأحمر تحت أقدام الجبل الشرقي وهذه النقطة قريبة من خطوط سير الذئاب. وصلنا إلى هذه النقطة الخطيرة لأننا لم نُرِد أن نعود خائبي الرجاء فيزيد حزن أمي، وكانت تعتبرها العَنْزَةَ الخضراءَ أم العَنيز وأكثرهم إنجابًا للسِخْلان (مواليد الماعز، ومفردها سَخْل للذكر وسَخْلَة للأنثى). 

لم نشعر بأن الشيخ صلاح حولنا إلا ونحن نشاهده يتّهْتِه ويلوّح بيديه ناحية مكانٍ في داخل الجبل. خفنا في البداية لأن الشيخ صلاح دخل فتحة غويطة وهو يهلّل ويضحك كأنه متيقّن أن العنزة في الداخل أو كأنهُ وجدها بالفعل. بعد دقائق قليلة، خرج صلاح وعلى وجهه كل علامات الخوف والهلع. هاجمه وهاجمنا ثعبان كبير  أطول من عود قصب لكن استطعنا الهرب بسرعة منه. فالثعبان، ولحُسن حظنا، كان بطيء الحركة كأنما كان عجوزًا أو راغبًا في العودة إلى النوم. 

وصلنا البيت ميتين من الكسوف. دخلنا صحن البيت واقتربنا جميعًا من سِخْلان العَنْزة الخضراء، وطبطبنا على رقابها. قلّدَنا صلاح وطبطب فوق رقبة سَخْل صغير واحتضنه ثم بكى. تأثّرت أمي بالحركة المفاجئة لصلاح فبكَت هي الأخرى وهي تزعقُ في صفحة السماء: 

السلام لله يا خَضْرا …. (تقصدُ أمي هنا أنها سلّمَت أمرَ الماعز الهاربة إلى الله)

اندهشنا من حديث جديد لأمي. تتحدث عن إمكانية وجود العنزة مرة أخرى إذا بحثنا عنها بجديّة لكن في المناطق الواقعة وراء الجبل. تباحثت في الليل مع إخوتي وقررنا إبلاغ أمي رفضنا الذهاب وراء الجبل خوفًا من الذئاب المؤكدة. أبلغناها أن هذا واجب كبار السن. اكتفينا بتكرار عملية البحث في نفس طريق الأمس. وصلنا إلى أول حقول القصب ثم توقفنا لنأكل البلح الأحمر الذي جمعناه ونحن مارون في السكّة بين الحقول. أكل الشيخ صلاح معنا من البلح ثم سقيناه من جركن الماء الأحمر الذي نشرب منه جميعًا وكان عددنا سبعة ثم أخذنا بعضنا وعدنا إلى أمي.

رجعنا للمرة الثانية لنعلن لها أن العنزة اختفت. اختفت إلى الأبد. لكن قبل أن نقوم بهذا الإعلان، قررنا أن نفتعل مشكلة على سبيل المزاح فقد تنشغل فيها أمي عن حكاية رحيل العنزة ولا تحدّثنا فيما جرى أو تقيّم جديّة البحث عن العنزة من أعيننا. وحينها سوف ننكشف!

ما جرى بشكل عفوي، هو أن أخي الأكبر سبّ صلاح قبل دخولنا البيت؛ وهمّ بضربه فإذا بالرجل المَخْروع يهرب إلى صحن البيت. باظت التمثيلية؟ دخلنا البيت مطأطئي الرؤوس، ثم ألقينا التهم على بعضنا البعض خصوصًا في إهمال لحراسة بوابة البيت وقت هروب العنزة. ضربتنا أمي كما توقعنا ولم تضرب صلاح، الذي هرب في لمح البصر. ضربنا أبي بعد ساعتين بعصى من الخيزران، فكانت ليلة صعبة علينا جميعًا.  

بعد مرور فترة على محنة العنزة الخضراء، وكنت عائدًا من رعي الماعز اليومي وجدت عددًا من الأطفال الأشقياء، وكان فيهم صبية، يضربون صلاح مرّة بالطوب ومرّة بالحجارة. اقتربت منه فوجدته سائحًا في دمِه. رجعت بالماعز وأنا خائف، لكن سرت في الليل شائعة مفادها أن صلاح محجوز بين الحياة والموت في مستشفى دشنا المركزي وأنّ أفرادًا من عائلته يبحثون عن صبية وأطفال ضربوه ذاك الضرب المُميت. 

خفنا جميعًا كأطفال من هذه الشائعة، وقد تبنّاها شخص كان يُدعى مرزوق الأشَلَمْ، وكان الأشلم متخصصًا في إطلاق الشائعات وفي التجوّل في الشوارع والمُناداة على طفل تائه أو حمارة ضلّت طريقها إلى بيت فُلان الفُلاني. 

نجا صلاح من الموت المُحقق. ساعتها فرحنا وألفنا فيه خيالات عن قوته الخارقة. واحد قال إنّ صلاح نصف عفريت ونصف إنسان وإنّه سوف يعيش ألف سنة. أما أنا فقلت إنه طفل صغير في جسم فيل كبير، وقال أحدنا إن صلاح سوف يدخل الجنة ويأكل من كل الثمار جزاء الضرب الذي تعرض له في حياته منّا ومن أطفال قريته والقرى المجاورة. 

لم أكن أشاهد إلا مرّات قليلة الناسَ تعامل صلاح معاملة الإنسان الطبيعي. كان هذا يحدث فقط خلال المناسبات الخاصة كالأفراح القروية أو ليالي السيرة الهلالية وليالي الإنشاد الديني التي كان تقام في منادر القرى، وكان يكثر فيها الطعام والموسيقى الشعبية وتلاوة القرآن وحضور فرق السيرة الشعبية من مدينة قوص. 

كنّا نشاهدُ الشيخ صلاح يجلس مرتاحًا يدخنُ كلّ السجائرُ التي يقابلها فوق فرشِ الدَكَك الخشبية أو في الأرض. كنّا كأطفال نتوقفُ أيضًا عن ضرب الشيخ صلاح في المناسبات القروية المهمة لأننا نكون ساعتها منشغلين باللعب أو تناول الطعام والحلوى أو حفظ الأماكن المُناسبة فوق الدِكَك للاستماع إلى المشايخ القرّاء أو الشعراء الشعبيين في سهرات الليل.  وأذكرُ أنّهُ كان يحضرُ الشيخ سيّد الضوي، المتوفى سنة 2016، وهو شاعر شعبي مصريّ، صاحب كاريزما صوتيّة وتمثيليّة وساهمَ في نشر السيرة الهلالية في صعيد مصر حتّى بين الأطفال أمثالي. ما عدا المُناسبات الشعبيّة السابقة، لا أتذكر أننا توقفنا عن إيذاء الشيخ صلاح. حتّى مع تقدّمنا المطرد في العمر كان يتغاضى بعضُنا عن نَهرِ الأطفال الأصغر عندما يقلدوننا ويقومون بإيذاء صلاح.  

لم يكن من السهل أبدًا الوصول إلى صورة قريبة لملامح شخصية صلاح. فقد كنّا صغارًا ولم يكن يهمنا لا ملامح شخصيّة ولا ملامح غير شخصية. كنّا نلعب ونتهوّر ونجرّب، ونهاجمُ الشيخ صلاح كنوعٍ من اللعب وتفريغ شحنات التوتر العائلي على ما يبدو لي.  

كان صلاح، من وجهة نظرنا، أغربَ مخلوقٍ في زمن الطفولة. لم يتزوّج بالطبع، ولم نكن نلاحظ أنه يستحم إلا مرّات نادرة. كان يعاني من جحوظ بالغ الوضوح وعلى مساحةٍ كبيرةٍ في عينه اليُمنى، وكان شعره كُتْكُتْ أبيض (أبيض خَشِن) ورأسه كأنهُ بطيخة كبيرة فوق صندوق عريض من اللحم. إذ كان قويّ البنيّة وقدماه عريضتان كخفيّ جمل. 

لا أذكر الكثير عن صلاح بعدما فكّكنا العصابة الطفولية بسرعة، ثم إنّ صلاح نفسه بدأ ينسجم وينتظم في مجالس النساء فوق عتبات البيوت أو داخل صحون البيوت. يبدو أنه وجد حلولًا للهرب من إيذاء الأطفال الأشقياء. كان يهرب سريعًا إلى قريته بعد انتهاء مجالس النساء. كان يرجع إلى البيت قبل العصر، وهي الفترة التي يعود فيها الأطفال والصبية، من المدرسة أو الأرض الزراعية أو رعي الماعز.  

***

خرج صلاح فعلًا ولم يعد؟ تتشابه لحظة اختفاء أو هروب الشيخ صلاح من بيته ذات فجرٍ في غرابتها مع لحظة هروب العنزة الخضرا وإن كنّا لا نعرف الساعة التي خرجت فيها عنزتنا لكنها خرجت مثله ولم تعُد. كنتُ في القاهرة، عندما اختفى الشيخ صلاح من الحياة سنة 1993. خرج الشيخ غاضبًا من أذى تعرض له في البيت أو في الشارع؟ لا أحد يعلم. المؤسف أنه خرج ولم يعد. 

لا أميلُ إلى تصديقِ كلّ ما صيغَ من تأليفات قرويّة حول لحظة وسبب رحيل صلاح. هناك من يعتقد أنه لم يهرب من البيت وقت الفجر، بل أكلهُ ذئبٌ على غَفْلَة وهو نائم بعد العشاء قرب حقل قصب. يقول البعض أيضًا إن السيد عبد الرحيم القنائي، صاحب المقام في مدينة قنا، زارَ صلاح قبل الفجر، وأخذهُ معه إلى بلاد يعلمها الله. 

ترفض عائلة صلاح، حتّى اليوم، اتهامها بالتقصير. يلومُ البعضُ عائلةَ الشيخ المَخروع ويتهمُها بأنّها رُبما آذتهُ أو دفعتهُ دفعًا خارج البيت فأكله ذئب أو خطفهُ جنٌ أزرق.  ترفض عائلة الشيخ  كلّ هذه الافتراضات. ذكر لي أحد أفرادها أنّ صلاح خرج بعد أذان صلاة العشاء في اليوم الذي اختفى فيه لكن لم يهرب وقت الفجر، وأنّهم – عائلة صلاح بكامل أفرادها- لفّوا الدنيا والآخرة ولم يجدوا له أثرًا. يستطردُ أيضًا بأن صلاح لم يكن يتعرّض أبدًا لأي أذى، بل إنه كان يرفض تناول طعام البيت وكان يفضلُ السَرَحان في ملكوت الله، طبقًا إلى شهادتِهِ العفويّة.  

تبقى بعضُ النهايات مفتوحة؟ لا أعرف. كل ما أعرفهُ أنّ كل افتراضات اختفاء الشيخ صلاح واردة. أنا لا أُرجّحُ مثلًا أنه خرج ذات فجرٍ هكذا وببساطة، دون أن يُلاحظه أحدٌ من أهل بيته. وما مصلحتهم في اختفائه؟ ثم إن حكاية السيد القنائي فيها مُبالغات فجّة. أما حكاية الذئب الذي أكل صلاح، فهذه تأويلة خياليّة لأنّ الشيخ صلاح كان يخافُ الخروج من البيت في الليل. 

لا أعرف حتّى الآن، رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة، سبب اختفاء صلاح المَخروع مثلما لم نعرف ولن نعرف أبدًا لماذا اختفت عنزتُنا الخضراء. كلاهما خرجَ ولم يَعُدْ. وبخصوص المَخْروع الذي خرج ولم يعد: من يدري؟ ربما كانت لحظة الاختفاء من تدبير صلاح نفسه؛ فرحًا أو هربًا من غرابة الأطفال وخشونة المكان. 

(1)  تنتعشُ  لفظة «مَخْروع» في لساننا القرويّ داخل مدينة دشنا في محافظة قنا، في حين أنّ نفس اللفظة عندما تُهاجر جنوبًا، وأقصِدُ قرى مراكز قوص وقفط في نفس المحافظة،  لا تُعرف لفظة «مَخْروع» إذ كلّ شخصٍ يشبه حالة الشيخ صلاح يُنادى بــ«المَبْدول»، أو «البَهْلول» أي الإنسان الذي تبدّلَ عقله وخاب للأولى، والمختلّ عقليًّا بالنسبة لـ«بَهْلول».

(2)  تُطلق لفظة «شيخ» المتعاطفة على كل من يعاني من أمراض عصبية أو عقلية في قرى ومدن صعيد مصر. وتُطلق اللفظة على الشخص المريض من هؤلاء، حتى وإن كان طفلا في العاشرة من العُمر. وأنا لم أُصادِف طيلة سنوات طفولتي في الصعيد امرأة مخروعة، لا في قريتي ولا في مدينة قنا. وقد تكون هناك نسوة عانينَ من أمراض عقلية أو عصبية، وعشنَ خلال فترة طفولتي، ولم أشاهدهنَ، لذا لا أستطيع التأكد من أن لفظة «شيخة» يمكن أن تنطبق على امرأة صعيديّة مريضة. رُبما تكون هناك حالات، لكن لا تُلمَح نتيجة العادات والتقاليد الصارمة التي يحاوط بها الصعايدة القرويون شئونَ المرأة.