تنتمي والدتي إلى جيل ولدَ في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. هذه الجملة الخبرية تستلزم منّا إعادة تأثيث الذاكرة بجغرافية المكان والإنسان لطفلة ولدت إبّان تلك الحقبة في قرية من قرى شمالي الأردن. التعليم حينها يكاد يكون حكرًا على الذكور مع وجود استثناءات في مراكز المدن وبين بنات الشيوخ والزعماء اللواتي حظين بالحدّ الأدنى من التعليم في تلك الفترة. نال الذكور في المقابل فرصة التعلّم، كلٌّ في قريته وفق نظام الكتاتيب، أمّا الالتحاق بالمدرسة للمرحلة الابتدائية فكان يتمّ في القرية نفسها أو في إحدى القرى المجاورة، ومن يريد أن يُكمل تعليمه الإعدادي، عليه أن يرسل أبناءه إلى مركز اللواء.
المرحلة الثانوية وحدها تعني الذهاب إلى مدينة السلط والإقامة فيها حيثُ مدرسة السلط التي خرّجت أغلب القيادات والزعامات السياسية في الأردن. وكان النجاح في الصف العاشر (الحصول على شهادة المِتْرِك) يعادل درجة البكالوريوس في الوقت الحالي ويوفر للناجح فرصة الحصول على منصب أو وظيفة في أي من الدوائر الحكومية. في النهاية، كان التعليم محكومًا بالانتقال والتنقّل، فالمرحلة الجامعية كانت تعني السفر باتجاه إحدى العواصم العربية أو الأجنبية.
خارج الفصاحة
وجد الإنسان الأردني نفسه في تلك الفترة بين خيارين: إمّا السير في ركب التيار الجديد والذهاب إلى المدارس والخضوع لنظام الحياة الجديدة، وإمّا المقاومة والتمسّك بالموروث الشعبي وأنظمته القديمة. وإن كان الخيار الأوّل معروفًا للجميع، فإنّ الخيار الثاني يستند إلى تخزين المعارف خارج دائرة التدوين والكتابة باللغة العربية الفصيحة، وذلك عبر تداول هذه المعارف والتجارب من خلال الأمثال والحكم والشعر الشعبي وتمريرها من جيل إلى آخر باللسان، وللتمسّك بهذا الموروث أحكامه الزمانية الخاصة التي تتجلّى بزمنٍ دائريّ يُكرّر فيه الأبناءُ حياةَ الآباء وهكذا دواليك.
وهذا الاتجاه الذي ترسّخ في العهد العثماني، يسير وفق قاعدة عشائرية تقول: «مجالسنا مدارسنا» و«الكبار دفاتر الصغار» ، وهي صيغة يتّضح فيها التحدّي للتيار الجديد. وبسبب غياب حضور الدولة العثمانية لفترة طويلة عن المنطقة الأردنية، رتّب الناس شؤونهم الخاصة، وصارت مجالس الرجال في المضافات ومجالس الشيوخ والوجهاء في العادة، هي المدارس الحقيقية التي يتعلّم فيها الإنسان، ومصدر التعليم هو ما يقوله الكبار ويعرفونه من تجارب عاشوها أو أخبار نقلوها عن أجدادهم. إضافة إلى أنّ الشعر الشعبي كان الوسيلة الإعلامية الوحيدة المتاحة للتعبير عن روح القرية أو العشيرة أو القبيلة، فتوثق أخبارها وتُعلن عن رأيها وتُرسل رسائلها من خلاله، ولكلّ منها شاعر ينجز هذه المهمة. وقول الشعر الشعبي ملكة أتقنها الكثير في ذلك الوقت، لكن شاعر القرية أو العشيرة هو الأكثر بلاغة وقدرةً على القول في مختلف المواضيع والأغراض، وهو الشخص الذي ينجح في تمثيل راي الجماعة والتعبير عنه، وهو القادر على الرد على شعراء القرى والعشائر الأخرى وإفحامهم.
أمّا المعارف والخبرات والقيم فتُخزّن في جمل قصيرة ذات إيقاع موسيقي، كي يسهل حفظها، هذا ما تنصّ عليه الأمثال الشعبية، لكي يسهل تداولها أيضًا. فضلًا عن ذلك، تأتي بعض الأخبار التي تروي أمجاد السابقين وحروبهم بالتضافر مع الحكايات الخيالية، وهي عادة تُروى في المجالس كي تُعزّز هذه القيم وتزرعها في ذاكرة الشباب والمراهقين.
صانعات المثل وضحاياه
يمكن القول إنّ المرأة هي خزّان هذه المعارف والتجارب، وهي التي تحفظ القصص والأمثال بما تتضمنه من قيم مجتمعية، وتحرص على أن تزرعها في أبنائها وبناتها وتجهّزهم كي يكونوا في طليعة المجتمع التقليدي، يتشرّبون أخلاقه ويقلّدونها في صغرهم، فتصبح جزءًا من تكوينهم في شبابهم إذ يتصرّفون وفقها بشكل طبيعي دون الحاجة إلى تكلّف أو ادّعاء.
غير أنّ المرأة ليست مجرّد ناقلٍ لهذا المخزون، بل هي صانعة له. وإن كان المجتمع العشائري أبويًّا وذكوريًّا في تكوينه، فإنّ المرأة القوية تحظى باحترام شديد ويُسمع قولها، خصوصًا إذا بقيت ملتزمة بأعراف المجتمع وتقاليده. فهي عندئذٍ تصبح ممثّلة للمجتمع وقيمه وتحرّض الرجال على الحفاظ عليها، كما تشارك في صناعة هذا المخزون وتطلق الأمثال التي تتداولها الألسن وترددها.
تحضر المرأة في الأمثال وصناعتها بشفافية تعكس الإطار الصلف لتعامل المجتمع معها، بما فيه من إجحاف بحقّها. يُنظر إليها بسلبية وحذر، فتُلام على ما يصيب العائلة، مثلًا المرأة الزوجة تنقل إلى العائلة أمراض أهلها الأخلاقية وفقًا لمثل «العرق دسّاس»
وعلى ذلك أمثلة كثيرة، أستذكر منها مثلًا له علاقة بقريتي وله قصة طريفة.. فقد حدث أنّ شابين، من قرية «نحلة» وهي قرية ملاصقة لقريتيّ «ريمون»، قرّرا الالتحاق بدعوة النفير العام للدفاع عن سوريا ضد الاحتلال الفرنسي التي أطلقها أنصار الشهيد يوسف العظمة قبيل معركة ميسلون الشهيرة (1920)، غير أنّهما انطلاقا ليلًا، فأضاعا الطريق بسبب طبيعة منطقتنا ذات الأشجار الحرجية الكثيفة، ظلّا يدوران حول قريتنا طوال الليل وهما يظنان أنهما يسيران في الطريق الصحيح.
بقيا على هذه الحال حتى طلوع الفجر، عندها وجدا امرأة من قريتنا تخبز على الصاج، فسألاها أن تعطيهما الخبز مستعطفين إياها بأنهما جاءا مشيًا من قرية بعيدة من قرى عجلون يُقال لها نحلة (كلمة عجلون في الماضي كانت تشمل كل مناطق الشمال في الأردن أي عجلون وجرش وإربد والكورة، أمّا الآن فهي مركز محافظة صغيرة بعد فصل هذه المناطق عنها). وما كان من المرأة إلا أن سألت كل واحد منهما عن اسم أمّه، ومن ثَمَّ نادت والدتيهما بصوت مرتفع بسبب قرب المسافة طالبة منهما أن تطعما أبناءهما، وقد صاحت بالجملة التي ستصبح مثلًا وتنتشر في كل أنحاء الأردن: «شباب نحلة وأصبحوا بريمون». وهو مثل يُضرب في الذي يظن نفسه أنجز الكثير وهو في الحقيقة يراوح في مكانه. علمًا أنّ لهذا المثل أكثر من رواية تتفق كلّها على الصيغة نفسها، فيما تختلف فيها أسباب سفر الشابين.
تحضر المرأة في الأمثال وصناعتها أيضًا بشفافية تعكس الإطار الصلف لتعامل المجتمع معها، بما فيه من إجحاف بحقّها. ووفق الخبرة والتجربة الشعبيتين، يُنظر إليها بسلبية وحذر، فتُلام على ما يصيب العائلة، مثلًا المرأة الزوجة تنقل إلى العائلة أمراض أهلها الأخلاقية وفقًا لمثل «العرق دسّاس»، والنساء ينظرن إلى البنت في مرآة أُمّها استئناسًا بالمثل القائل: «اقلبْ الجرّة على ثُمها، تطلع البنت لأمها». وإذا صدر فعل خاطئ من أي شخص في القرية أو العائلة، وكان هذا الشخص ينتمي إلى عمومة محترمة، فإنّهن ينسبن هذا العيب إلى الخؤولة، لأنّ «ثلثين الولد لخاله».
تصدّع سلطة اللسان
بدأ الاتجاه التراثي في الأردن يتصدّع في أواخر العهد العثماني، وأخذ بالانهيار التدريجي بالتزامن مع قيام الدولة الأردنية عام 1921. حينها، نشأت المدارس ومؤسسات الدولة ومجالسها النيابية والاستشارية، التي لم يكن ينتسب إليها إلّا المتعلّمون، الأمر الذي أجرى تحوّلًا جوهريًا في ميزان القوى؛ من كان يحجز مكانته في المجتمع بقوّته الجسدية وبفروسيته وبتمسكه بقيم المجتمع، بات يحلّ مكانه في المجتمع إنسان متعلّم له قيمه الخاصة التي تعلمها من الكتب والمؤسسات التعليمية. وبما أن الدولة الناشئة تفتح أبوابها في وجه الأخير، فإنّ الناس أصبحوا يقصدونه لتحقيق مصالحهم وتلبية طلباتهم.
هكذا سُحبَ البساط تدريجيًا من تحت أنصار هذا الاتجاه. مما أدى إلى سحب اعتماد زعامة شخص أحيانًا ومنحها لأخيه أو ابن عمّه لأنّ الأوّل لا يقرأ ولا يكتب. فالدولة العثمانية استغلّت أميّة الشيخ والزعيم العشائري الأردني المعارض لها قدر المجالي وألغت فوزه في مجلس «المبعوثان» للسبب نفسه وأعادت الانتخابات ليفوز ابن عمّه توفيق المجالي، كما سُحبت زعامة ناحية المعراض (تشمل حالياً قرى الفلّاحين في جرش) تدريجيًا من عبد العزيز الكايد لصالح أخيه علي باشا المتعلِّم، وفق ما تنقل روايات شفويّة عدّة أهمها الرواية التي سجلها الأكاديمي خضر عتوم في رسالته للماجستير: «الزعامة الاجتماعية السياسية في سوف – محافظة جرش: أنماطها وعناصرها» (1992).
عمر شفوي طويل
في مثل هذه الظروف ولدت أُمي، فكانت تعيد ترتيب حياتها ومواقفها من الأمور والأحداث التي تحصل معها من خلال تجارب السابقين المخزنة عبر الأمثال والحكم، كما اعتادت أن تسند رأيها أحيانًا بالأشعار والحكايات. وبالرغم من أنّها كانت مُجبرة على الذهاب في طريق الخيار الثاني، فإنّها سعت إلى وضع جميع أبنائها وبناتها (وعددهم أحد عشر ابنًا وابنةً) على جادة التعليم.
وعلاقتي وطيدة بالرقم أحد عشر، فهو رقمي بين إخوتي، وهو رقم الابن الأصغر في العائلة الذي يكنّى صاحبه عربيًا بـ «آخر العنقود»، وأردنيًا بـ «قريد العش» أو «جريو الحضن»، والقريد والجريو تصغير للقرد والجرو وهي طريقة أردنية في تسمية العضو الأصغر في العائلة، وهي صيغة دلال لا هجاء في هذا السياق.
أنجبتني أمّي عام 1984 وهي في الثامنة والأربعين من عمرها، وحينما بدأتُ أعي الكون من حولي وأخذت ذاكرتي تتشكّل، كانت في منتصف الخمسينات، امرأة بذاكرة طويلة شاركتني جزءًا منها، فكانت تحكي لي حكاياتها ومواقفها وتربط كلّ موقف بمثل من الأمثال التي تعلّقت بها. ولأمي بعض القيم أو العادات التي تشرّبتها من الأمثال الشعبية، فلم تكن تُعلن عن أي إنجاز أو خبر من أخبار العائلة إلّا بعد تمامه، ينطبق ذلك على كل أمور حياتها مهما كبُرت أو صغُرت، مستندةً في ذلك إلى المثل الشعبي القائل: «لا تقول فول وما حطيت بالعدول». وهو مثل مستمد من حذر الفلّاح الأردني من تقلّبات الأيام، وأنّه لا يعلن عن امتلاك الثمر إلّا بعد قطفه ووضعه في العدول «السِّلال»، وهو مثل يُستعار في عدم الاستعجال في إطلاق الأحكام والإعلان عن الأخبار إلّا بعد حدوثها.
استعانت أمي بأمثال تعبّر في جوهرها عن طبيعة الاقتصاد الفلّاحي في الأردن، التي شكّلتها ظروف الحياة الصعبة في الفترة العثمانية وبدايات فترة الإمارة لاحقًا، كونها تكشف عن طريقة تفكير الفلّاح الذي يعيش على الكفاف خائفًا من تقلّبات الأيام
أمّا فيما يتعلّق بالكرم والإنفاق المالي فكانت تقول: «ضُمْ إيدك مليح، لا بتدمي ولا بتقيح» في إشارة إلى اتباع الحكمة في الإنفاق وفي محاولة إرشادنا إلى مسك عصا الإنفاق من المنتصف. كما كانت تستشهد بمثل خاص بإقامة الولائم، وهو «غَيِّبْ غَيِّبْ وإن وقعت كون طيب»؛ والمثل يحمل دعوة صريحة إلى الاقتصاد والابتعاد عن المبالغة في الكرم الاستعراضي، لكن إذا وجبت الدعوة أو التزمَ بها أي أحد منّا فعليه أن يذهب في إظهار الكرم إلى منتهاه؛ انطلاقًا من أنّ هذه الوليمة هي التي سترسّخ صورتك في أذهان الناس، لذا يعيبك أن تظهر أي تقصير أو مظهر من مظاهر الشح والبخل.
أمثال كهذه تعبّر في جوهرها عن طبيعة الاقتصاد الفلّاحي في الأردن، التي شكّلتها ظروف الحياة الصعبة في الفترة العثمانية وبدايات فترة الإمارة لاحقًا، كونها تكشف عن طريقة تفكير الفلّاح الذي يعيش على الكفاف خائفًا من تقلّبات الأيام التي تتجسّد على هيئة ثلاثة أشياء: القحط والغزو وجباة الضرائب، فإن نجا الفلاح من واحدة كان عُرضة لمواجهة الثانية. لهذا يلجأ إلى الموازنة بين القيم العربية والعشائرية التي تدعو إلى الكرم واحترام الضيف وبين الظروف الاقتصادية الصعبة والمفاجآت غير السارّة التي تفرض عليه التوفير وعدم التبذير.
كانت أمّي ترفض المبالغة في لوم الناس على أخطائهم أو التشهير بفضائحهم، فإذا سمعت أحدًا من أبنائها أو أقاربها يشمت في أحد أو يبالغ في لومه على خطئه، كانت تبادر إلى إيقافه بالمثل «لا تلوِّم الناس، يجي يوم والناس تلومك». وهي أكثر قاعدة شعبية ثبتت صحتها، لأنك إذا استطعت تحصين نفسك من الوقوع في الخطأ، فلن تستطيع تحصين أبنائك والمقربين منك في المستقبل. هذا المثل لا يُعبّر عن طبيعة المجتمع إنما هو يُعاكسه ويواجهه بعيوبه، فالمجتمع القروي مجتمع فضولي يتلذّذ بمراقبة الناس وتتبع عيوبهم، وأهالي القرى بشكل عام يُجيدون صناعة الأخبار والفضائح الكبرى التي ينسجونها من أخبار وفضائح صغرى.. لهذا جاء هذا المثل ليذكّر الناس بتقلبات الدنيا وبأنّ الدور الذي أصاب غيرك سيأتي عليك.
بين عائلتين
تتنوّع الأمثال الشعبية حدّ التناقض أحيانًا وتصبّ في كلِّ الاتجاهات، واختيار المرء قطعة من عقله، كما يقول الجاحظ، يكشف عن تفكيره. هذه الأمثال هي نتاج مرحلة وجد فيها الناس الطريقة لتخزين معارفهم وتجاربهم بخيرها وشرها، وكانت أمّي كثيرًا ما تشير إلى اختيارات بعض نساء العائلة من الأمثال التي تميل إلى الشر أحيانًا، كالمثل القائل «إذا لقيت أعمى دُبُّه.. أنت مش أخبر بيه من ربّه»، فهو يدعو إلى ترك الناس في جهلهم وقراراتهم الخاطئة دون نصحهم والاستمتاع بمشاهدتهم وهم يسقطون ويحصدون النتائج السلبية. وفي المقابل كانت تميل إلى أمثال تدعو إلى الوفاء وعدم الغدر من مثل: «مَنْ أمَّنك لا تخونه ولو كنت خوَّان».
لا يسعى هذا الكلام إلى إظهار صورة الأم في حلّتها المثالية، وإن كان يصعب على المرء أن يرى الأم في غير هذه الصورة، ففي الوقت الذي كانت فيه ترفض المثل القائل: «القرايب عقارب»، إلا أنّها كانت تأخذ كلّ كلام يُقال من أقاربنا على محمل الجد، بل وتذهب فورًا إلى تأويله وفهم ما وراء الكلام الظاهر، والتعامل بحدة مع أي محاولة للخروج عن الحدود أو ضياع الحقوق. هذا ما زرعته فينا، لكنها، في الوقت نفسه زرعت فينا أنّ لا قيمة للإنسان في المجتمع دون عزوته وأهله؛ فـ «أهلك جنّة وإن تجنُّوك»، كما تلجأ إلى مثل آخر يأمر بالتزام العشيرة والأقارب وإلّا فمصيرك الهلاك، فتقول: «أهلك ولّا تهلك».
انسحبت هذه الأمثال على تعاملها معنا، نحن أولادها، فكانت تستعين بالمثل الشهير «ابنِك على ما ربيتيه وجوزِك على ما عودتيه»، وتردّد «كثرة المديح بتخرِّب»، لذلك فإنّها لا تبالغ في مديح الابن على ما يُقدِّم لها بل تشعره أنّ هذا واجبه وأنّه مقصر فيه
تركت أمّي عائلتها وتزوّجت أبي في الرابعة عشرة من عمرها، وصارت تعد نفسها جزءًا من عائلة أبي التي تربّت وعاشت بين أفرادها أغلب سنوات عمرها، غير أنّها كانت تتبع استراتيجية ثابتة في التعامل مع العائلتين؛ تدافع عن أهلها أمام عائلة أبي ولا تسمح لأحد أن يذكرهم بسوء، وفي المقابل تُدافع عن عائلة زوجها أمام أهلها ولا تسمح لأحد أن يذكرهم بسوء أيضًا. والسبب وراء ذلك أنّها كانت تعد هذا الأمر استهانة بها وليس بالطرف الآخر، فلو كان يحسب حسابها لما تجرّأ على غمز جانبهم أمامها.
انسحبت هذه الأمثال على تعاملها معنا، نحن أولادها، فكانت تستعين بالمثل الشهير «ابنِك على ما ربيتيه وجوزِك على ما عودتيه»، وتردّد «كثرة المديح بتخرِّب»، لذلك فإنّها لا تبالغ في مديح الابن على ما يُقدِّم لها بل تشعره أنّ هذا واجبه وأنّه مقصر فيه، ولا تبالغ بالافتخار أمامنا بالإنجازات التي نحققها، بل تلومنا على الإسراف والمبالغة في الاتجاهات والمسارات التي اخترناها لأنفسنا. تلومني على كثرة القراءة وشراء الكتب، وتحذر أخي من المسار الحزبي الذي اختاره لنفسه، ولا تبالغ في تضخيم إنجازات أخي الكبير الذي حصل على جائزة عالمية في الفيزياء، وتلوم آخر على انشغاله بالعمل وبالمشاريع وجني المال. غير أنّها تبالغ في الفخر بنا ومديحنا في غيابنا، وترى أنّ الأم هي التي تصنع صورة الابن بين الناس، فلا تسمح لأحد بأن يسخر أو يغمز جانبنا ولو على سبيل المزاح.
قبل خمس سنوات، حصلتُ على درجة الدكتوراه، وهي الدرجة التي تتوّج المسار الأوّل الذي تحدثنا عنه، غير أنّ تفكيري وطريقتي في إدارة حياتي لا تزال رهينة لأمثال والدتي، أراها أمامي في كل قرار أتخذه، ولا أستطيع أن أتجاوزها ولهذا خصصت بحثي الذي سينشر قريبًا للأمثال الشفوية بعنوان «الدولة والصراع اللغوي في الأدرن: من الأنماط الشفوية إلى الأنماط الكتابة».
تعلّمت في النهاية أن الأمثال هي الطريق التي سارت فيها حيوات الكثير من النساء الأردنيات في تلك الفترة في سبيل ردم الهوة بين مسار الأجيال القديمة ومسار الجيل الجديد، كي تضع هذا الجيل على جادة المسار الجديد وهو مسلَّح بما يُفيده من الإرث القديم.
كلمات تفوق الذاكرة
بالرغم من أنّ هذه الأمثال دُوِّنت وجُمعت في كتب ومعاجم خاصة في القرن العشرين، فإنّ الكثير منها بدأ يختفي من الحياة اليومية للمجتمع في خضمّ الحياة المستجدّة التي خلقتها التطورات التكنولوجية السريعة وانغماس الناس في الفضاء الإلكتروني الذي يُعزّز القطيعة المجتمعية مع الموروث. اليوم لا نكاد نسمع هذه الأمثال إلّا من أفواه المعمَّرين وكبار السن أو ممن يستعيدون ذكرياتهم مع الراحلين، كما تفعل هذه المقالة.
في السنوات الثلاث الأخيرة من حياتها، بدأت تظهر على أمّي علامات مرض ألزهايمر تدريجيًا، وهو الأمر الذي لم نكتشفه أو لم نفهم أعراضه جيدًا إلّا في السنة الأخيرة، العَرَض الوحيد الذي لاحظتُه أنّها بدأت تفقد علاقتها بأمثالها تدريجيًا مع مرور الوقت. وقد تجلّى ذلك في الشهور الثلاثة الأخيرة، بعدما أُصيبت بجلطات دماغية عدّة أدخلتها في حالة من الشلل النصفي الذي تطوّر في أيامها الأخيرة إلى حالات من الشلل الكامل مع فقدان للبصر أحيانًا. هي الأيام نفسها التي فقدت فيها قدرتها على استذكار أمثالها واستدعائها.
كنّا نحن أبناءها نتناوب على السهر عليها، وفي ليلة من الليالي الأخيرة التي كنتُ مناوبًا فيها استيقظت في منتصف الليل وقد عاودتها حالة العمى مع الشلل شبه الكامل، سألتني: «أنا مُتت»، فأجبتها بالنفي، لكنها أصرّت على أنها ماتت وطلبت مني أن أحضر أختي كي تقوم بإجراءات الغسل «خليها تغسلني وتكفني قبل ما يتجمهرن النسوان فوق راسي».. حاولت أن ألهيها عن هذه الأفكار بالحديث معها وبقراءة القرآن. وأخيرًا خطرت في بالي فكرة استذكار الأمثال، حاولت استدعاء أمثالها وقصصها لكنّ الأمر بدا عبثيًا ودون جدوى، لم تسعفني ذاكرتي، فالموقف كان أكبر من الذاكرة.














