اكتشافات تعيد رسم الصورة

محاولة لمعرفة المزيد عن جدي الروسي، بعد أن أخفت أمي بعض الحقائق عنه، الصور التي ظننتها لجدي كانت في الواقع من تصويره هو، وليست له.. وما زال البحث مستمرًا
ــــــــ البيت
25 نوفمبر 2025

أنا: مرحباً، هل تذكرين عندما قلت لكِ إنّي بحاجة لمساعدتك؟ أبحثُ عن معلومات عن جدّي، هل من الممكن أن تخبريني بما تعرفين عنه؟

مارينا: حسناً، ما أعرفه أنه وُلد عام 1912، غريغوري ياكوفليفيتش غاريليك، كان شخصاً صعباً، لماحاً، ليس غبياً، لكن صعب الطباع. كان الأقارب يُعجبون به. جدّتك جاءت إلى سانت بطرسبرغ من مقاطعة أرخانغيلسك وتزوّجت منه. جدّتك وابنة صديقتها “فاليا” تزوّجتا من رجال يهود، ولهذا كانتا تفهمان بعضهما جيداً.. كان صاحب طبعٍ معقّد، أحياناً قاسياً ويطردك من البيت، وأحياناً ودوداً جداً.

***

تلك المحادثة -التي أورد هنا مقاطع منها- هي تسجيلٌ هاتفيّ بيني وبين صديقة طفولة والدتي، قرّرت أن أسألها بعد أن اكتشفتُ أن أمي “يلينا” أخفت عني بعض الحقائق المتعلقة بجدي. كنتُ أرغب في معرفة المزيد عنه، وفي نهاية المطاف العثور على قبره.

وُلدت في دمشق لأبٍ سوري وأمٍ روسية. التقيا في سبعينيات القرن الماضي حين درسا في ما كان يُعرف آنذاك بلينينغراد (سانت بطرسبورغ حاليًا).

في شباط 2011 سافرت إلى ألمانيا قبل أسابيع قليلة من اندلاع الانتفاضة، بعد أن أنهيت دراستي في كلية الفنون الجميلة بدمشق.

في ألمانيا، تغيّر مسار عملي الفني؛ بدأتُ أشتغل على وسائط جديدة، خصوصًا التسجيل والتصوير، لم يكن العمل على تلك الوسائط كممارسة فنية في البداية، بل كوسيلة للتمسّك بالذاكرة.

اليوم، أعمل عبر مجالات التصوير، والفيديو، والصوت، والنحت، والرسم. وغالبًا ما تتخذ أعمالي شكل مذكّرات يومية، تمزج بين التجربة الشخصية والعناصر التخيلية لخلق عوالم داخلية متحوّلة، متناقضة أحيانًا.

العديد من صوري في السنوات الماضية التقطتُها خلال رحلاتي المتكررة إلى سوريا. وكانت زيارتي الأولى في نهاية عام 2012، وهي المرة الأولى التي رأيتُ فيها والديّ منذ بداية الثورة. خلال تلك الزيارات، وثّقتُ ألبومات عائلتنا ومشاهد الحياة اليومية. في كثير من مقاطع الفيديو، يظهر صوت القصف بوضوح، بينما تصوّر العدسة لحظات اعتيادية تستمر رغم كل شيء.

قدمت هذه القصة من عدة سنوات ضمن معرض فنيّ. عرضتُ صورةً كنتُ أظنّ في ذلك الوقت أنّها لجدي، مع إمكانية الاستماع إلى التسجيل الصوتي للمحادثة باللغة الروسية وقراءة الترجمة إلى الإنجليزية في الوقت نفسه.

لاحقاً، اكتشفتُ أن الصور التي ظننتها لجدي كانت في الواقع من تصويره هو، وليست له. والصورة الوحيدة التي تمكّنت من العثور عليها له تُظهره في سنٍّ متقدّمة، برفقة شريكته في ذلك الوقت.

عندما سألتُ مارينا قبل عدة أيام عن سبب عدم وجود صورٍ لجدي، قالت لي: “على الأرجح أن أمك مزّقتها، فأنتِ تعرفين كيف تصبح عندما تتشاجر مع أحد”

معظم الصور الأخرى كانت من تصويره. وما زال البحث مستمراً، إذ لم أتمكّن بعد من العودة إلى روسيا والاطلاع على الأرشيفات هناك.

***

أنا: ومن أين كان؟ أين وُلد؟

مارينا: من مقاطعة تيومينسكايا، في مولدوفا… سأسأل “إيرينا” عن ذلك، في تلك المنطقة كان هناك الكثير من اليهود. تيومينسكايا أوبلاست، مولدوفا… عندما سافرت أمّك إلى سوريا بعد وفاة أمّها، ذهب هو إلى كيشينيف، عاصمة مولدوفا. أعتقد أنه رجع إلى هناك لأن جذوره من تلك المنطقة تقريباً.

 كنت فعلاً أريد أن أجد مكانه، اعتقدتُ أنه من المهم أن تعرف “يلينا” ما الذي حدث له وأين اختفى.  قلت لها: أنا دائماً أسافر إلى هناك “سانت بطرسبرغ”، فقط أعطيني معلوماته! لكنّها قالت فجأة: “لا تحدثيني عن هذا الموضوع أبداً!”، ولم نتحدث عن ذلك بعدها.

أنا متأكدة أنه وُلد عام 1912، كنا نحتفل بعيد ميلاده، عندما كنا نسكن بجوارهم، وأتذكر أيضاً أن هناك صفحة أخرى من سيرته: أنه سُجن لفترة أربع سنوات تقريباً، ربما أكثر..

أنا: متى كان في السجن؟ في أي سنوات تقريباً؟

مارينا: كنا ما زلنا أطفالاً، “يلينا” كانت في الثالثة أو الرابعة من عمرها، وأنا كذلك. أذكر أنه بعد خروجه من السجن، كان موجوداً دائماً، بعد سنوات أخبرتني أمي وجدّتك أنه كان في السجن.

أنا: ولماذا لم يعرف أحد سبب سجنه؟

مارينا: تعرفين، هذه من الأمور التي لا يسأل عنها الناس.

أنا: عندي سؤال… قلتِ إنك عرضتِ عليها أن تبحثي عنه لكنها رفضت، ولم تتحدثون عن الموضوع بعدها؟

مارينا: نعم، نعم… أمّك كانت تعرف كيف تقول الأشياء بطريقة حادّة، وقد فعلت ذلك حينها، فقلت “حسناً”. ثمة فترات اهتمت فيها بالموضوع، فجأة توقفت. أعتقد عندما كنتم تكبرون أنتِ و أختك، رأت أنه لا داعي لفتح  هذه المواضيع، أو ربما حصل شيء آخر، لا أعلم. أنت تعرفينني، طوال حياتي لم أكن فضولية ولا أحب النميمة، إذا أخبرتِني بشيء أستمع، لكن لا أطلب المزيد، وأمك كانت مثلـي. لكني كنتُ أرى أنه من الضروري أن نجده، على الأقل لنعرف أين قبره. فقد كان دائماً يتنقّل بين كيشينيف وبيتر (سانت بطرسبرغ)، وعاش أيضًا في جزيرة فاسيليفسكي، ثم اختفى فجأة… لا معلومات عنه.

 قلتُ لها: ربما بقي منه شيء… وفي البداية كانت مهتمة فعلاً، لكن بعد ذلك لم تعد تريد أن تعرف شيئاً

أنا: ربما حصل شيء ما؟

مارينا: لا أدري. هي لم تكن تذهب إلى هناك كثيراً، مرة كل ثلاث أو أربع سنوات. أعرف أنه كانت هناك طرق كثيرة للعثور على المفقودين، لم تكن المسألة صعبة، كان هناك برنامج خاص للبحث عن الناس المفقودين. 

الآن لم أعد أتذكر تاريخ ميلاده بدقة، رأيته سنة 1993 أو 1994 عندما كنت هناك مع “ماشا” يمشي في الشارع بسرعة بالقرب من إحدى محطات الترام. كان في الثمانين من عمره تقريباً، ما يعني أنه كان يعيش في سانت بطرسبرغ في ذلك الوقت. لكنه قطع كل التواصل مع “فاليا” ومع كل من نعرفهم، حتى الأقارب.

 حتى مع عائلة أخيه “موتفي”، “موتيا” كان طيباً جداً، مثل “نور”، بنفس الأنف العريض… أمّك كانت تقول إنك تشبهينه.

أنا: وأين هو أخوه؟

مارينا: مات منذ زمن طويل، أصيب بالسرطان وهو شاب. كانت أمّك في السادسة عشرة عندما انفصل والداها، و عندما كان عمرها سبعة عشرة كانت جدتك تعتني به. عمل كمدير في سوق كبير وفخم تُباع فيه أجود أنواع العنب والفواكه.

كنت أذهب إلى هناك كثيراً مع “يلينا”، وكان يعاملنا بلطف شديد ويعطينا حلوى دائماً. لم تكن له عائلة، عاشت معه امرأة وطفل، لكن الطفل لم يكن ابنه.

أنا: إذن العم “موتيا” والجد “غريشا” لم تكن بينهما علاقة جيدة؟

مارينا: كان من المستحيل أن تكون له علاقة جيدة مع “غريشا”! كنت أزوره، فيقول لي: “ما الذي جاء بالبقرة السمينة مجدداً؟” فأبكي وأغادر، وتحاول جدتك تهدئتي وتقول: لا تأخذي كلامه بجدّية. كنت في السادسة أو السابعة أو الثامنة تقريباً. وبعد أيام عندما أعود، يقول لي: “الملكة وصلت!” ويقولها بصدق!

 كان يتعامل بنفس الطريقة مع الجيران، لم يكن يهمّه أن يرمي أشياءهم الخاصة دون تفكير. احيانا من النافذة حتى! كما قلت لك، كان ذا شخصية صعبة للغاية.

أنا: ما قصة اسم العائلة؟ لماذا غيّره؟ سمعت منك أو من “إيرا” أنه كان “غاريليك” في البداية ثم أصبح “غارينِك” ثم “غورينِك”.

مارينا: من يعرف ماذا كان يدور في رأسه؟ مثل والدك تماماً. لماذا فعل ما فعله في هذا العمر بدلاً من أن يعيش تقاعده بسلام؟ جدّك كان مثله، لا أحد يعرف لماذا تصرّف كما فعل. ولا تنسي أنه قضى فترة في السجن، ربما كان خائفاً، أو يخفي شيئاً، فالإنسان يصبح أكثر حذراً بعد السجن… هل تريدين أن تجديه؟ أن تعرفي المزيد عنه؟

أنا: أريد على الأقل أن أعرف أين دُفن

مارينا: إن شاء الله، إذا سارت الأمور على ما يرام، أستطيع أن آتي إلى سانت بطرسبرغ، وتأتين أنت أيضاً، ونذهب إلى الأرشيف لنبحث عن معلومات. لكننا نحتاج إلى تاريخ ميلاده بالتحديد، أو ربما نذهب إلى دائرة السجل المدني ونبحث هناك ..

أمي و جدتي

جدتي

خالي، امي، جدتي (تصوير جدي)

ماما

خالي

أمي و خالي

أمي و خالي (تصوير جدي)

ماما، خال أمي (كنت أظنه جدي)، خالي

أخ جدي موتفي

جدي مع زوجته الأخيرة